لقاءُ أسدين

بديع الزمان الهمذاني

قالَعلىٰ لسانِ بِشْرِ بنِ عَوانةَ العَبْدِيِّ ـ وهو اسمُ شاعرٍ اخترعَه البديعُ ـ وقد عَرَضَ له أسَدٌ في طريقِه، فاخْتَرَطَ سيفَه ودَلَفَ به إليه، وهي منَ النَّمَطِ العالي الَّذي لمْ يُنسَجْ علىٰ مِنْوالِه:

تَبَهْنَسَ [إذْ تَقاعَسَ] عنهُ مُهْرِي
مُحاذَرةً، فقلْتُ: عُقِرْتَ مُهْرَا!1
أَنِلْ قَدَمَيَّ ظَهْرَ الأرضِ إنِّي
رأيْتُ الأرضَ أثْبَتَ منكَ ظَهْرَا
وقلْتُ لهُ وقدْ أبْدَىٰ نِصالًا
مُحَدَّدةً ووَجْهًا مُكْفَهِرَّا2
يُكَفْكِفُ غِيلةً إحْدَىٰ يَدَيْهِ
ويَبْسُطُ للوُثُوبِ عليَّ أُخْرَىٰ3
يُدِلُّ بمِخْلَبٍ وبحَدِّ نابٍ
وباللَّحَظاتِ تَحْسَبُهنَّ جَمْرَا4
وفي يُمْنايَ ماضِي الحَدِّ أبْقَىٰ
بمَضْرِبِهِ قِراعُ المَوْتِ أُثْرَا:5
نَصَحْتُكَ فالْتَمِسْ يا لَيْثُ غَيْرِي
طَعامًا، إنَّ لَحْمِي كانَ مُرَّا!
وقَلْبِي مِثْلُ قَلْبِكَ ليسَ يَخْشىٰ
مُصاوَلةً، وليسَ يَخافُ ذَعْرَا6
ففِيمَ تَسُومُ مِثْلِي أنْ يُوَلِّي
ويَجْعَلَ في يَدَيْكَ النَّفْسَ قَسْرَا؟!7
فلَمَّا ظَنَّ أنَّ الغِشَّ نُصْحِي
وخالَفَنِي كأنِّي قُلْتُ هُجْرَا8
مَشَىٰ ومَشَيْتُ.. مِنْ أسَدَيْنِ! رامَا
مَرامًا كانَ إذْ طَلَبَاهُ وَعْرَا9
هَزَزْتُ لهُ الحُسامَ فخِلْتُ أنِّي
[شَقَقْتُ] بهِ لَدَى الظَّلْماءِ فَجْرَا10
وجُدْتُ لهُ بجائِشةٍ أرَتْهُ
بأنْ كَذَبَتْهُ ما مَنَّتْهُ غَدْرَا11
وأطْلَقْتُ المُهَنَّدَ مِنْ يَمِينِي
فقَدَّ لهُ مِنَ الأضْلاعِ عَشْرَا12
[بضَرْبةِ فَيْصَلٍ تَرَكَتْهُ شَفْعًا
وكانَ كأنَّهُ الجُلْمُودُ وَتْرَا]13
فخَرَّ [مُضَرَّجًا] بدمٍ كأنِّي
هَدَمْتُ بهِ بِناءً مُشْمَخِرَّا14
وقلْتُ لهُ: يَعِزُّ عليَّ أنِّي
قَتَلْتُ مُناسِبِي جَلَدًا و[قَهْرَا]15
ولكِنْ رُمْتَ شَيْئًا لَمْ يَرُمْهُ
سِواكَ، فلَمْ أُطِقْ يا لَيْثُ صَبْرَا
تُحاوِلُ أنْ تُعَلِّمَني فِرارًا؟!
لَعَمْرُ أبِيكَ قَدْ حاوَلْتَ نُكْرَا!16
فلا [تَبْعَدْ] فقَدْ لاقَيْتَ حُرًّا
يُحاذِرُ أنْ يُعابَ، فمِتَّ حُرَّا17

شرح الغريب (1-17)

