دراسة حالة

في (التتميم)

ابن أبي الإصبع

هوَ أنْ تأتيَ في الكلامِ كلمةٌ إذا طُرِحَتْ [منه] نَقَصَ معناه في ذاتِه أو في صفاتِه، ولفظُه تامٌّ. وإنْ كانَ في الموزونِ نَقَصَ وزنُه معَ نَقْصِ معناه؛ فيكونُ الإتيانُ بها لتتميمِ الوزنِ والمعنىٰ معًا، فإنْ تمَّمَتِ الوزنَ فقطْ فتلك منَ الحَشْوِ المَعِيب.

ولا يَخْلُو: إمَّا أنْ يَرِدَ علىٰ معنًى تامٍّ في ذاتِه أو في صفاتِه، أوْ لا؛ فإنْ كانَ الأوَّلَ فهو التَّكميل، وإنْ كانَ الثانيَ فهو التَّتميم.

 فمثالُ التَّتميمِ قولُه تعالىٰ: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ[النَّحل: 97]؛ فقولُه: ﴿مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ﴾ تتميمٌ، وقولُه تعالىٰ: ﴿وَهُوَ مُؤۡمِنٞ﴾ تتميمٌ ثانٍ، وبهذينِ التَّتميمينِ تمَّ معنى الكلامِ وجرىٰ على الصِّحَّة، وإلَّا فهو بدونِهما ناقص.

 ومنَ التَّكميلِ في هذا البابِ قولُه تعالىٰ: ﴿وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا ٨[الإنسان]؛ فإنَّ قولَه سُبْحانَه: ﴿عَلَىٰ حُبِّهِۦ﴾ تكميلٌ لحُسْنِ هذا المعنىٰ، إنْ كانَ الضميرُ في (حُبِّه) عائدًا على الطَّعام، وإنْ كانَ عائدًا على اللهِ سُبْحانَه فهو تتميمُ احتياط. واللهُ أعلمُ.

مثالٌ جامع

ومِن ذلك أيضًا قولُه تعالىٰ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ[البقرة: 266].

فجاءَ في هذه الآيةِ ثمانيةُ مواضعَ في كلِّ موضعٍ منها تتميم، وأتَتْ علىٰ جميعِ أقسامِ التَّتميمِ الثلاثة: مِن تتميمِ النَّقْص، وتتميمِ الاحتياط، وتتميمِ المبالغة.

 فأوَّلُها في قولِه تعالىٰ في تفسيرِ الجنَّة: ﴿مِن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ﴾؛ لاحتمالِ أن تكونَ جنَّةً ذاتَ أَثْلٍ وخَمْطٍ؛ فإنَّ لفْظَ الجنَّةِ يَصْدُقُ علىٰ كلِّ شجرٍ مُجتمِعٍ يَستُرُ بظلِّ غصونِه الأرضَ كائنًا ما كان، ومنَ الشَّجرِ ما له نفعٌ عظيمٌ عميمٌ كالنَّخيلِ والأعناب، وما له نفعٌ قليلٌ كالأَثْلِ والخَمْط، ومع هذا فلوِ احترقَتْ لإنسانٍ جنَّةٌ مِن أَثْلٍ وخَمْطٍ لاشتدَّ أسفُه عليها، فكيفَ إذا كانتْ مِن نخيلٍ وأعناب؟!

 ثمَّ عَلِمَ سُبْحانَه أنَّ الجنَّةَ ـ وإنْ كانتْ مِن نخيلٍ وأعنابٍ ـ ما لم تَجْرِ الأنهارُ مِن تحتِها، لم يُثمِرْ شجرُها، ولم يُنتفَعْ بسَكَنِها، ولم تكنْ لها حياةٌ البَتَّة، فتمَّمَ هذا النَّقْصَ بقولِه تعالىٰ: ﴿تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾.

 ثمَّ عَلِمَ أنَّ الجنَّةَ لو جَمعَتْ إلى النَّخيلِ والأعنابِ كلَّ الثَّمراتِ، كانَ وصفُها أتمَّ، ونفعُها أعظمَ، والأسفُ علىٰ فسادِها أشدَّ، فقالَ متمِّمًا هذا النَّقْصَ تتميمَ مبالغة: ﴿لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾.

