لعلَّها معذورة

عروة بن أُذَينة

إنَّ الَّتي زَعَمَتْ فُؤادَكَ مَلَّها
خُلِقَتْ هَواكَ كما خُلِقْتَ هَوًى لَها1
فيكَ الَّذي زَعَمَتْ بها، وكِلاكُما
[أبْدَىٰ] لصاحِبِه الصَّبابةَ كُلَّها2
ويَبِيتُ بَيْنَ جَوانِحِي حُبٌّ لَها
لَوْ كانَ تحتَ فِراشِها لَأَقَلَّها3
ولَعَمْرُها لَوْ كانَ حُبُّكَ فَوْقَها
يَوْمًا وقَدْ ضَحِيَتْ إذًا لَأَظَلَّها4
وإذا وَجَدْتُ لَها وَساوِسَ سَلْوةٍ
شَفَعَ الفُؤادُ إلى الضَّمِيرِ فَسَلَّها!5
بَيْضاءُ باكَرَها النَّعِيمُ فصاغَها
بلَباقةٍ فأدَقَّها وأجَلَّها6
لمَّا عَرَضْتُ مُسَلِّمًا ليَ حاجةٌ
أرجُو مَعُونتَها وأخشَىٰ [دَلَّها]7
[حَجَبَتْ] تَحِيَّتَها، فقُلْتُ لصاحبِي:
ما كانَ أكْثَرَها لنا وأقَلَّها!
فَدَنا فقالَ: لعلَّها مَعْذُورةٌ
[في بَعْضِ] رِقْبَتِها، فقُلْتُ: لعلَّها!8

شرح الغريب (1-8)

  1. الهوى (هنا): المَهْوِيُّ؛ أي: المحبوب.
  2. الصَّبابة: رقَّةُ الشَّوق وحرارتُه.
  3. الجوانح: ج الجانِحة؛ وهي الضِّلَعُ القصيرةُ ممَّا يلي الصَّدْر. أقلَّها: حملَها ورفعَها.
  4. لَعَمْرُها: أسلوب قَسَم؛ بمعنى: وحَيَاتِها. ضَحِيَتْ: أصابَها حرُّ الشمس.
  5. الوساوس: أحاديثُ النَّفْس. السَّلْوة: اسمُ مَرَّةٍ من (سَلَا الشَّيءَ)؛ إذا نسيَه وطابتْ نفسُه بعد فراقه. سَلَّها: انتزعَها وأخرجَها. يقول: كيف أسْلُوها إنْ كان قلبي شفيعَها إليَّ؟!
  6. باكرَها النعيمُ: سبقَ إليها في ابتداء خَلْقِها. أراد أنَّها لم تَعِشْ إلَّا في النعيم، وأنَّها لم تُلاقِ بؤسًا فيؤثِّرَ في جمالها وتمامها. اللَّباقة: الحِذْقُ بالشَّيء. أدقَّها: جعلَها دقيقةً. أجلَّها: جعلَها جليلةً. يريد: أدَقَّ من محاسنها ما ينبغي أن يكون دقيقًا، وأجَلَّ منها ما ينبغي أن يكون جليلًا.
  7. الدَّلُّ: الغُنْج والدَّلال.
  8. الرِّقْبة: الحَذَر والخوف.
التوثيق
زيادة بيان:

وداعُ حبيب

الشريف الطليق

قالَ صاحبُ (نَفْحِ الطِّيب، من غصنِ الأندلسِ الرَّطيب): ويُظَنُّ أنَّه لا يوجدُ لأحدٍ [مِن مُعاصِرِيه] أحلىٰ وأكثرُ أخْذًا بمَجامعِ القلوبِ مِن قولِه:

وَدَّعْتُ مَنْ أهْوَىٰ أَصِيلًا، لَيْتَني
ذُقْتُ الحِمامَ ولا أذُوقَ نَواهُ1
فوَجَدْتُ حتَّىٰ الشَّمسَ تَشْكُو وَجْدَهُ
والوُرْقَ تَنْدُبُ شَجْوَها بِهَواهُ2
وعَلى الأصائلِ رِقَّةٌ مِنْ بُعْدِهِ
فكَأنَّها تَلْقَى الَّذي ألْقاهُ!3
وغَدَا النَّسِيمُ مُبَلِّغًا ما بَيْنَنا
فلِذاكَ رَقَّ هوًى وطابَ شَذاهُ!4
ما الرَّوضُ قدْ مُزِجَتْ بهِ أنْداؤُهُ
سَحَرًا بأطْيَبَ مِنْ شَذا ذِكْراهُ5
والزَّهْرُ مَبْسِمُهُ، ونَكْهَتُهُ الصَّبَا،
والوردُ أخْضَلَه النَّدىٰ خَدَّاهُ6
فلِذاكَ أُولَعُ بالرِّياضِ لأنَّها
أبدًا تُذَكِّرُني بمَنْ أهْواهُ!

شرح الغريب (1-6)

  1. الأصيل: وقتُ اصفرارِ الشمس لمغربِها. الحِمام: الموت. النَّوى: البُعد.
  2. الوَجْد: الحُبّ. الوُرْق: ج الوَرْقاء؛ وهي الحمامة. الشَّجْو: الهمُّ والحزن. التقدير: (فوجدتُ الأشياءَ حتَّى الشمسَ)؛ فحذفَ المعطوفَ عليه، وليس هذا من أساليب الفصحاء المتقدمين.
  3. الأصائل: ج الأصيلة؛ وهي بمعنى (الأصيل) المذكور آنفًا.
  4. الشَّذا: قوَّةُ الرائحة، وغلبَ استعمالُه في الرائحة الطيِّبة.
  5. الأنداء؛ ج النَّدى؛ وهو قطراتُ الماء. سَحَرًا: آخِرَ الليل قُبيلَ الفجر.
  6. المَبْسِم: الفم. النَّكْهة: ريحُ الفم. الصَّبا: ريحٌ طيِّبةٌ تهبُّ من جهةِ الشرق. أخْضَلَه: بلَّه.
ترجمة الطليق:
مروان بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن الناصر، الأموي (ت 400ھ): من أمراء بني أمية بالأندلس، سجن وهو في السادسة عشرة من عمره، ومكث سجينًا (16) سنة، وعاش بعد إطلاقه (16) سنة، وهذا من نادر الاتفاق. وكان أديبًا شاعرًا مكثرًا، قال ابن حزم: «هو في بني أمية كابن المعتز في بني العباس؛ ملاحة شعر، وحسن تشبيه». نظم أكثر شعره وهو في السجن، وعُرف بالطليق بعد خروجه منه.
التوثيق