  1. تبهنسَ: تبخترَ (يعني الأسدَ). تقاعسَ: تراجعَ. المُهْر: ولدُ الفرَس. عُقِرْتَ: قُطِعَتْ قوائمُك (دعاءٌ عليه).
  2. شبَّهَ أنيابه بنِصالِ السِّهام الحادَّة. مُكْفَهِرًّا: عابسًا.
  3. يُكفكِفُ: يَقْبِضُ. غِيلةً: خَدِيعةً، أو: للاغتيالِ.
  4. يُدِلُّ: يَجْتَرئُ، أو: يَنْقَضُّ على فريستِه مِن عَلُ؛ كالبازي. اللَّحَظات: النَّظَرات.
  5. المَضْرِب: حدُّ السَّيف. القِراع: المضاربة بالسُّيوف. الأُثْر: أثَرُ الجُرح بعد البُرْء، استعارَه هنا لثُلُوم السَّيف.
  6. المُصاولة: المُواثبة والمُغالبة. الذَّعْر: الإخافة.
  7. سامَه الأمرَ: كلَّفَه إيَّاه، وألزمَه به. وَلَّى: فرَّ هاربًا. القَسْر: القَهْر والإكراه.
  8. الهُجْر: الهَذَيان، والقول القبيح.
  9. مِن أسدينِ: تعجُّبيَّة؛ أي: اعجَبُوا من أسدين. المَرامُ الوَعْرُ: المَطلَبُ الصَّعبُ المنالِ.
  10. الحُسام: السَّيف القاطع. شقَّ الفجرَ: أطْلَعَه.
  11. بجائشة: بضربة هائجة. مَنَّتْه الأمرَ: جعلَتْه يتمنَّاه. يقول: كذبَتْ عليه تلك الضربةُ وغدرَتْ به، حين منَّتْه خيبتَها وعدمَ إصابتِها؛ لاضطرابها بهَيَجان ضاربِها.
  12. المهنَّد: السَّيف المصنوع في الهند. قدَّ: قطعَ.
  13. الفيصل: الماضي القاطع. شَفْعًا: أي اثنين. الجُلْمود: الصَّخْر. وَتْرًا: واحدًا.
  14. خرَّ: سقطَ. مضرَّجًا: ملطَّخًا. المُشْمَخِرُّ: العالي المرتفع.
  15. يَعِزُّ عليَّ: يَصعُبُ. المُناسِب: المُشابِه والمُشاكِل. الجَلَد: الشِّدَّة والقوَّة. القَهْر: الغَلَبة.
  16. لَعَمْرُ أبيكَ: أسلوب قَسَم؛ تقديره: لَعَمْرُ أبيكَ قَسَمي، والعَمْرُ والعُمْرُ واحدٌ. النُّكْر: الأمر المُنكَر.
  17. لا تَبْعَدْ: لا تَهْلِكْ! وهو دعاءٌ خرجَ بلفظ النَّهي، تدعو العربُ به لمن هلك؛ فشَقَّ هلاكُه على من يَفقِدُه.
ترجمة بديع الزمان:
أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى الهمذاني (ت 398ھ): أحد أئمة الكتاب، صاحب (المقامات) المشهورة، التي أخذ الحريري أسلوب مقاماته عنها. ولد في همذان، وانتقل إلى هراة فسكنها، ثم ورد نيسابور ولم تكن قد ذاعت شهرته، فلقي أبا بكر الخوارزمي، فشجر بينهما ما دعاهما إلى المساجلة، فطار ذكر الهمذاني في الآفاق.كان قوي الحافظة، يضرب المثل بحفظه.
التوثيق