 ولمَّا فرغَ سُبْحانَه مِن أوصافِ الجنَّةِ أخذَ في وصْفِ صاحبِها؛ فوصَفَه بالكِبَر؛ لأنَّه لو كانَ شابًّا لرَجا أنْ يُخْلِفَها بعدَ إحراقِها؛ لِمَا يَجِدُ في نفْسِه منَ القوَّة، ويأمُلُ مِن طولِ المُدَّة، فقالَ مُحتاطًا: ﴿وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ﴾.

 ثمَّ عَلِمَ سُبْحانَه أنَّه إذا كانَ عقيمًا معَ الكِبَرِ سَلَّاه عنها قُرْبُ المُدَّة، وعدمُ مَنْ يهتمُّ بضِياعِه بعدُ؛ فلا يشتدُّ أسفُه عليها، فقالَ مُحتاطًا أيضًا: ﴿وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ﴾.

 ثمَّ عَلِمَ أنَّه إذا لم يَصِفِ الذُّرِّيَّةَ بالضَّعفِ، احتملَ الإطلاقُ أنْ يكونُوا أقوياءَ؛ فيُترجَّىٰ إخْلافُهم لها، فيُخفِّضُ ذلك مِن أسفِه، فقالَ مُحتاطًا: ﴿ضُعَفَآءُ﴾.

ثمَّ لمَّا فرغَ مِن وصْفِ الجنَّةِ أخذَ في وصْفِ الحادثِ المُهلِكِ لها؛ بقوله : ﴿فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ﴾.

 وعَلِمَ أنَّ الإعصارَ لا يُعجِّلُ فسادَ هذه الجنَّة، ولا يَحصُلُ هلاكُها به إلَّا بعدَ استمرارِه عليها في مُدَّةٍ طويلة، وهو يريدُ الإخبارَ بتعجيلِ هلاكِها؛ فقال: ﴿فِيهِ نَارٞ﴾.

واقتصرَ سُبْحانَه منَ الرِّياحِ على الإعصار؛ لكونِه عبارةً عنْ تقابُلِ الرِّياحِ المثيرةِ للعَجاجِ الكثيف، الَّذي دوامُه يُعْمي عيونَ الماء، ويَطُمُّ الآبارَ والأنهار، ويُحرِقُ بسَمُومِه ووَهَجِه الأشجار، وإذا اتَّفقَ معَ ذلك أنْ تكونَ فيه نارٌ أدارَها على المكانِ الَّذي يكونُ فيه، بحيثُ لا ينصرفُ عنه؛ لأنَّه لا يَقصِدُ وِجْهةً مقابِلةً؛ فينصرفَ ما يكونُ فيه إليها.

 ثمَّ عَلِمَ سُبْحانَه أنَّ النَّارَ يُحتمَلُ أنْ تكونَ ضعيفةً فتَطْفَأَ؛ لضعفِها عنْ مقاومةِ ما في الجنَّةِ منَ الأنهار، فاحتاطَ مِن ذلك بقوله تعالىٰ: ﴿فَٱحۡتَرَقَتۡ﴾؛ فنفىٰ هذا الاحتمال، وأوجزَ في تتميمِ المراد.

بلاغةٌ وإعجاز

فانظُرْ ما تضمَّنَتْ هذه الآيةُ الكريمةُ مِن تقاسيمِ هذا النَّوع، إلىٰ ما فيها منِ ائتلافِ اللَّفظِ بالمعنىٰ، والتَّهذيب، وحُسْنِ النَّسَق، والتَّمثيل، وحُسْنِ البيان، والمساواة؛ لِتعلَمَ أنَّ هذا الكتابَ الكريمَ بأمثالِ هذه الآيةِ عَجَّزَ الفُصَحاء، وبَلَّدَ الأذكياء، وأعْيَا على البُلَغاء.

