دراسة حالة

في (التتميم)

ابن أبي الإصبع

هوَ أنْ تأتيَ في الكلامِ كلمةٌ إذا طُرِحَتْ [منه] نَقَصَ معناه في ذاتِه أو في صفاتِه، ولفظُه تامٌّ. وإنْ كانَ في الموزونِ نَقَصَ وزنُه معَ نَقْصِ معناه؛ فيكونُ الإتيانُ بها لتتميمِ الوزنِ والمعنىٰ معًا، فإنْ تمَّمَتِ الوزنَ فقطْ فتلك منَ الحَشْوِ المَعِيب.

ولا يَخْلُو: إمَّا أنْ يَرِدَ علىٰ معنًى تامٍّ في ذاتِه أو في صفاتِه، أوْ لا؛ فإنْ كانَ الأوَّلَ فهو التَّكميل، وإنْ كانَ الثانيَ فهو التَّتميم.

 فمثالُ التَّتميمِ قولُه تعالىٰ: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ[النَّحل: 97]؛ فقولُه: ﴿مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ﴾ تتميمٌ، وقولُه تعالىٰ: ﴿وَهُوَ مُؤۡمِنٞ﴾ تتميمٌ ثانٍ، وبهذينِ التَّتميمينِ تمَّ معنى الكلامِ وجرىٰ على الصِّحَّة، وإلَّا فهو بدونِهما ناقص.

 ومنَ التَّكميلِ في هذا البابِ قولُه تعالىٰ: ﴿وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا ٨[الإنسان]؛ فإنَّ قولَه سُبْحانَه: ﴿عَلَىٰ حُبِّهِۦ﴾ تكميلٌ لحُسْنِ هذا المعنىٰ، إنْ كانَ الضميرُ في (حُبِّه) عائدًا على الطَّعام، وإنْ كانَ عائدًا على اللهِ سُبْحانَه فهو تتميمُ احتياط. واللهُ أعلمُ.

مثالٌ جامع

ومِن ذلك أيضًا قولُه تعالىٰ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ[البقرة: 266].

فجاءَ في هذه الآيةِ ثمانيةُ مواضعَ في كلِّ موضعٍ منها تتميم، وأتَتْ علىٰ جميعِ أقسامِ التَّتميمِ الثلاثة: مِن تتميمِ النَّقْص، وتتميمِ الاحتياط، وتتميمِ المبالغة.

 فأوَّلُها في قولِه تعالىٰ في تفسيرِ الجنَّة: ﴿مِن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ﴾؛ لاحتمالِ أن تكونَ جنَّةً ذاتَ أَثْلٍ وخَمْطٍ؛ فإنَّ لفْظَ الجنَّةِ يَصْدُقُ علىٰ كلِّ شجرٍ مُجتمِعٍ يَستُرُ بظلِّ غصونِه الأرضَ كائنًا ما كان، ومنَ الشَّجرِ ما له نفعٌ عظيمٌ عميمٌ كالنَّخيلِ والأعناب، وما له نفعٌ قليلٌ كالأَثْلِ والخَمْط، ومع هذا فلوِ احترقَتْ لإنسانٍ جنَّةٌ مِن أَثْلٍ وخَمْطٍ لاشتدَّ أسفُه عليها، فكيفَ إذا كانتْ مِن نخيلٍ وأعناب؟!

 ثمَّ عَلِمَ سُبْحانَه أنَّ الجنَّةَ ـ وإنْ كانتْ مِن نخيلٍ وأعنابٍ ـ ما لم تَجْرِ الأنهارُ مِن تحتِها، لم يُثمِرْ شجرُها، ولم يُنتفَعْ بسَكَنِها، ولم تكنْ لها حياةٌ البَتَّة، فتمَّمَ هذا النَّقْصَ بقولِه تعالىٰ: ﴿تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾.

 ثمَّ عَلِمَ أنَّ الجنَّةَ لو جَمعَتْ إلى النَّخيلِ والأعنابِ كلَّ الثَّمراتِ، كانَ وصفُها أتمَّ، ونفعُها أعظمَ، والأسفُ علىٰ فسادِها أشدَّ، فقالَ متمِّمًا هذا النَّقْصَ تتميمَ مبالغة: ﴿لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾.