كنْ قويًّا.. كنْ عزيزًا

محمد عوض محمد

أتَحْنُو عليكَ قُلوبُ الوَرَىٰ
إذا دَمْعُ عينَيْكَ يومًا جَرَىٰ؟!1
وهلْ تَرْحَمُ الحَمَلَ المُسْتَضامَ
ذئابُ الفَلَا أوْ أُسُودُ الشَّرَىٰ؟!2
وماذا يَنالُ الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ
سِوىٰ أنْ يُحَقَّرَ أوْ يُزْدَرَىٰ؟!3
لقدْ سَمِعَ النَّسْرُ نَوْحَ الحَمامِ
فلمْ يَعْفُ عَنْها ولمْ يَغْفِرَا4
بَلِ انْقَضَّ ظُلْمًا لِيَغْتالَها
وأنْشَبَ في نَحْرِها المِنْسَرَا5
وما رَدَّ عَنْها الأذىٰ ذُلُّها
ولا أنَّها ما جَنَتْ مُنْكَرَا!
فكُنْ يابِسَ العُودِ صُلْبَ القَناةِ
قَوِيَّ المِراسِ مَتِينَ العُرَىٰ6
ولا تَتَطامَنْ لبَغْيِ البُغاةِ
وكُنْ كاسِرًا قَبْلَ أنْ تُكْسَرَا7
وأَوْلىٰ لمَنْ عاشَ مِثْلَ الثَّرَىٰ
ذَلِيلًا، لَوِ احْتَلَّ جَوْفَ الثَّرَىٰ!
إذا كُنْتَ تَرْجُو كِبارَ الأُمُورِ
فأَعْدِدْ لها هِمَّةً أكْبَرَا
طَرِيقُ العُلَا أبدًا للأمامِ
فوَيْحَكَ! هلْ تَرْجِعُ القَهْقَرَىٰ؟8
وكلُّ البَرِيَّةِ في يَقْظةٍ
فوَيْلٌ لمَنْ يَسْتَطِيبُ الكَرَىٰ!9

شرح الغريب (1-9)

  1. الوَرى: النَّاس.
  2. الحَمَل: الخروف الصغير. المُستَضام: المظلوم. الفَلا: ج الفلاة؛ وهي الأرض الواسعة المُقْفِرة. الشَّرى: موضعٌ في بلاد العرب كثيرُ السِّباع.
  3. يُزْدَرى: يُعاب.
  4. لم يَغْفِرَا: الألف مُبدَلة من نون التوكيد الخفيفة؛ ولذلك بُني الفعل على الفتح، والأصل: لم يَغْفِرَنْ.
  5. أنشبَ: غَرَزَ، أعْلَقَ. النَّحْر: أعلى الصدر. المِنْسَر: مِنْقار النَّسر.
  6. القناة: الرُّمح الأجوف، أو العصا. ويُبْسُ العُود وصلابةُ القناة: كنايتان عن القوَّة والمتانة. المِراس: الشِّدَّة والجَلَد. العُرى: ج العُرْوة؛ وهي كلُّ ما يُستمسَكُ به، ومتانة العُرى: كناية عن الشِّدَّة والقوَّة.
  7. تطامنَ: تطأطأَ وسَكَنَ.
  8. وَيْحَك: كلمة ترحُّمٍ وتوجُّع، تقالُ لمن أشرفَ على هلاك. القَهْقَرى: الرجوع إلى خَلْفٍ.
  9. البَرِيَّة: الخَليقة. الكرى: النَّوم.
ترجمة عوض:
محمد عوض محمد
محمد عوض محمد (ت 1391ھ/ 1972م): عالم جغرافي مصري، من أعضاء مجمع اللغة في القاهرة. تخرج بمدرسة المعلمين العليا، وتخصص في الجغرافية، وحاز (الدكتوراه) من جامعة لندن، وعمل في التعليم، وتنقل في الإدارة. له مؤلفات ومترجمات؛ منها: نهر النيل، الاستعمار والمذاهب الاستعمارية، سكان هذا الكوكب، الشرق والغرب، (هرمن ودروتيه) و(فاوست) لجوته، نقلهما عن الألمانية.
التوثيق

ما فازَ إلَّا النوَّمُ!

