الجَعاظِرةُ الجَوَّاظُون

أحمد شاكر

قالَ ابنُ حِبَّانَ، الإمامُ الحافظُ أبو حاتمٍ محمَّدُ بنُ حِبَّانَ التَّمِيميُّ البُسْتِيُّ [ت 354ھ]، في (صحيحِه):

ذِكْرُ الزَّجْرِ عنِ العِلْمِ بأمْرِ الدُّنيا معَ الانْهِماكِ فيها، والجهلِ بأمْرِ الآخرةِ ومُجانَبةِ أسبابِها

حدَّثَنا أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ الحسَن؛ قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ يوسُفَ السُّلَمِيُّ؛ قال: أخبرَنا عبدُ الرَّزَّاق؛ قال: أخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ سعيدِ بنِ أبي هِنْد، عنْ أبيه، عنْ أبي هُرَيرة ؛ قال: قالَ رسولُ اللهِ :

إنَّ اللهَ يُبْغِضُ كلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ، سَخَّابٍ بالأسواق، جِيفةٍ باللَّيل، حِمارٍ بالنَّهار، عالِمٍ بأمْرِ الدُّنيا، جاهلٍ بأمْرِ الآخرة.

غريبُ الحديث

الجَعْظَرِيُّ بفتحِ الجيمِ والظَّاءِ المُعْجَمة، بينَهما عينٌ مُهْمَلةٌ ساكنة: «الفَظُّ الغليظُ المتكبِّر، وقيلَ: هو الَّذي يَنْتفِخُ بما ليسَ عندَه، وفيه قِصَرٌ». قالَه ابنُ الأثير. وقالَ الأزهريُّ فيما نقلَ عنه صاحبُ (اللِّسان): «الجَعْظَرِيُّ: الطَّويلُ الجِسْمِ، الأَكُولُ الشَّرُوبُ، البَطِرُ الكافر، وهو الجِعْظارةُ والجِعْظار».

وقالَ ابنُ فارسٍ في (مقاييسِ اللُّغة): «ومِن ذلك قولُهم للرَّجُلِ الجافي المُتَنَفِّجِ بما ليسَ عندَه: جِعْظار، وهذا مِن كلمتَيْنِ: منَ الجَظِّ والجَعْظِ؛ كِلاهما الجافي». وقولُ ابنِ فارسٍ: «المُتَنَفِّج» هو بفتحِ التَّاءِ والنُّونِ، وتشديدِ الفاءِ المكسورةِ، وآخرُه جيم؛ وهو المُفتخِرُ بأكثرَ ممَّا عندَه.

الجَوَّاظُ بفتحِ الجيم، وتشديدِ الواو، وآخرُه ظاءٌ مُعْجَمة: قالَ ابنُ الأثير: «الجَمُوعُ المَنُوعُ، وقيلَ: الكثيرُ اللَّحمِ، المُخْتالُ في مِشْيَتِه، وقيلَ: القصيرُ البَطِينُ». وفسَّرَه الفَرَّاءُ عندَ صاحبِ (اللِّسانِ) بمِثْلِ تفسيرِ «الجَعْظَرِيِّ».

وقالَ ابنُ فارسٍ في (المقاييس): «الجيمُ والواوُ والظَّاءُ أصْلٌ واحدٌ، لنَعْتٍ قبيحٍ لا يُمدَحُ به. قالَ قومٌ: الجَوَّاظُ: الكثيرُ اللَّحمِ، المختالُ في مِشْيَتِه. ويقالُ: الجَوَّاظُ: الأَكُول، ويقالُ: الفاجِر».

سَخَّاب بالسِّين، وصَخَّاب بالصَّاد: منَ «الصَّخَبِ» بالصَّادِ والسِّين؛ وهو الجَلَبةُ والصِّياحُ والخِصام. قالَ في (اللِّسان): «الصَّادُ والسِّينُ يجوزُ في كلِّ كلمةٍ فيها خاء».

في ظِلالِ الحديث

وهذا الوصفُ النَّبَويُّ الرَّائع، الَّذي سَما بتصويرِه إلى القِمَّةِ في البلاغةِ والإبداع، لهؤلاءِ الفِئَامِ منَ النَّاس ـ أستغفرُ اللهَ، بلْ منَ الحيَوان! ـ تَجِدُه كلَّ يومٍ في كثيرٍ ممَّنْ تَرىٰ حَوْلَك؛ ممَّنْ يَنتسِبُونَ إلى الإسلام، بلْ تَراه في كثيرٍ مِن عُظَماءِ الأُمَّةِ الإسلاميَّة؛ عَظَمةَ الدُّنيا لا الدِّين.