التوثيق

لقاءُ أسدين

بديع الزمان الهمذاني

قالَعلىٰ لسانِ بِشْرِ بنِ عَوانةَ العَبْدِيِّ ـ وهو اسمُ شاعرٍ اخترعَه البديعُ ـ وقد عَرَضَ له أسَدٌ في طريقِه، فاخْتَرَطَ سيفَه ودَلَفَ به إليه، وهي منَ النَّمَطِ العالي الَّذي لمْ يُنسَجْ علىٰ مِنْوالِه:

تَبَهْنَسَ [إذْ تَقاعَسَ] عنهُ مُهْرِي
مُحاذَرةً، فقلْتُ: عُقِرْتَ مُهْرَا!1
أَنِلْ قَدَمَيَّ ظَهْرَ الأرضِ إنِّي
رأيْتُ الأرضَ أثْبَتَ منكَ ظَهْرَا
وقلْتُ لهُ وقدْ أبْدَىٰ نِصالًا
مُحَدَّدةً ووَجْهًا مُكْفَهِرَّا2
يُكَفْكِفُ غِيلةً إحْدَىٰ يَدَيْهِ
ويَبْسُطُ للوُثُوبِ عليَّ أُخْرَىٰ3
يُدِلُّ بمِخْلَبٍ وبحَدِّ نابٍ
وباللَّحَظاتِ تَحْسَبُهنَّ جَمْرَا4
وفي يُمْنايَ ماضِي الحَدِّ أبْقَىٰ
بمَضْرِبِهِ قِراعُ المَوْتِ أُثْرَا:5
نَصَحْتُكَ فالْتَمِسْ يا لَيْثُ غَيْرِي
طَعامًا، إنَّ لَحْمِي كانَ مُرَّا!
وقَلْبِي مِثْلُ قَلْبِكَ ليسَ يَخْشىٰ
مُصاوَلةً، وليسَ يَخافُ ذَعْرَا6
ففِيمَ تَسُومُ مِثْلِي أنْ يُوَلِّي
ويَجْعَلَ في يَدَيْكَ النَّفْسَ قَسْرَا؟!7
فلَمَّا ظَنَّ أنَّ الغِشَّ نُصْحِي
وخالَفَنِي كأنِّي قُلْتُ هُجْرَا8
مَشَىٰ ومَشَيْتُ.. مِنْ أسَدَيْنِ! رامَا
مَرامًا كانَ إذْ طَلَبَاهُ وَعْرَا9
هَزَزْتُ لهُ الحُسامَ فخِلْتُ أنِّي
[شَقَقْتُ] بهِ لَدَى الظَّلْماءِ فَجْرَا10
وجُدْتُ لهُ بجائِشةٍ أرَتْهُ
بأنْ كَذَبَتْهُ ما مَنَّتْهُ غَدْرَا11
وأطْلَقْتُ المُهَنَّدَ مِنْ يَمِينِي
فقَدَّ لهُ مِنَ الأضْلاعِ عَشْرَا12
[بضَرْبةِ فَيْصَلٍ تَرَكَتْهُ شَفْعًا
وكانَ كأنَّهُ الجُلْمُودُ وَتْرَا]13
فخَرَّ [مُضَرَّجًا] بدمٍ كأنِّي
هَدَمْتُ بهِ بِناءً مُشْمَخِرَّا14
وقلْتُ لهُ: يَعِزُّ عليَّ أنِّي
قَتَلْتُ مُناسِبِي جَلَدًا و[قَهْرَا]15
ولكِنْ رُمْتَ شَيْئًا لَمْ يَرُمْهُ
سِواكَ، فلَمْ أُطِقْ يا لَيْثُ صَبْرَا
تُحاوِلُ أنْ تُعَلِّمَني فِرارًا؟!
لَعَمْرُ أبِيكَ قَدْ حاوَلْتَ نُكْرَا!16
فلا [تَبْعَدْ] فقَدْ لاقَيْتَ حُرًّا
يُحاذِرُ أنْ يُعابَ، فمِتَّ حُرَّا17

شرح الغريب (1-17)