معروف الرُّصافي

يا قَوْمُ لا تتكلَّمُوا
إنَّ الكلامَ مُحَرَّمُ
نامُوا ولا تَستَيْقِظُوا
ما فازَ إلَّا النُّوَّمُ!
وتأخَّرُوا عَنْ كلِّ ما
يَقْضِي بأنْ تتقدَّمُوا
ودَعُوا التَّفَهُّمَ جانبًا
فالخيرُ ألَّا تَفْهَمُوا
وتَثَبَّتُوا في جَهْلِكمْ
فالشَّرُّ أنْ تتعلَّمُوا
أمَّا السِّياسةُ فاتْرُكُوا
أبدًا، وإلَّا تَنْدَمُوا
إنَّ السِّياسةَ سِرُّها
لَوْ تَعلَمُونَ مُطَلْسَمُ
وإذا أفَضْتُمْ في المُبا
حِ منَ الحديثِ فجَمْجِمُوا
والعَدْلَ لا تتوَسَّمُوا
والظُّلْمَ لا تتجَهَّمُوا
مَنْ شاءَ مِنْكمْ أنْ يَعِيـ
ـشَ اليَوْمَ وَهْوَ مُكَرَّمُ
فَلْيُمْسِ لا سَمْعٌ ولا
بَصَرٌ لَدَيْهِ ولا فَمُ
لا يَستَحِقُّ كَرامةً
إلَّا الأصَمُّ الأبْكَمُ!
ودَعُوا السَّعادةَ إنَّما
هيَ في الحياةِ تَوَهُّمُ
فالعَيْشُ وَهْوَ مُنَعَّمُ
كالعَيْشِ وَهْوَ مُذَمَّمُ
فارْضَوْا بحُكْمِ الدَّهْرِ مَهْـ
ـمَا كانَ فيه تَحَكُّمُ
واذا ظُلِمْتُمْ فاضْحَكُوا
طَرَبًا، ولا تتظَلَّمُوا
وإذا أُهِنْتُمْ فاشْكُرُوا
وإذا لُطِمْتُمْ فابْسِمُوا
إنْ قِيلَ: هذا شَهْدُكمْ
مُرٌّ، فقُولُوا: عَلْقَمُ
أوْ قِيلَ: إنَّ نَهارَكمْ
لَيْلٌ، فقُولُوا: مُظْلِمُ
أوْ قِيلَ: إنَّ ثِمادَكمْ
سَيْلٌ، فقُولُوا: مُفْعَمُ
أوْ قِيلَ: إنَّ بِلادَكمْ
يا قَوْمُ سوفَ تُقَسَّمُ
فتَحَمَّدُوا وتَشَكَّرُوا
وتَرَنَّحُوا وتَرَنَّمُوا!!

التوثيق

لقاءٌ على البُعْد

ابن المعتز

قالَيمدحُ أستاذَه أبا العبَّاسِ أحمدَ بنَ يَحْيىٰ ـ المعروفَ بثَعْلَبٍ (ت 291ﻫ)، إمامَ الكوفيِّينَ في النَّحوِ واللُّغةِ ـ ويتشوَّقُ إليه وهو مُعْتَقَلٌ:

ما وَجْدُ صادٍ بالحِبالِ مُوثَقِ1
بماءِ مُزْنٍ باردٍ مُصَفَّقِ2
بالرِّيحِ، لمْ يُطْرَقْ ولمْ يُرَنَّقِ3
جادَتْ بهِ أخْلافُ دَجْنٍ مُطْبِقِ4
بصَخْرةٍ إنْ تَرَ شَمْسًا تَبْرُقِ5
فَهْوَ عَلَيْها كالزُّجاجِ الأزْرَقِ
صَرِيحُ غَيْثٍ خالِصٍ لمْ يُمْذَقِ6
إلَّا كوَجْدِي بكَ، لكنْ أتَّقي
[صَوْلةَ مَنْ إنْ هَمَّ بي لمْ يَفْرَقِ]7
يا فاتِحًا لكُلِّ عِلْمٍ مُغْلَقِ
وصَيْرَفِيًّا ناقِدًا للمَنْطِقِ8
إنْ قالَ: هذا بَهْرَجٌ، لمْ يَنْفُقِ9
إنَّا علَى البِعادِ والتَّفَرُّقِ
لَنَلْتَقِي بالذِّكْرِ إنْ لمْ نَلْتَقِ!