بلْ لقدْ تَجِدُه فيمَنْ يُلَقِّبُونَ مِنْهم أنْفُسَهم بأنَّهم «عُلَماءُ»؛ يَنْقُلُونَ اسْمَ «العِلْمِ» عنْ مَعْناه الإسلاميِّ الحقيقيِّ، المعروفِ في الكتابِ والسُّنَّة، إلىٰ علومٍ مِن علومِ الدُّنيا والصِّناعاتِ والأموال، ثمَّ يَمْلَؤُهمُ الغُرور؛ فيريدُونَ أنْ يَحْكُمُوا على الدِّينِ بعِلْمِهمِ الَّذي هو الجهلُ الكامل! ويَزْعُمُونَ أنَّهم أعْرَفُ بالإسلامِ مِن أهلِه، ويُنْكِرُونَ المعروفَ مِنْه، ويَعْرِفُونَ المُنْكَرَ، ويَرُدُّونَ مَنْ يُرْشِدُهم أو يُرْشِدُ الأُمَّةَ إلىٰ معرفةِ دِينِها رَدًّا عَنِيفًا، يُناسِبُ كلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ مِنْهم.

فتأمَّلْ هذا الحديثَ واعْقِلْه، تَرَهُمْ أمامَك في كلِّ مكان..!

ترجمة أحمد شاكر:
أحمد شاكر
أحمد بن محمد شاكر بن أحمد (ت 1377ھ/ 1958م): عالم بالحديث والتفسير، يرفع نسبه إلى الحسين بن علي ، مولده ووفاته في القاهرة. أعظم أعماله: شرح (مسند الإمام أحمد بن حنبل)، ومن كتبه: (نظام الطلاق في الإسلام) لم يتقيد فيه بمذهب، و(عمدة التفسير) في اختصار تفسير ابن كثير، وله تحقيقات مفيدة حلى بها هوامش (الرسالة) للإمام الشافعي. ولم يخلفه مثله في علم الحديث بمصر.
التوثيق

حديث الزَّمْنى الثلاثة

مسلم بن الحجَّاج

حدثنا شَيْبانُ بنُ فَرُّوخ؛ حدَّثَنا هَمَّام؛ حدَّثَنا إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي طَلْحة؛ حدَّثَني عبدُ الرَّحمٰنِ بنُ أبي عَمْرة؛ أنَّ أبا هُرَيْرةَ حدَّثَه؛ أنَّه سَمِعَ النَّبيَّ يقولُ: «إنَّ ثلاثةً في بَنِي إسرائيلَ: أبْرَصَ وأقْرَعَ وأعْمَىٰ، فأرادَ اللهُ أنْ يَبْتَلِيَهم؛ فبَعَثَ إلَيْهم مَلَكًا، فأتى الأبرصَ فقال: أيُّ شَيْءٍ أحَبُّ إلَيْك؟ قال: لَوْنٌ حَسَنٌ، وجِلدٌ حَسَنٌ، ويَذْهَبُ عنِّي الَّذي قدْ قَذِرَني النَّاسُ. قال: فمَسَحَه، فذهبَ عنه قَذَرُه، وأُعطيَ لَوْنًا حَسَنًا، وجِلدًا حَسَنًا. قال: فأيُّ المالِ أحَبُّ إلَيْك؟ قال: الإبِلُ… قال: فأُعطيَ ناقةً عُشَراءَ، فقال: باركَ اللهُ لكَ فيها.

قالَ فأتى الأقرعَ فقال: أيُّ شَيْءٍ أحَبُّ إلَيْك؟ قال: شَعَرٌ حَسَنٌ، ويَذْهَبُ عنِّي هذا الَّذي قدْ قَذِرَنِي النَّاسُ. قال: فمَسَحَه، فذهبَ عنه، وأُعطيَ شَعَرًا حَسَنًا. قال: فأيُّ المالِ أحَبُّ إلَيْك؟ قال: البقرُ. فأُعطيَ بقرةً حامِلًا، فقال: باركَ اللهُ لكَ فيها.