 ولمَّا فرغَ سُبْحانَه مِن أوصافِ الجنَّةِ أخذَ في وصْفِ صاحبِها؛ فوصَفَه بالكِبَر؛ لأنَّه لو كانَ شابًّا لرَجا أنْ يُخْلِفَها بعدَ إحراقِها؛ لِمَا يَجِدُ في نفْسِه منَ القوَّة، ويأمُلُ مِن طولِ المُدَّة، فقالَ مُحتاطًا: ﴿وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ﴾.

 ثمَّ عَلِمَ سُبْحانَه أنَّه إذا كانَ عقيمًا معَ الكِبَرِ سَلَّاه عنها قُرْبُ المُدَّة، وعدمُ مَنْ يهتمُّ بضِياعِه بعدُ؛ فلا يشتدُّ أسفُه عليها، فقالَ مُحتاطًا أيضًا: ﴿وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ﴾.

 ثمَّ عَلِمَ أنَّه إذا لم يَصِفِ الذُّرِّيَّةَ بالضَّعفِ، احتملَ الإطلاقُ أنْ يكونُوا أقوياءَ؛ فيُترجَّىٰ إخْلافُهم لها، فيُخفِّضُ ذلك مِن أسفِه، فقالَ مُحتاطًا: ﴿ضُعَفَآءُ﴾.

ثمَّ لمَّا فرغَ مِن وصْفِ الجنَّةِ أخذَ في وصْفِ الحادثِ المُهلِكِ لها؛ بقوله : ﴿فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ﴾.

 وعَلِمَ أنَّ الإعصارَ لا يُعجِّلُ فسادَ هذه الجنَّة، ولا يَحصُلُ هلاكُها به إلَّا بعدَ استمرارِه عليها في مُدَّةٍ طويلة، وهو يريدُ الإخبارَ بتعجيلِ هلاكِها؛ فقال: ﴿فِيهِ نَارٞ﴾.

واقتصرَ سُبْحانَه منَ الرِّياحِ على الإعصار؛ لكونِه عبارةً عنْ تقابُلِ الرِّياحِ المثيرةِ للعَجاجِ الكثيف، الَّذي دوامُه يُعْمي عيونَ الماء، ويَطُمُّ الآبارَ والأنهار، ويُحرِقُ بسَمُومِه ووَهَجِه الأشجار، وإذا اتَّفقَ معَ ذلك أنْ تكونَ فيه نارٌ أدارَها على المكانِ الَّذي يكونُ فيه، بحيثُ لا ينصرفُ عنه؛ لأنَّه لا يَقصِدُ وِجْهةً مقابِلةً؛ فينصرفَ ما يكونُ فيه إليها.

 ثمَّ عَلِمَ سُبْحانَه أنَّ النَّارَ يُحتمَلُ أنْ تكونَ ضعيفةً فتَطْفَأَ؛ لضعفِها عنْ مقاومةِ ما في الجنَّةِ منَ الأنهار، فاحتاطَ مِن ذلك بقوله تعالىٰ: ﴿فَٱحۡتَرَقَتۡ﴾؛ فنفىٰ هذا الاحتمال، وأوجزَ في تتميمِ المراد.

بلاغةٌ وإعجاز

فانظُرْ ما تضمَّنَتْ هذه الآيةُ الكريمةُ مِن تقاسيمِ هذا النَّوع، إلىٰ ما فيها منِ ائتلافِ اللَّفظِ بالمعنىٰ، والتَّهذيب، وحُسْنِ النَّسَق، والتَّمثيل، وحُسْنِ البيان، والمساواة؛ لِتعلَمَ أنَّ هذا الكتابَ الكريمَ بأمثالِ هذه الآيةِ عَجَّزَ الفُصَحاء، وبَلَّدَ الأذكياء، وأعْيَا على البُلَغاء.

التوثيق
دراسة حالة

في (التمثيل)

ضياء الدين بن الأثير

هوَ التَّشبيهُ علىٰ سبيلِ الكِناية؛ وذلك أنْ تُرادَ الإشارةُ إلىٰ معنًى، [فتوضعَ] ألفاظٌ تَدُلُّ علىٰ معنًى آخَر، وتكونَ تلك الألفاظُ وذلك المعنىٰ مثالًا للمعنى الَّذي قُصِدَتِ الإشارةُ إليه والعبارةُ عنه؛ كقولِنا: «فلانٌ نقيُّ الثَّوبِ»؛ أي: منزَّهٌ عنِ العيوب.