شرح الغريب (1-9)

  1. وَجَدَ بالشيءِ وَجْدًا: إذا أحبَّه حبًّا شديدًا. الصادي: شديدُ العطَشِ. المُوثَق: المقيَّد.
  2. المُزْن: السحابُ يحملُ الماءَ (ج مُزْنة). المُصَفَّقُ بالرِّيح: الذي ضربَتْه الرِّيحُ فصَفا.
  3. لم يُطرَقْ: لم تَخُضْ فيه الدوابُّ فيتغيَّرَ. لم يُرنَّقْ: لم يُكدَّرْ.
  4. الأخلاف: ج الخِلْف؛ وهو ضَرْعُ الناقة (استعارَه للغيم). الدَّجْن: ظِلُّ الغيم في اليوم المَطِير. المُطْبِق: الذي غطَّى السماء. في الديوان: «أخلاقُ دَجْنٍ»، تصحيف.
  5. جعلَ الماءَ محفوظًا في نُقْرةٍ في صخرة؛ وذلك أصْفَى له وأبرَدُ.
  6. الصريح والخالص: النَّقيُّ من الشوائب. الغيث: المطر. لم يُمْذَقْ: لم يُمْزَجْ بشيء.
  7. لم يَفْرَقْ: لم يَخَفْ؛ وذلك أنَّه كان معتقَلًا. وهذا البيت ساقطٌ من الديوان، مَزِيدٌ من (التذكرة الحمدونية).
  8. الصَّيْرَفيُّ: الصَّرَّافُ بلغةِ عصرِنا. الناقد: الذي يَمِيزُ جيِّدَ الدراهمِ والدنانيرِ من رديئِها، شبَّه أستاذَه به في معرفةِ صحيحِ الكلامِ وفاسدِه.
  9. البَهْرَج: الباطل الزائف. لم يَنْفُقْ: لم يَرُجْ ويُرغَبْ فيه.
ترجمة ابن المعتز:
عبد الله بن محمد المعتز بالله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد العباسي (ت 300ھ): الشاعر المبدع، خليفة يوم وليلة. ولد في بغداد، وأولع بالأدب، فكان يقصد فصحاء الأعراب ويأخذ عنهم. من كتبه المطبوعة: البديع، فصول التماثيل، طبقات الشعراء، ديوان شعره.
التوثيق

الحقيقةُ الغائبة

البحتري

أَطِلْ جَفْوةَ الدُّنيا وتَهْوِينَ شَأْنِها
فما [الغافلُ] المغرورُ [فيها] بعاقلِ1
يُرَجِّي الخُلودَ مَعْشَرٌ ضَلَّ سَعْيُهمْ
ودُونَ الَّذي يَرْجُونَ غَوْلُ الغَوائلِ2
وليسَ الأمانِي في البَقاءِ، وإنْ مَضَتْ
بها عادةٌ، إلَّا أحاديثُ باطلِ
إذا ما حَرِيزُ القَوْمِ باتَ وما لَهُ
منَ اللهِ واقٍ، فَهْوَ بادِي المَقاتِلِ!3
وما المُفْلِتُونَ أجْمَلَ الدَّهرُ فِيهمُ
بأكْثَرَ مِنْ أعدادِ مَنْ في الحَبائلِ4
يُسارُ بنا قَصْدَ المَنُونِ، وإنَّنا
لَنَشْعَفُ أحيانًا بطَيِّ المَراحِلِ!5
عِجالًا منَ الدُّنيا بأسْرَعِ سَعْيِنا
إلىٰ آجِلٍ مِنْها شَبِيهٍ بعاجِلِ
أواخِرُ مِنْ عَيْشٍ، إذا ما امْتَحَنْتَها
تأمَّلْتَ أمْثالًا لها في الأوائلِ6
وما عامُكَ الماضي، وإنْ أفْرَطَتْ بهِ
عجائبُهُ، إلَّا أخُو عامِ قابِلِ!7
غَفَلْنا عنِ الأيَّامِ [أطْوَلَ] غَفْلةٍ
وما خَوْنُها المَخْشِيُّ عنَّا بغافلِ8
تَغَلْغَلَ رُوَّادُ الفَناءِ، ونَقَّبَتْ
دَواعِي المَنُونِ عنْ جَوادٍ وباخِلِ9

شرح الغريب (1-9)