  1. تبهنسَ: تبخترَ (يعني الأسدَ). تقاعسَ: تراجعَ. المُهْر: ولدُ الفرَس. عُقِرْتَ: قُطِعَتْ قوائمُك (دعاءٌ عليه).
  2. شبَّهَ أنيابه بنِصالِ السِّهام الحادَّة. مُكْفَهِرًّا: عابسًا.
  3. يُكفكِفُ: يَقْبِضُ. غِيلةً: خَدِيعةً، أو: للاغتيالِ.
  4. يُدِلُّ: يَجْتَرئُ، أو: يَنْقَضُّ على فريستِه مِن عَلُ؛ كالبازي. اللَّحَظات: النَّظَرات.
  5. المَضْرِب: حدُّ السَّيف. القِراع: المضاربة بالسُّيوف. الأُثْر: أثَرُ الجُرح بعد البُرْء، استعارَه هنا لثُلُوم السَّيف.
  6. المُصاولة: المُواثبة والمُغالبة. الذَّعْر: الإخافة.
  7. سامَه الأمرَ: كلَّفَه إيَّاه، وألزمَه به. وَلَّى: فرَّ هاربًا. القَسْر: القَهْر والإكراه.
  8. الهُجْر: الهَذَيان، والقول القبيح.
  9. مِن أسدينِ: تعجُّبيَّة؛ أي: اعجَبُوا من أسدين. المَرامُ الوَعْرُ: المَطلَبُ الصَّعبُ المنالِ.
  10. الحُسام: السَّيف القاطع. شقَّ الفجرَ: أطْلَعَه.
  11. بجائشة: بضربة هائجة. مَنَّتْه الأمرَ: جعلَتْه يتمنَّاه. يقول: كذبَتْ عليه تلك الضربةُ وغدرَتْ به، حين منَّتْه خيبتَها وعدمَ إصابتِها؛ لاضطرابها بهَيَجان ضاربِها.
  12. المهنَّد: السَّيف المصنوع في الهند. قدَّ: قطعَ.
  13. الفيصل: الماضي القاطع. شَفْعًا: أي اثنين. الجُلْمود: الصَّخْر. وَتْرًا: واحدًا.
  14. خرَّ: سقطَ. مضرَّجًا: ملطَّخًا. المُشْمَخِرُّ: العالي المرتفع.
  15. يَعِزُّ عليَّ: يَصعُبُ. المُناسِب: المُشابِه والمُشاكِل. الجَلَد: الشِّدَّة والقوَّة. القَهْر: الغَلَبة.
  16. لَعَمْرُ أبيكَ: أسلوب قَسَم؛ تقديره: لَعَمْرُ أبيكَ قَسَمي، والعَمْرُ والعُمْرُ واحدٌ. النُّكْر: الأمر المُنكَر.
  17. لا تَبْعَدْ: لا تَهْلِكْ! وهو دعاءٌ خرجَ بلفظ النَّهي، تدعو العربُ به لمن هلك؛ فشَقَّ هلاكُه على من يَفقِدُه.
ترجمة بديع الزمان:
أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى الهمذاني (ت 398ھ): أحد أئمة الكتاب، صاحب (المقامات) المشهورة، التي أخذ الحريري أسلوب مقاماته عنها. ولد في همذان، وانتقل إلى هراة فسكنها، ثم ورد نيسابور ولم تكن قد ذاعت شهرته، فلقي أبا بكر الخوارزمي، فشجر بينهما ما دعاهما إلى المساجلة، فطار ذكر الهمذاني في الآفاق.كان قوي الحافظة، يضرب المثل بحفظه.
التوثيق