قالَ فأتى الأعمىٰ فقال: أيُّ شَيْءٍ أحَبُّ إلَيْك؟ قال: أنْ يَرُدَّ اللهُ إليَّ بَصَري؛ فأُبْصِرَ به النَّاس. قال: فمَسَحَه، فرَدَّ اللهُ إلَيْه بَصَرَه. قال: فأيُّ المالِ أحَبُّ إلَيْك؟ قال: الغَنَمُ. فأُعطيَ شاةً والِدًا، [فأَنْتَجَ] هذانِ ووَلَّدَ هذا. قال: فكانَ لهذا وادٍ منَ الإبِل، ولهذا وادٍ منَ البقر، ولهذا وادٍ منَ الغَنَم.

قالَ ثمَّ إنَّه أتى الأبرصَ في صُورتِه وهَيْئَتِه، فقال: رَجُلٌ مِسْكِين، قَدِ انْقطعَتْ بيَ الحِبالُ في سَفَري، فلا بَلاغَ ليَ اليومَ إلَّا باللهِ ثمَّ بكَ، أسألُكَ ـ بالَّذي أعطاكَ اللَّوْنَ الحسَنَ والجِلدَ الحسَنَ والمالَ ـ بَعِيرًا أتَبَلَّغُ علَيْه في سَفَري. فقال: الحقوقُ كثيرةٌ! فقالَ له: كأنِّي أعْرِفُكَ؛ ألَمْ تَكُنْ أبرصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فقيرًا فأعطاكَ اللهُ؟ فقال: إنَّما وَرِثْتُ هذا المالَ كابِرًا عنْ كابِر! فقال: إنْ كُنْتَ كاذبًا فصَيَّرَكَ اللهُ إلىٰ ما كُنْتَ.

قالَ وأتى الأقرعَ في صُورتِه، فقالَ له مِثْلَ ما قالَ لهذا، ورَدَّ علَيْه مِثْلَ ما رَدَّ علىٰ هذا، فقال: إنْ كُنْتَ كاذبًا فصَيَّرَكَ اللهُ إلىٰ ما كُنْتَ.

قالَ وأتى الأعمىٰ في صُورتِه وهَيْئَتِه، فقال: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وابنُ سَبِيل، انقطعَتْ بيَ الحِبالُ في سَفَري، فلا بَلاغَ ليَ اليومَ إلَّا باللهِ ثُمَّ بكَ، أسألُكَ ـ بالَّذي رَدَّ علَيْكَ بصرَكَ ـ شاةً أتَبَلَّغُ بها في سَفَري. فقال: قدْ كُنْتُ أعمىٰ فرَدَّ اللهُ إليَّ بَصَري، فخُذْ ما شِئْتَ، ودَعْ مَا شِئْتَ، فَوَ اللهِ لا أجْهَدُكَ اليومَ شَيْئًا أخَذْتَه لله. فقال: أمْسِكْ مالَك، فإنَّما ابْتُلِيتُم؛ فقَدْ رُضِيَ عنك، وسُخِطَ علىٰ صاحبَيْك».

التوثيق
زيادة بيان:
اقتباس

أخوَفُ منَ الفقر

آلفَقْرَ تَخافُون؟ والَّذي نَفْسي بيدِه؛ لَتُصَبَّنَّ عليكمُ الدُّنيا صَبًّا، حتَّىٰ لا يُزِيغَ قَلْبَ أحَدِكمْ إزاغةً إِلَّا هِيَهْ! وَايْمُ اللهِ لقدْ تَركْتُكمْ علىٰ مِثْلِ البَيْضاء؛ ليلُها ونهارُها سَواء.

محمد صلى الله عليه وسلم

محمدٌ رسولُ الله
اقتباس

ونسيَ نفسَه!

يُجاءُ بالرَّجُلِ يومَ القيامةِ فيُلْقىٰ في النَّار، فتَنْدَلِقُ أقْتَابُهُ في النَّار، فيَدُورُ كما يَدُورُ الحمارُ بِرَحاه، فيُطِيفُ به أهلُ النَّارِ فيقولون: أيْ فلانُ، ما شأنُك؟ ألَيْسَ كنتَ تأمرُنا بالمعروفِ وتَنْهانا عنِ المُنْكَر؟ قال: كنتُ آمُرُكم بالمعروفِ ولا آتِيه، وأنْهاكم عنِ المُنْكَرِ وآتِيه!

محمد صلى الله عليه وسلم

محمدٌ رسولُ الله