  1. الجَفْوة: النُّفور والتباعد. في الديوان: «فما العاقلُ المغرورُ منها بعاقلِ»، والمثبَت من (كتاب الصناعتين) أعلى وأجوَد.
  2. الغوائل: ج الغائلة؛ وهي الشرُّ والداهية. وغالَتْهم: أي أخذَتْهم من حيث لا يدرون؛ فأهلكَتْهم.
  3. الحَرِيز: الحَصِين المَنِيع. المَقاتِل: ج المَقْتَل؛ وهو المكان الذي إذا أُصيب فيه الإنسانُ لا يكاد يَسْلَمُ.
  4. أجملَ فيهم: رَفَقَ بهم. الحَبائل: ج الحِبالة؛ وهي المِصْيَدة.
  5. قَصْدَ: جهةَ. المَنُون: الموت. شَعِفَ بالشيء: أحبَّه وشُغِلَ به. المَراحل: ج المَرْحلة؛ وهي مسافة يَطْويها المسافرُ في يوم تقريبًا؛ أي: يقطعُها.
  6. امتحنَ الشيءَ: نظرَ فيه وتدبَّره.
  7. عامُ قابِلٍ: هو العامُ المقبِلُ، وأصله: عامٌ قابلٌ، ثم أُضيف العامُ إلى صفته.
  8. الخَوْن: النقص، والغدر. وخَوْنُ الدنيا: تغييرُها الحالَ من اللِّين إلى الشِّدَّة. في الأصل: «أطوعَ غفلة»، والمثبَت من (الموازنة) للآمدي.
  9. تغلغلَ: أسرعَ. الرُّوَّاد: ج الرائد؛ وهو من يتقدَّم القومَ، يبصرُ لهم الكلأَ ومَساقِطَ الغيث. وفي تشبيه السابق إلى الفناء بالرائد الذي يتبعه قومُه بلاغةٌ عالية. نقَّبَتْ عنهم: بحثَتْ عنهم بحثًا بليغًا. دواعي المَنُون: أسباب الموت.
التوثيق

داءُ الشرق

أحمد محرَّم

داءُ أهلِ الشَّرقِ ضَعْفُ الهِمَمِ
وبهذا كانَ موتُ الأُمَمِ
يا بَني الشَّرقِ، ولا شَرْقَ لكمْ
بسِوَى الجِدِّ ورَعْيِ الذِّمَمِ
ما لكمْ لا تَنْجَلي غُمَّتُكمْ؟
أتُحِبُّونَ اشْتِدادَ الغُمَمِ؟!1
فَرِّجُوها واكْشِفُوا ظُلْمتَها
بقُوًى كَشَّافةٍ للظُّلَمِ
خُنْتُمُ العهدَ فبِتُّمْ نُوَّمًا
ضَلَّ سَعْيُ الخائنينَ النُّوَّمِ!
يا بَني الشَّرقِ أفِيقُوا إنَّما
خَدَعَتْكمْ كاذباتُ الحُلُمِ
إنَّ مِنْ شَرِّ البَلايا نومُكمْ
عنْ عدوٍّ ساهرٍ لمْ يَنَمِ!
يَقِظِ العَيْنَيْنِ والرَّأيِ معًا
وهْوَ ماضٍ كالحُسامِ المِخْذَمِ2
لا تَظُنُّوا المجْدَ شيئًا هَيِّنًا
إنَّهُ في لَهَواتِ الضَّيْغَمِ3
هٰكذا نحنُ وهَذِي حالُنا
ليسَ فينا غيرُ نِكْسٍ مُحْجِمِ4
واهنِ العَزْمِ ضعيفٍ قلبُه
غيرِ ثَبْتِ الجَأْشِ في المُزْدَحَمِ5
يا بَني الشَّرقِ لمجْدٍ ضائعٍ
مَنْ بكىٰ ضَيْعتَهُ لمْ يُلَمِ
كانَ بالأمسِ مَنيعًا صَرْحُهُ
يَتَسامىٰ فوقَ هامِ الأنْجُمِ6
أصبحَ اليومَ كرَبْعٍ دارِسٍ
طامِسٍ، عَفَّتْهُ أيدِي القِدَمِ7
قدْ شَجاني وشَجاهُ أنَّهُ
بسِوىٰ أيدِيكمُ لمْ يُهْدَمِ!8
جَدِّدُوهُ وامْنَعُوا حَوْزتَهُ
وادْفَعُوا عنهُ يدَ المُهْتَضِمِ9
وارْفَعُوا بُنْيانَهُ حتَّىٰ يُرىٰ
كالَّذي كانَ؛ أشَمَّ القِمَمِ10
إنَّني أخْشىٰ وبالشَّرقِ صَدًى
أنْ يُرَوَّىٰ مِنْ بَنِيهِ بالدَّمِ11
وأرىٰ موتَ الفتىٰ خيرًا لهُ
مِنْ حياةٍ بينَ نابَيْ أرْقَمِ12
أصبحَ الشَّرقُ كبيرًا هَرِمًا
لَهْفَ نَفْسِي للكبيرِ الهَرِمِ!13
أكْرِمُوه يا بَنِيهِ، إنَّهُ
ليسَ يَرْضَى الشَّيخُ إنْ لمْ يُكْرَمِ
اُزْجُرُوا أنْفُسَكمْ عنْ غَيِّها
إنَّ عُقْبَى الغَيِّ طُولُ النَّدمِ14