طردُ الهمِّ

ابن حَزْم الأندلسي

تَطَلَّبتُغَرَضًا يَسْتوي النَّاسُ كلُّهم في اسْتِحسانِه وفي طَلَبِه، فلَمْ أَجِدْه إلَّا واحدًا؛ وهو طَرْدُ الهَمِّ. فلمَّا تدبَّرْتُه عَلِمْتُ أنَّ النَّاسَ كلَّهم لَمْ يَسْتَوُوا في اسْتِحسانِه فقطْ، ولا في طَلَبِه فقطْ، ولكنْ رأيْتُهم على اختلافِ أهوائِهم ومَطالِبِهم، وتبايُنِ هِمَمِهم وإراداتِهم، لا يتحرَّكُونَ حركةً أصْلًا إلَّا فيما يَرْجُونَ به طَرْدَ الهَمِّ، ولا يَنْطِقُونَ بكلمةٍ أصْلًا إلَّا فيما يُعانُونَ به إزاحتَه عنْ أنْفُسِهم؛ فمِنْ مُخطئٍ وَجْهَ سبيلِه، ومِن مُقارِبٍ للخطأ، ومِن مُصِيب؛ وهو الأقلُّ منَ النَّاسِ في الأقلِّ مِن أُمُورِه.

إجماعٌ أُمَمِيٌّ

فطَرْدُ الهَمِّ مَذْهبٌ قدِ اتَّفقَتِ الأُمَمُ كلُّها ـ منذُ خَلَقَ اللهُ تعالىٰ العالَم، إلىٰ أنْ يتناهىٰ عالَمُ الابتداء، ويُعاقِبَه عالَمُ الحساب ـ علىٰ ألَّا يَعتمِدُوا بسَعْيِهم شيئًا سِواه… وليسَ في العالَمِ مُذْ كانَ إلىٰ أنْ يتناهىٰ أحدٌ يَستحسِنُ الهَمَّ، ولا يريدُ إلَّا طَرْحَه عنْ نَفْسِه.

ولكنْ كَيْف؟

فلمَّا استقَرَّ في نَفْسِي هذا العِلْمُ الرَّفيع، وانكشفَ لي هذا السِّرُّ العجيب، وأنارَ اللهُ تعالىٰ لفِكْرِي هذا الكَنْزَ العظيم، بحثْتُ عنْ سبيلٍ مُوصِلةٍ على الحقيقةِ إلىٰ طَرْدِ الهَمِّ، الَّذي هو المطلوبُ النَّفِيسُ الَّذي اتَّفقَ جميعُ أنواعِ الإنسانِ ـ الجاهلِ منهم والعالِم، والصَّالحِ والطَّالِح ـ على السَّعْيِ له، فلَمْ أَجِدْها إلَّا التَّوَجُّهَ إلى اللهِ بالعملِ للآخرة.

كُلٌّ علىٰ شاكِلَتِه

فإنَّما طلبَ المالَ طُلَّابُه ليَطْرُدُوا به عنْ أنْفُسِهم هَمَّ الفَقْر، وإنَّما طلبَ الصَّوْتَ مَنْ طلبَه ليَطْرُدَ به عنْ نَفْسِه هَمَّ الاستعلاءِ عليها، وإنَّما طلبَ اللَّذَّاتِ مَنْ طلبَها ليَطْرُدَ بها عنْ نَفْسِه هَمَّ فَوْتِها، وإنَّما طلبَ العِلْمَ مَنْ طلبَه ليَطْرُدَ به عنْ نَفْسِه هَمَّ الجهل، وإنَّما هَشَّ إلىٰ سماعِ الأخبارِ ومحادثةِ النَّاسِ مَنْ يَطْلُبُ ذلك؛ ليَطْرُدَ بها عنْ نَفْسِه هَمَّ التَّوحُّدِ ومَغِيبَ أحوالِ العالَمِ عنه، وإنَّما أكلَ مَنْ أكل، وشَرِبَ مَنْ شَرِب، ونَكَحَ مَنْ نَكَح، ولَبِسَ مَنْ لَبِس، ولَعِبَ مَنْ لَعِب، واكْتَنَزَ مَنِ اكْتَنَز، ورَكِبَ مَنْ رَكِب، ومشىٰ مَنْ مشىٰ، وتَوَدَّعَ مَنْ تَوَدَّع؛ ليَطْرُدُوا عنْ أنْفُسِهم أضدادَ هذه الأفعالِ وسائرَ الهُمُوم.

دارُ الأكدار

وفي كلِّ ما ذكَرْنا لمَنْ تدبَّرَه هُمُومٌ حادثةٌ لا بُدَّ منها: مِن عَوارِضَ تَعْرِضُ في خِلالها، وتَعَذُّرِ ما يَتَعذَّرُ منها، وذهابِ ما وُجِدَ منها، والعَجْزِ عنه لبعضِ الآفاتِ الكائنة، [ونتائجِ سَوْءٍ تَنْتُجُ] بالحُصولِ علىٰ ما حُصِلَ عليه مِن كلِّ ذلك؛ مِن خَوْفِ مُنافِس، أو طَعْنِ حاسد، أوِ اخْتِلاسِ راغِب، أوِ اقْتِناءِ عَدُوٍّ، معَ الذَّمِّ والإثمِ وغيرِ ذلك.

سعادةُ الدَّارَيْن

ووَجَدْتُ العملَ للآخرةِ سالمًا مِن كلِّ عَيْب، خالصًا مِن كلِّ كَدَر، مُوصِلًا إلىٰ طَرْدِ الهَمِّ على الحقيقة. ووَجَدْتُ العاملَ للآخرةِ إنِ امْتُحِنَ بمكروهٍ في تلك السَّبيلِ لمْ يَهْتَمَّ، بلْ يُسَرُّ؛ إذْ رجاؤُه في عاقبةِ ما ينالُ منه، عَوْنٌ له علىٰ ما يَطْلُب، وزائدٌ في الغَرَضِ الَّذي إيَّاه يَقْصِد. ووَجَدْتُه إنْ عاقَه عمَّا هو بسبيلِه عائقٌ لمْ يَهْتَمَّ؛ إذْ ليسَ مُؤاخَذًا بذلك؛ فهو غيرُ مُؤَثِّرٍ فيما يَطْلُب. ووَجَدْتُه إنْ قُصِدَ بالأذىٰ سُرَّ، وإنْ تَعِبَ فيما سَلَكَ فيه سُرَّ، فهو في سُرورٍ متَّصِلٍ أبدًا، وغيرُه بخلافِ ذلك أبدًا.

مطلوبٌ واحد.. طريقٌ واحد

فاعْلَمْ أنَّه مطلوبٌ واحد؛ وهو طَرْدُ الهَمِّ، وليسَ إليه إلَّا طريقٌ واحد؛ وهو العملُ للهِ تعالىٰ. فما عدا هذا فضَلالٌ وسُخْف.

التوثيق

كنْ قويًّا.. كنْ عزيزًا

محمد عوض محمد

أتَحْنُو عليكَ قُلوبُ الوَرَىٰ
إذا دَمْعُ عينَيْكَ يومًا جَرَىٰ؟!1
وهلْ تَرْحَمُ الحَمَلَ المُسْتَضامَ
ذئابُ الفَلَا أوْ أُسُودُ الشَّرَىٰ؟!2
وماذا يَنالُ الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ
سِوىٰ أنْ يُحَقَّرَ أوْ يُزْدَرَىٰ؟!3
لقدْ سَمِعَ النَّسْرُ نَوْحَ الحَمامِ
فلمْ يَعْفُ عَنْها ولمْ يَغْفِرَا4
بَلِ انْقَضَّ ظُلْمًا لِيَغْتالَها
وأنْشَبَ في نَحْرِها المِنْسَرَا5
وما رَدَّ عَنْها الأذىٰ ذُلُّها
ولا أنَّها ما جَنَتْ مُنْكَرَا!
فكُنْ يابِسَ العُودِ صُلْبَ القَناةِ
قَوِيَّ المِراسِ مَتِينَ العُرَا6
ولا تَتَطامَنْ لبَغْيِ البُغاةِ
وكُنْ كاسِرًا قَبْلَ أنْ تُكْسَرَا7
وأَوْلىٰ لمَنْ عاشَ مِثْلَ الثَّرَىٰ
ذَلِيلًا، لَوِ احْتَلَّ جَوْفَ الثَّرَىٰ!
إذا كُنْتَ تَرْجُو كِبارَ الأُمُورِ
فأَعْدِدْ لها هِمَّةً أكْبَرَا
طَرِيقُ العُلَا أبدًا للأمامِ
فوَيْحَكَ! هلْ تَرْجِعُ القَهْقَرَىٰ؟8
وكلُّ البَرِيَّةِ في يَقْظةٍ
فوَيْلٌ لمَنْ يَسْتَطِيبُ الكَرَىٰ!9

شرح الغريب (1-9)

  1. الوَرى: النَّاس.
  2. الحَمَل: الخروف الصغير. المُستَضام: المظلوم. الفَلا: ج الفلاة؛ وهي الأرض الواسعة المُقْفِرة. الشَّرى: موضعٌ في بلاد العرب كثيرُ السِّباع.
  3. يُزْدَرى: يُعاب.
  4. لم يَغْفِرَا: الألف مُبدَلة من نون التوكيد الخفيفة؛ ولذلك بُني الفعل على الفتح، والأصل: لم يَغْفِرَنْ.
  5. أنشبَ: غَرَزَ، أعْلَقَ. النَّحْر: أعلى الصدر. المِنْسَر: مِنْقار النَّسر.
  6. القناة: الرُّمح الأجوف، أو العصا. ويُبْسُ العُود وصلابةُ القناة: كنايتان عن القوَّة والمتانة. المِراس: الشِّدَّة والجَلَد. العُرا: ج العُرْوة؛ وهي كلُّ ما يُستمسَكُ به، ومتانة العُرا: كناية عن الشِّدَّة والقوَّة.
  7. تطامنَ: تطأطأَ وسَكَنَ.
  8. وَيْحَك: كلمة ترحُّمٍ وتوجُّع، تقالُ لمن أشرفَ على هلاك. القَهْقَرى: الرجوع إلى خَلْفٍ.
  9. البَرِيَّة: الخَليقة. الكرى: النَّوم.
ترجمة عوض:
محمد عوض محمد
محمد عوض محمد (ت 1391ھ/ 1972م): عالم جغرافي مصري، من أعضاء مجمع اللغة في القاهرة. تخرج بمدرسة المعلمين العليا، وتخصص في الجغرافية، وحاز (الدكتوراه) من جامعة لندن، وعمل في التعليم، وتنقل في الإدارة. له مؤلفات ومترجمات؛ منها: نهر النيل، الاستعمار والمذاهب الاستعمارية، سكان هذا الكوكب، الشرق والغرب، (هرمن ودروتيه) و(فاوست) لجوته، نقلهما عن الألمانية.
التوثيق

أحاديثُ المسجديِّين (3)

أبو عثمان الجاحظ

قالَ شيخٌ منهم: لمْ أرَ في وَضْعِ الأُمورِ مَواضِعَها، وفي تَوْفِيَتِها غايةَ حُقوقِها، كمُعاذةَ العَنْبَرِيَّة. قالُوا: وما شأنُ مُعاذةَ هذه؟

قال: أهدىٰ إليها العامَ ابنُ عمٍّ لها أُضْحِيَّةً، فرأيْتُها كَئِيبةً حَزِينة، مُفَكِّرةً مُطْرِقة، فقلتُ لها: ما لكِ يا مُعاذة؟ قالت: أنا امرأةٌ أرْمَلة، وليسَ لي قَيِّمٌ، ولا عَهْدَ لي بتدبيرِ لحمِ الأَضاحِيِّ، وقدْ ذهبَ الَّذينَ كانُوا يُدبِّرُونَه ويقُومُونَ بحَقِّه، وقدْ خِفْتُ أنْ يَضِيعَ بعضُ هذه الشَّاة، ولستُ أعرِفُ وَضْعَ جميعِ أجزائِها في أماكنِها. وقدْ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ لمْ يَخْلُقْ فيها ولا في غيرِها شيئًا لا مَنْفَعةَ فيه، ولكنَّ المرْءَ يَعْجِزُ لا مَحالة! ولستُ أخافُ مِن تضييعِ القليل؛ إلَّا أنَّه يَجُرُّ تضييعَ الكثير.