وللكلامِ بها فائدةٌ لا تكونُ لو قَصَدْتَ المعنىٰ بلفظِه الخاصِّ؛ وذلك لِما يَحصُلُ للسَّامعِ مِن زيادةِ التَّصوُّرِ للمدلولِ عليه؛ لأنَّه إذا صَوَّرَ [في] نفسِه مثالَ ما خُوطِبَ به، كانَ أسرعَ إلى الرَّغبةِ فيه أوِ الرَّغبةِ عنه.

تحليلُ آيةِ الغِيبة

فمِن بديعِ التَّمثيلِ قولُه تعالىٰ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ [الحجرات: 12]؛ [فإنَّه كنىٰ عنِ الغِيبةِ بأكلِ الإنسانِ لحمَ إنسانٍ آخرَ مِثْلِه]، ثمَّ لم يَقتصِرْ علىٰ ذلك حتَّىٰ جعلَه لحمَ الأخ، ولم يَقتصِرْ علىٰ لحمِ الأخِ حتَّىٰ جعلَه ميِّتًا، ثمَّ جعلَ ما هو في الغايةِ منَ الكراهةِ موصولًا بالمحبَّة! وهذه أربعُ دلالاتٍ واقعةٌ علىٰ ما قُصِدَتْ له، مطابقةٌ المعنى الَّذي وَرَدَتْ لأجْلِه.

 فأمَّا تمثيلُه الاغتيابَ بأكلِ لحمِ إنسانٍ آخرَ مِثْلِه: [﴿أَن يَأۡكُلَ﴾]، فشديدُ المناسبةِ جدًّا؛ وذلك لأنَّ الاغتيابَ إنَّما هو ذِكْرُ مَثالِبِ النَّاسِ وتمزيقُ أعراضِهم، وتمزيقُ العِرْضِ مماثِلٌ لأكلِ الإنسانِ لحمَ مَنْ يغتابُه؛ لأنَّ أكْلَ اللَّحمِ فيه تمزيقٌ لا مَحالة.

 وأمَّا قولُه: ﴿لَحۡمَ أَخِيهِ﴾ فلِما في الاغتيابِ منَ الكراهة؛ لأنَّ العقلَ والشَّرعَ معًا قد أجْمَعا على اسْتِكراهِه، وأمَرا بتركِه والبعدِ عنه. ولمَّا كانَ كذلك جُعِلَ بمنزلةِ لحمِ الأخِ في كراهتِه، ومنَ المعلومِ أنَّ لحمَ الإنسانِ مُسْتَكْرَهٌ عندَ إنسانٍ آخرَ مِثْلِه، إلَّا أنَّه لا يكونُ مِثْلَ كراهتِه لحمَ أخيه؛ فهذا القولُ مبالغةٌ في استكراهِ الغِيبة، لا أمَدَ فوقَها.

 وأمَّا قولُه: ﴿مَيۡتٗا﴾ فلأجْلِ أنَّ المغتابَ لا يَشعُرُ بغِيبتِه ولا يُحِسُّ.

 وأمَّا جَعْلُه ما هو في الغايةِ منَ الكراهةِ موصولًا بالمحبَّةِ [في قولِه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ﴾]، فلِما جُبِلَتْ عليه النُّفوسُ منَ الميلِ إلى الغِيبةِ والشَّهوةِ لها، مع العلمِ بأنَّها مِن أذمِّ الخِلال، ومكروهِ الأفعال، عندَ اللهَِ تعالىٰ والنَّاس.

الخلاصة

فانْظُرْ أيُّها المتأمِّلُ لهذا التَّمثيلِ كيفَ مطابقتُه لِما مُثِّلَ به، تَجِدْه مِن أبلغِ التَّمثيلاتِ وأندرِها مثالًا؛ لأنَّك متىٰ نظرْتَ إلىٰ كلِّ واحدةٍ مِن تلك الدَّلالاتِ الأربعِ الَّتي أورَدْناها، رأيْتَها مناسِبةً لِما قُصِدَتْ له: فتمزيقُ العِرْضِ مِثْلُ أكْلِ الإنسانِ لحمَ مَنْ يغتابُه؛ لأنَّ ذلك تمزيقٌ على الحقيقة، وجُعِلَ بمنزلةِ (لحمِ الأخِ) لأجلِ المبالغةِ في الكراهة، و(الميِّتِ) لامتناعِ الإحساسِ به، واتصالُ ما هو مُسْتَكْرَهٌ بالمحبَّةِ؛ لِما في طبعِ الأنفسِ منَ الشَّهوةِ للغِيبةِ والميلِ إليها. فاعْرِفْ ذلك.

التوثيق