شرح الغريب (1-14)

  1. الغُمَّة: الكَرْب والضِّيق والظُّلْمة.
  2. المِخْذَم: السيف القاطع.
  3. اللَّهوات: ج اللَّهاة؛ وهي اللَّحمة المُشْرِفة على الحَلْق. الضَّيغم: الأسد الواسع الشِّدْق.
  4. النِّكْس: الضَّعيف، والمقصِّر عن غاية النَّجدة والكرم. المُحْجِم: ضِدُّ المُقْدِم.
  5. الجَأْش: القلب أو النَّفْس. المُزْدحَم: المُعْترَك.
  6. الصَّرْح: القَصْر العالي. الهام: ج الهامَة؛ وهي أعلى الرأس.
  7. الرَّبْع: المنزل. الدارس والطامس: الذي ذهب أثرُه. عَفَّتْه: أزالَتْه ومَحَتْه.
  8. شجاه الأمرُ: أحزنَه.
  9. الحَوْزة: الناحية. المُهتضِم: الظالم.
  10. الأشمّ: المرتفع العالي.
  11. الصَّدى: العطش.
  12. الأرقم: أخبثُ الحيَّات.
  13. لهفَ نفسي: عبارة يُتَحسَّر بها على ما فات.
  14. الغيّ: الجهل والانهماك في الباطل.
ترجمة محرم:
أحمد محرم
أحمد محرم بن حسن عبد الله (ت 1364ھ/ 1945م): شاعر مصري، حسن الرصف، نقي الديباجة، تركي الأصل أو شركسي، ولد في شهر المحرم فسمي باسمه. تلقى مبادئ العلوم وتثقف على يد أحد الأزهريين، وسكن دمنهور بعد وفاة أبيه، فعاش يتكسب بالنشر والكتابة. حفلت أيامه بأحداث السياسة والأحزاب، فانفرد برأيه مستقلًّا عن كل حزب. له: ديوان محرم، ديوان الإسلام (الإلياذة الإسلامية).
التوثيق