وُجوهُ الانتفاع

 أمَّا القَرْنُ فالوَجْهُ فيه معروفٌ؛ وهو أنْ يُجْعَلَ منه كالخُطَّاف، ويُسَمَّرَ في جِذْعٍ مِن أجذاعِ السَّقْف، فيُعَلَّقَ عليه الزُّبُلُ و[الكِيزانُ]، وكلُّ ما خِيفَ عليه منَ الفأرِ والنَّملِ والسَّنانِيرِ وبناتِ وَرْدانَ والحَيَّاتِ وغيرِ ذلك.

 وأمَّا المُصْرانُ فإنَّه لِأوتارِ المِنْدَفة، وبِنا إلىٰ ذلك أعظَمُ الحاجة.

 وأمَّا قِحْفُ الرَّأسِ واللَّحْيانِ وسائرُ العِظام، فسَبِيلُه أنْ يُكْسَرَ بعدَ أنْ يُعْرَق، ثمَّ يُطْبَخ؛ فما ارتفعَ من الدَّسَمِ كانَ للمِصْباحِ وللإدامِ وللعَصِيدةِ ولغيرِ ذلك، ثمَّ تُؤْخَذُ تلك العِظامُ فيُوقَدُ بها، فلمْ يَرَ النَّاسُ وَقُودًا قَطُّ أصْفىٰ ولا أحْسَنَ لَهَبًا [منها]، وإذا كانتْ كذلك فهي أسرَعُ في القِدْر؛ لقِلَّةِ ما يُخالِطُها منَ الدُّخان.

 وأمَّا الإهابُ فالجِلْدُ نَفْسُه جِراب، وللصُّوفِ وُجُوهٌ لا تُعَدُّ.

 وأمَّا الفَرْثُ والبَعْرُ فحَطَبٌ إذا جُفِّفَ عجيبٌ.

ثمَّ قالت: بقيَ الآنَ علينا الانتفاعُ بالدَّم، وقدْ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ لمْ يُحَرِّمْ منَ الدَّمِ المَسْفُوحِ إلَّا أكْلَه وشُرْبَه، وأنَّ له مَواضِعَ يجوزُ فيها ولا يُمْنَعُ منها، وإنْ أنا لمْ أقَعْ علىٰ عِلْمِ ذلك حتَّىٰ يُوضَعَ مَوْضِعَ الانتفاعِ به، صارَ كَيَّةً في قلبي، وقَذًى في عيني، وهَمًّا لا يزالُ يَعُودُني.

فتحٌ مُبِين!

قال: فلمْ ألْبَثْ أنْ رأيْتُها قدْ [تَطَلَّقَتْ] وتَبَسَّمَتْ. فقلتُ: يَنْبَغي أنْ يكونَ قدِ انْفَتحَ لكِ بابُ الرَّأيِ في الدَّم. قالت: أجَلْ، ذَكَرْتُ أنَّ عِنْدي قُدُورًا شامِيَّةً جُدُدًا، وقدْ زَعَمُوا أنَّه ليسَ شيءٌ أدْبَغَ ولا أزْيَدَ في قُوَّتِها منَ التَّلْطِيخِ بالدَّمِ الحارِّ الدَّسِم، وقدِ استرحْتُ الآنَ؛ إذْ وَقَعَ كلُّ شيءٍ مَوْقِعَه.

قال: ثمَّ لقِيْتُها بعدَ سِتَّةِ أشْهُر، فقلتُ لها: كيفَ كانَ قَدِيدُ تلكِ الشَّاة؟ قالت: بأبي أنتَ! لمْ يَجِئْ وقتُ القَدِيدِ بَعْدُ؛ لنا في الشَّحْمِ والأَلْيَةِ والجُنُوبِ والعَظْمِ المُعَرَّقِ وفي غيرِ ذلكَ مَعاشٌ، ولكلِّ شيءٍ إبَّانٌ.

عَوْدٌ علىٰ بَدْء

فقَبَضَ صاحبُ الحِمارِ والماءِ العَذْبِ قَبْضةً مِن حَصًى، ثمَّ ضَرَبَ بها الأرضَ، ثمَّ قال: لا تَعْلَمُ أنَّكَ منَ المُسْرِفِين، حتَّىٰ تَسْمَعَ بأخبارِ الصَّالحِين!

تمَّت الأحاديث

التوثيق