مناجاة

أبو حيَّان التوحيدي

بسملة

اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ جِدًّا مَقْرُونًا بالتَّوفيق، وعِلْمًا بريئًا منَ الجهل، وعملًا عَرِيًّا منَ الرِّياء، وقولًا مُوَشَّحًا بالصَّواب، وحالًا دائرةً معَ الحقِّ، وفِطْنةَ عَقْلٍ مَضْروبةً في سلامةِ صَدْر، وراحةَ جِسْمٍ راجعةً إلىٰ رَوْحِ بال، وسُكونَ نَفْسٍ مَوْصولًا بثَباتِ يقين، وصِحَّةَ حُجَّةٍ بعيدةً مِن مرضِ شُبْهة، حتَّىٰ تكونَ غايتي في هذه الدَّارِ مقصودةً بالأمْثَلِ فالأمْثَل، وعاقِبتي عندَكَ محمودةً بالأفْضَلِ فالأفْضَل، معَ حياةٍ طيِّبةٍ أنتَ الواعدُ بها ووعْدُكَ الحقُّ، ونعيمٍ دائمٍ أنتَ المُبلِّغُ إليه.

اللَّهُمَّ فلا تُخيِّبْ رجاءَ مَنْ هو مَنُوطٌ بك، ولا تُصَفِّرْ كَفًّا هي ممدودةٌ إليك، ولا تُذِلَّ نَفْسًا هي عزيزةٌ بمَعْرِفتِك، ولا تَسْلُبْ عَقْلًا هو مُسْتَضِيءٌ بنُورِ هِدايتِك، ولا تُعْمِ عَيْنًا فَتَحْتَها بنِعْمتِك، ولا تَحبِسْ لسانًا عَوَّدْتَه الثَّناءَ عليك، وكما أنتَ أَوْلىٰ بالتَّفضُّلِ فكُنْ أحْرَىٰ بالإحسان. النَّاصِيةُ بيَدِك، والوجهُ عانٍ لك، والخيرُ مُتَوقَّعٌ منك، والمصيرُ علىٰ كلِّ حالٍ إليك.

اللَّهُمَّ ألْبِسْني في هذه الحياةِ البائدةِ ثوبَ العِصْمة، وحَلِّني في تلكَ الدَّارِ الباقيةِ بزِينةِ الأمن، وافْطِمْ نَفْسِي عنْ طلبِ العاجلةِ الزَّائلة، وأجْرِني على العادةِ الفاضِلة، ولا تَجْعَلْني ممَّنْ سَها عنْ باطنِ ما لكَ عليه، بظاهرِ ما لكَ عندَه؛ فالشَّقيُّ مَنْ لم تأخُذْ بيَدِه، ولم تُؤَمِّنْه مِن غدِه، والسَّعيدُ مَنْ آوَيْتَه إلىٰ كَنَفِ نِعْمتِك، ونَقَلْتَه حميدًا إلىٰ مَنازلِ رحمتِك، غيرَ مُناقِشٍ له في الحساب، ولا سائقٍ له إلى العَذاب. فإنَّكَ علىٰ ذلك قَدِير.

ترجمة التوحيدي:
علي بن محمد بن العباس التوحيدي، أبو حيان (ت 400ھ): فيلسوف، متصوف، معتزلي، نعته ياقوت الحموي بشيخ الصوفية وفيلسوف الأدباء، وقال ابن الجوزي: كان زنديقًا (!). ولد في شيراز أو نيسابور، وأقام مدة ببغداد، وانتقل إلى الري، فصحب ابن العميد والصاحب بن عباد، فلم يحمد ولاءهما. ولما انقلبت به الأيام رأى أن كتبه لم تنفعه، وضن بها على من لا يعرف قدرها، فجمعها وأحرقها، فلم يسلم منها غير ما نقل قبل الإحراق؛ ومنها: المقابسات، الصداقة والصديق، الإمتاع والمؤانسة، مثالب الوزيرين.
التوثيق

كنْ قويًّا.. كنْ عزيزًا

محمد عوض محمد

أتَحْنُو عليكَ قُلوبُ الوَرَىٰ
إذا دَمْعُ عينَيْكَ يومًا جَرَىٰ؟!1
وهلْ تَرْحَمُ الحَمَلَ المُسْتَضامَ
ذئابُ الفَلَا أوْ أُسُودُ الشَّرَىٰ؟!2
وماذا يَنالُ الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ
سِوىٰ أنْ يُحَقَّرَ أوْ يُزْدَرَىٰ؟!3
لقدْ سَمِعَ النَّسْرُ نَوْحَ الحَمامِ
فلمْ يَعْفُ عَنْها ولمْ يَغْفِرَا4
بَلِ انْقَضَّ ظُلْمًا لِيَغْتالَها
وأنْشَبَ في نَحْرِها المِنْسَرَا5
وما رَدَّ عَنْها الأذىٰ ذُلُّها
ولا أنَّها ما جَنَتْ مُنْكَرَا!
فكُنْ يابِسَ العُودِ صُلْبَ القَناةِ
قَوِيَّ المِراسِ مَتِينَ العُرَىٰ6
ولا تَتَطامَنْ لبَغْيِ البُغاةِ
وكُنْ كاسِرًا قَبْلَ أنْ تُكْسَرَا7
وأَوْلىٰ لمَنْ عاشَ مِثْلَ الثَّرَىٰ
ذَلِيلًا، لَوِ احْتَلَّ جَوْفَ الثَّرَىٰ!
إذا كُنْتَ تَرْجُو كِبارَ الأُمُورِ
فأَعْدِدْ لها هِمَّةً أكْبَرَا
طَرِيقُ العُلَا أبدًا للأمامِ
فوَيْحَكَ! هلْ تَرْجِعُ القَهْقَرَىٰ؟8
وكلُّ البَرِيَّةِ في يَقْظةٍ
فوَيْلٌ لمَنْ يَسْتَطِيبُ الكَرَىٰ!9

شرح الغريب (1-9)

  1. الوَرى: النَّاس.
  2. الحَمَل: الخروف الصغير. المُستَضام: المظلوم. الفَلا: ج الفلاة؛ وهي الأرض الواسعة المُقْفِرة. الشَّرى: موضعٌ في بلاد العرب كثيرُ السِّباع.
  3. يُزْدَرى: يُعاب.
  4. لم يَغْفِرَا: الألف مُبدَلة من نون التوكيد الخفيفة؛ ولذلك بُني الفعل على الفتح، والأصل: لم يَغْفِرَنْ.
  5. أنشبَ: غَرَزَ، أعْلَقَ. النَّحْر: أعلى الصدر. المِنْسَر: مِنْقار النَّسر.
  6. القناة: الرُّمح الأجوف، أو العصا. ويُبْسُ العُود وصلابةُ القناة: كنايتان عن القوَّة والمتانة. المِراس: الشِّدَّة والجَلَد. العُرى: ج العُرْوة؛ وهي كلُّ ما يُستمسَكُ به، ومتانة العُرى: كناية عن الشِّدَّة والقوَّة.
  7. تطامنَ: تطأطأَ وسَكَنَ.
  8. وَيْحَك: كلمة ترحُّمٍ وتوجُّع، تقالُ لمن أشرفَ على هلاك. القَهْقَرى: الرجوع إلى خَلْفٍ.
  9. البَرِيَّة: الخَليقة. الكرى: النَّوم.
ترجمة عوض:
محمد عوض محمد
محمد عوض محمد (ت 1391ھ/ 1972م): عالم جغرافي مصري، من أعضاء مجمع اللغة في القاهرة. تخرج بمدرسة المعلمين العليا، وتخصص في الجغرافية، وحاز (الدكتوراه) من جامعة لندن، وعمل في التعليم، وتنقل في الإدارة. له مؤلفات ومترجمات؛ منها: نهر النيل، الاستعمار والمذاهب الاستعمارية، سكان هذا الكوكب، الشرق والغرب، (هرمن ودروتيه) و(فاوست) لجوته، نقلهما عن الألمانية.
التوثيق

أحاديثُ المسجديِّين (3)

أبو عثمان الجاحظ

قالَ شيخٌ منهم: لمْ أرَ في وَضْعِ الأُمورِ مَواضِعَها، وفي تَوْفِيَتِها غايةَ حُقوقِها، كمُعاذةَ العَنْبَرِيَّة. قالُوا: وما شأنُ مُعاذةَ هذه؟

قال: أهدىٰ إليها العامَ ابنُ عمٍّ لها أُضْحِيَّةً، فرأيْتُها كَئِيبةً حَزِينة، مُفَكِّرةً مُطْرِقة، فقلتُ لها: ما لكِ يا مُعاذة؟ قالت: أنا امرأةٌ أرْمَلة، وليسَ لي قَيِّمٌ، ولا عَهْدَ لي بتدبيرِ لحمِ الأَضاحِيِّ، وقدْ ذهبَ الَّذينَ كانُوا يُدبِّرُونَه ويقُومُونَ بحَقِّه، وقدْ خِفْتُ أنْ يَضِيعَ بعضُ هذه الشَّاة، ولستُ أعرِفُ وَضْعَ جميعِ أجزائِها في أماكنِها. وقدْ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ لمْ يَخْلُقْ فيها ولا في غيرِها شيئًا لا مَنْفَعةَ فيه، ولكنَّ المرْءَ يَعْجِزُ لا مَحالة! ولستُ أخافُ مِن تضييعِ القليل؛ إلَّا أنَّه يَجُرُّ تضييعَ الكثير.

وُجوهُ الانتفاع

 أمَّا القَرْنُ فالوَجْهُ فيه معروفٌ؛ وهو أنْ يُجْعَلَ منه كالخُطَّاف، ويُسَمَّرَ في جِذْعٍ مِن أجذاعِ السَّقْف، فيُعَلَّقَ عليه الزُّبُلُ و[الكِيزانُ]، وكلُّ ما خِيفَ عليه منَ الفأرِ والنَّملِ والسَّنانِيرِ وبناتِ وَرْدانَ والحَيَّاتِ وغيرِ ذلك.

 وأمَّا المُصْرانُ فإنَّه لِأوتارِ المِنْدَفة، وبِنا إلىٰ ذلك أعظَمُ الحاجة.

 وأمَّا قِحْفُ الرَّأسِ واللَّحْيانِ وسائرُ العِظام، فسَبِيلُه أنْ يُكْسَرَ بعدَ أنْ يُعْرَق، ثمَّ يُطْبَخ؛ فما ارتفعَ من الدَّسَمِ كانَ للمِصْباحِ وللإدامِ وللعَصِيدةِ ولغيرِ ذلك، ثمَّ تُؤْخَذُ تلك العِظامُ فيُوقَدُ بها، فلمْ يَرَ النَّاسُ وَقُودًا قَطُّ أصْفىٰ ولا أحْسَنَ لَهَبًا [منها]، وإذا كانتْ كذلك فهي أسرَعُ في القِدْر؛ لقِلَّةِ ما يُخالِطُها منَ الدُّخان.

 وأمَّا الإهابُ فالجِلْدُ نَفْسُه جِراب، وللصُّوفِ وُجُوهٌ لا تُعَدُّ.

 وأمَّا الفَرْثُ والبَعْرُ فحَطَبٌ إذا جُفِّفَ عجيبٌ.

ثمَّ قالت: بقيَ الآنَ علينا الانتفاعُ بالدَّم، وقدْ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ لمْ يُحَرِّمْ منَ الدَّمِ المَسْفُوحِ إلَّا أكْلَه وشُرْبَه، وأنَّ له مَواضِعَ يجوزُ فيها ولا يُمْنَعُ منها، وإنْ أنا لمْ أقَعْ علىٰ عِلْمِ ذلك حتَّىٰ يُوضَعَ مَوْضِعَ الانتفاعِ به، صارَ كَيَّةً في قلبي، وقَذًى في عيني، وهَمًّا لا يزالُ يَعُودُني.

فتحٌ مُبِين!

قال: فلمْ ألْبَثْ أنْ رأيْتُها قدْ [تَطَلَّقَتْ] وتَبَسَّمَتْ. فقلتُ: يَنْبَغي أنْ يكونَ قدِ انْفَتحَ لكِ بابُ الرَّأيِ في الدَّم. قالت: أجَلْ، ذَكَرْتُ أنَّ عِنْدي قُدُورًا شامِيَّةً جُدُدًا، وقدْ زَعَمُوا أنَّه ليسَ شيءٌ أدْبَغَ ولا أزْيَدَ في قُوَّتِها منَ التَّلْطِيخِ بالدَّمِ الحارِّ الدَّسِم، وقدِ استرحْتُ الآنَ؛ إذْ وَقَعَ كلُّ شيءٍ مَوْقِعَه.

قال: ثمَّ لقِيْتُها بعدَ سِتَّةِ أشْهُر، فقلتُ لها: كيفَ كانَ قَدِيدُ تلكِ الشَّاة؟ قالت: بأبي أنتَ! لمْ يَجِئْ وقتُ القَدِيدِ بَعْدُ؛ لنا في الشَّحْمِ والأَلْيَةِ والجُنُوبِ والعَظْمِ المُعَرَّقِ وفي غيرِ ذلكَ مَعاشٌ، ولكلِّ شيءٍ إبَّانٌ.

عَوْدٌ علىٰ بَدْء

فقَبَضَ صاحبُ الحِمارِ والماءِ العَذْبِ قَبْضةً مِن حَصًى، ثمَّ ضَرَبَ بها الأرضَ، ثمَّ قال: لا تَعْلَمُ أنَّكَ منَ المُسْرِفِين، حتَّىٰ تَسْمَعَ بأخبارِ الصَّالحِين!

تمَّت الأحاديث

التوثيق

ما فازَ إلَّا النوَّمُ!

معروف الرُّصافي

يا قَوْمُ لا تتكلَّمُوا
إنَّ الكلامَ مُحَرَّمُ
نامُوا ولا تَستَيْقِظُوا
ما فازَ إلَّا النُّوَّمُ!
وتأخَّرُوا عَنْ كلِّ ما
يَقْضِي بأنْ تتقدَّمُوا
ودَعُوا التَّفَهُّمَ جانبًا
فالخيرُ ألَّا تَفْهَمُوا
وتَثَبَّتُوا في جَهْلِكمْ
فالشَّرُّ أنْ تتعلَّمُوا
أمَّا السِّياسةُ فاتْرُكُوا
أبدًا، وإلَّا تَنْدَمُوا
إنَّ السِّياسةَ سِرُّها
لَوْ تَعلَمُونَ مُطَلْسَمُ
وإذا أفَضْتُمْ في المُبا
حِ منَ الحديثِ فجَمْجِمُوا
والعَدْلَ لا تتوَسَّمُوا
والظُّلْمَ لا تتجَهَّمُوا
مَنْ شاءَ مِنْكمْ أنْ يَعِيـ
ـشَ اليَوْمَ وَهْوَ مُكَرَّمُ
فَلْيُمْسِ لا سَمْعٌ ولا
بَصَرٌ لَدَيْهِ ولا فَمُ
لا يَستَحِقُّ كَرامةً
إلَّا الأصَمُّ الأبْكَمُ!
ودَعُوا السَّعادةَ إنَّما
هيَ في الحياةِ تَوَهُّمُ
فالعَيْشُ وَهْوَ مُنَعَّمُ
كالعَيْشِ وَهْوَ مُذَمَّمُ
فارْضَوْا بحُكْمِ الدَّهْرِ مَهْـ
ـمَا كانَ فيه تَحَكُّمُ
واذا ظُلِمْتُمْ فاضْحَكُوا
طَرَبًا، ولا تتظَلَّمُوا
وإذا أُهِنْتُمْ فاشْكُرُوا
وإذا لُطِمْتُمْ فابْسِمُوا
إنْ قِيلَ: هذا شَهْدُكمْ
مُرٌّ، فقُولُوا: عَلْقَمُ
أوْ قِيلَ: إنَّ نَهارَكمْ
لَيْلٌ، فقُولُوا: مُظْلِمُ
أوْ قِيلَ: إنَّ ثِمادَكمْ
سَيْلٌ، فقُولُوا: مُفْعَمُ
أوْ قِيلَ: إنَّ بِلادَكمْ
يا قَوْمُ سوفَ تُقَسَّمُ
فتَحَمَّدُوا وتَشَكَّرُوا
وتَرَنَّحُوا وتَرَنَّمُوا!!

التوثيق

لقاءٌ على البُعْد

ابن المعتز

قالَيمدحُ أستاذَه أبا العبَّاسِ أحمدَ بنَ يَحْيىٰ ـ المعروفَ بثَعْلَبٍ (ت 291ﻫ)، إمامَ الكوفيِّينَ في النَّحوِ واللُّغةِ ـ ويتشوَّقُ إليه وهو مُعْتَقَلٌ:

ما وَجْدُ صادٍ بالحِبالِ مُوثَقِ1
بماءِ مُزْنٍ باردٍ مُصَفَّقِ2
بالرِّيحِ، لمْ يُطْرَقْ ولمْ يُرَنَّقِ3
جادَتْ بهِ أخْلافُ دَجْنٍ مُطْبِقِ4
بصَخْرةٍ إنْ تَرَ شَمْسًا تَبْرُقِ5
فَهْوَ عَلَيْها كالزُّجاجِ الأزْرَقِ
صَرِيحُ غَيْثٍ خالِصٍ لمْ يُمْذَقِ6
إلَّا كوَجْدِي بكَ، لكنْ أتَّقي
[صَوْلةَ مَنْ إنْ هَمَّ بي لمْ يَفْرَقِ]7
يا فاتِحًا لكُلِّ عِلْمٍ مُغْلَقِ
وصَيْرَفِيًّا ناقِدًا للمَنْطِقِ8
إنْ قالَ: هذا بَهْرَجٌ، لمْ يَنْفُقِ9
إنَّا علَى البِعادِ والتَّفَرُّقِ
لَنَلْتَقِي بالذِّكْرِ إنْ لمْ نَلْتَقِ!

شرح الغريب (1-9)

  1. وَجَدَ بالشيءِ وَجْدًا: إذا أحبَّه حبًّا شديدًا. الصادي: شديدُ العطَشِ. المُوثَق: المقيَّد.
  2. المُزْن: السحابُ يحملُ الماءَ (ج مُزْنة). المُصَفَّقُ بالرِّيح: الذي ضربَتْه الرِّيحُ فصَفا.
  3. لم يُطرَقْ: لم تَخُضْ فيه الدوابُّ فيتغيَّرَ. لم يُرنَّقْ: لم يُكدَّرْ.
  4. الأخلاف: ج الخِلْف؛ وهو ضَرْعُ الناقة (استعارَه للغيم). الدَّجْن: ظِلُّ الغيم في اليوم المَطِير. المُطْبِق: الذي غطَّى السماء. في الديوان: «أخلاقُ دَجْنٍ»، تصحيف.
  5. جعلَ الماءَ محفوظًا في نُقْرةٍ في صخرة؛ وذلك أصْفَى له وأبرَدُ.
  6. الصريح والخالص: النَّقيُّ من الشوائب. الغيث: المطر. لم يُمْذَقْ: لم يُمْزَجْ بشيء.
  7. لم يَفْرَقْ: لم يَخَفْ؛ وذلك أنَّه كان معتقَلًا. وهذا البيت ساقطٌ من الديوان، مَزِيدٌ من (التذكرة الحمدونية).
  8. الصَّيْرَفيُّ: الصَّرَّافُ بلغةِ عصرِنا. الناقد: الذي يَمِيزُ جيِّدَ الدراهمِ والدنانيرِ من رديئِها، شبَّه أستاذَه به في معرفةِ صحيحِ الكلامِ وفاسدِه.
  9. البَهْرَج: الباطل الزائف. لم يَنْفُقْ: لم يَرُجْ ويُرغَبْ فيه.
ترجمة ابن المعتز:
عبد الله بن محمد المعتز بالله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد العباسي (ت 300ھ): الشاعر المبدع، خليفة يوم وليلة. ولد في بغداد، وأولع بالأدب، فكان يقصد فصحاء الأعراب ويأخذ عنهم. من كتبه المطبوعة: البديع، فصول التماثيل، طبقات الشعراء، ديوان شعره.
التوثيق

نفسُ عصامٍ سوَّدَتْ عصامَا

مثلٌ عربي

قيلَ إنَّه عِصامُ بنُ شَهْبَرٍ، حاجبُ النُّعمانِ بنِ المُنْذِر، الَّذي قالَ له النَّابغةُ الذُّبْيانيُّ ـ حينَ حَجَبَه عنْ عِيادةِ النُّعمانِ ـ مِن قصيدةