أحاديثُ المسجديِّين (3)

أبو عثمان الجاحظ

قالَ شيخٌ منهم: لمْ أرَ في وَضْعِ الأُمورِ مَواضِعَها، وفي تَوْفِيَتِها غايةَ حُقوقِها، كمُعاذةَ العَنْبَرِيَّة. قالُوا: وما شأنُ مُعاذةَ هذه؟

قال: أهدىٰ إليها العامَ ابنُ عمٍّ لها أُضْحِيَّةً، فرأيْتُها كَئِيبةً حَزِينة، مُفَكِّرةً مُطْرِقة، فقلتُ لها: ما لكِ يا مُعاذة؟ قالت: أنا امرأةٌ أرْمَلة، وليسَ لي قَيِّمٌ، ولا عَهْدَ لي بتدبيرِ لحمِ الأَضاحِيِّ، وقدْ ذهبَ الَّذينَ كانُوا يُدبِّرُونَه ويقُومُونَ بحَقِّه، وقدْ خِفْتُ أنْ يَضِيعَ بعضُ هذه الشَّاة، ولستُ أعرِفُ وَضْعَ جميعِ أجزائِها في أماكنِها. وقدْ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ لمْ يَخْلُقْ فيها ولا في غيرِها شيئًا لا مَنْفَعةَ فيه، ولكنَّ المرْءَ يَعْجِزُ لا مَحالة! ولستُ أخافُ مِن تضييعِ القليل؛ إلَّا أنَّه يَجُرُّ تضييعَ الكثير.

وُجوهُ الانتفاع

 أمَّا القَرْنُ فالوَجْهُ فيه معروفٌ؛ وهو أنْ يُجْعَلَ منه كالخُطَّاف، ويُسَمَّرَ في جِذْعٍ مِن أجذاعِ السَّقْف، فيُعَلَّقَ عليه الزُّبُلُ و[الكِيزانُ]، وكلُّ ما خِيفَ عليه منَ الفأرِ والنَّملِ والسَّنانِيرِ وبناتِ وَرْدانَ والحَيَّاتِ وغيرِ ذلك.

 وأمَّا المُصْرانُ فإنَّه لِأوتارِ المِنْدَفة، وبِنا إلىٰ ذلك أعظَمُ الحاجة.

 وأمَّا قِحْفُ الرَّأسِ واللَّحْيانِ وسائرُ العِظام، فسَبِيلُه أنْ يُكْسَرَ بعدَ أنْ يُعْرَق، ثمَّ يُطْبَخ؛ فما ارتفعَ من الدَّسَمِ كانَ للمِصْباحِ وللإدامِ وللعَصِيدةِ ولغيرِ ذلك، ثمَّ تُؤْخَذُ تلك العِظامُ فيُوقَدُ بها، فلمْ يَرَ النَّاسُ وَقُودًا قَطُّ أصْفىٰ ولا أحْسَنَ لَهَبًا [منها]، وإذا كانتْ كذلك فهي أسرَعُ في القِدْر؛ لقِلَّةِ ما يُخالِطُها منَ الدُّخان.

 وأمَّا الإهابُ فالجِلْدُ نَفْسُه جِراب، وللصُّوفِ وُجُوهٌ لا تُعَدُّ.

 وأمَّا الفَرْثُ والبَعْرُ فحَطَبٌ إذا جُفِّفَ عجيبٌ.

ثمَّ قالت: بقيَ الآنَ علينا الانتفاعُ بالدَّم، وقدْ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ لمْ يُحَرِّمْ منَ الدَّمِ المَسْفُوحِ إلَّا أكْلَه وشُرْبَه، وأنَّ له مَواضِعَ يجوزُ فيها ولا يُمْنَعُ منها، وإنْ أنا لمْ أقَعْ علىٰ عِلْمِ ذلك حتَّىٰ يُوضَعَ مَوْضِعَ الانتفاعِ به، صارَ كَيَّةً في قلبي، وقَذًى في عيني، وهَمًّا لا يزالُ يَعُودُني.

فتحٌ مُبِين!

قال: فلمْ ألْبَثْ أنْ رأيْتُها قدْ [تَطَلَّقَتْ] وتَبَسَّمَتْ. فقلتُ: يَنْبَغي أنْ يكونَ قدِ انْفَتحَ لكِ بابُ الرَّأيِ في الدَّم. قالت: أجَلْ، ذَكَرْتُ أنَّ عِنْدي قُدُورًا شامِيَّةً جُدُدًا، وقدْ زَعَمُوا أنَّه ليسَ شيءٌ أدْبَغَ ولا أزْيَدَ في قُوَّتِها منَ التَّلْطِيخِ بالدَّمِ الحارِّ الدَّسِم، وقدِ استرحْتُ الآنَ؛ إذْ وَقَعَ كلُّ شيءٍ مَوْقِعَه.

قال: ثمَّ لقِيْتُها بعدَ سِتَّةِ أشْهُر، فقلتُ لها: كيفَ كانَ قَدِيدُ تلكِ الشَّاة؟ قالت: بأبي أنتَ! لمْ يَجِئْ وقتُ القَدِيدِ بَعْدُ؛ لنا في الشَّحْمِ والأَلْيَةِ والجُنُوبِ والعَظْمِ المُعَرَّقِ وفي غيرِ ذلكَ مَعاشٌ، ولكلِّ شيءٍ إبَّانٌ.

عَوْدٌ علىٰ بَدْء

فقَبَضَ صاحبُ الحِمارِ والماءِ العَذْبِ قَبْضةً مِن حَصًى، ثمَّ ضَرَبَ بها الأرضَ، ثمَّ قال: لا تَعْلَمُ أنَّكَ منَ المُسْرِفِين، حتَّىٰ تَسْمَعَ بأخبارِ الصَّالحِين!

تمَّت الأحاديث

التوثيق
إدارة الأوابد
نضع بين أيديڪم روائع الضـاد؛ محررة ميسرة، قريبة المأخذ، سهلة المتناول. إعداد وتحرير: إدارة الموقع، التدقيق اللغوي والمراجعة العلمية: أبو الحسن محمد علي الحسني.