الشاعرُ المعلِّم

إبراهيم طُوقان

شَوْقي يقولُ وما دَرىٰ بمُصِيبتي:
«قُمْ للمُعلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلا»1
اُقْعُدْ فَدَيْتُكَ، هلْ يكونُ مُبَجَّلًا
مَنْ كانَ للنَّشْءِ الصِّغارِ خَلِيلا؟!2
ويَكادُ [يَقْتُلُني] الأميرُ بقَوْلِه:
«كادَ المعلِّمُ أنْ يكونَ رَسُولا»!
لَوْ جَرَّبَ التَّعليمَ شَوْقي ساعةً
لَقَضَى الحياةَ شَقاوةً وخُمُولا!
حَسْبُ المعلِّمِ غُمَّةً وكَآبةً
مَرْأَى الدَّفاتِرِ بُكْرةً وأصِيلا3
مِئةٌ علىٰ مِئةٍ.. إذا هيَ صُلِّحَتْ
وَجَدَ العَمىٰ نَحْوَ العُيُونِ سَبِيلا!
ولَوَ انَّ في التَّصْلِيحِ نَفْعًا يُرْتَجىٰ
وأبِيكَ لَمْ أَكُ بالعُيُونِ بَخِيلا4
لكنْ أُصَلِّحُ غَلْطةً نَحْوِيَّةً
مَثَلًا، وأتَّخِذُ الكِتابَ دَلِيلا5
مُسْتَشْهِدًا بالغُرِّ مِنْ آياتِهِ
أوْ بالحَدِيثِ مُفَصَّلًا تَفْصِيلا6
وأغُوصُ في الشِّعْرِ القَديمِ فأَنْتَقِي
ما ليسَ مُلْتَبِسًا ولا مَبْذُولا7
وأكادُ أَبْعَثُ سِيبَوَيْهِ مِنَ البِلىٰ
وذَوِيهِ مِنْ أهْلِ القُرُونِ الأُولىٰ8
فأَرىٰ حِمارًا بَعْدَ ذلكَ كُلِّهِ
رَفَعَ المُضافَ إليهِ والمَفْعُولا!!
لا تَعْجَبُوا إنْ صِحْتُ يَوْمًا صَيْحةً
ووَقَعْتُ ما بينَ [الصُّفوفِ] قَتِيلا9
يا مَنْ يُرِيدُ الإنْتِحارَ، وَجَدْتُهُ:
إنَّ المعلِّمَ لا يَعِيشُ طَوِيلا!10

شرح الغريب (1-10)

  1. شوقي: أميرُ الشعراءِ أحمد شوقي. وفَّاه التَّبجيلَ: أدَّى حقَّ تعظيمِه وافيًا تامًّا.
  2. النَّشْء: ج النَّاشِئ؛ وهو الغلامُ جاوزَ حدَّ الصِّغَرِ وشبَّ.
  3. حَسْبُه: يَكْفِيه. الغُمَّة: الكَرْب والحزن. الأصيل: وقتُ اصفرارِ الشمسِ لمغربِها.
  4. ولوَ انَّ: همزةُ (أنَّ) هنا همزةُ وصلٍ للضرورة، تُلفظ مع (لَوْ) هكذا: (لَوَنَّ). لم أَكُ: لم أَكُنْ.
  5. الكتاب: القرآن الكريم.
  6. الغُرُّ: ج الغَرَّاء؛ وهي البيضاءُ الواضحة. الحديث: يعني الحديثَ النبويَّ الشريف.
  7. المبذول (هنا): بمعنى الضعيفِ النازل. يعني أنه يختارُ من شواهدِ الشِّعرِ أشرفَها وأعلاها.
  8. سِيبَوَيْه: عَمْرُو بنُ عثمانَ بنِ قَنْبَر (ت180ﻫ)، إمامُ النحوِ العربي. البِلى: الفَناء.
  9. الصُّفوف: ج الصَّفِّ؛ وهو أحدُ أقسامِ المدرسة، ويُسمَّى «الفَصْلَ» أيضًا (الكلمتان مُحْدَثتان). في الأصل: «ما بينَ البُنُوكِ»؛ يعني مقاعدَ الدراسة.
  10. الانتحار: قُطِعَت الهمزةُ لضرورةِ الوزن.
ترجمة طوقان:
إبراهيم طوقان
إبراهيم بن عبد الفتاح طوقان (ت 1360ھ/ 1941م): شاعر غَزِل، من أهل نابلس بفلسطين. قال فيه أحد كتّابها: «عذب النغمات، ساحر الرنات، تقسَّم بين هوًى دفين، ووطن حزين». تعلم في الجامعة الأميركية ببيروت، وبرع في الأدبين العربي والإنجليزي، وتولى قسم المحاضرات في محطة الإذاعة بفلسطين نحو خمس سنين، وانتقل إلى بغداد مدرسًا، ثم عاد إلى بلده نابلس مريضًا، وتوفي في القدس. وكان وديعًا مرحًا.
التوثيق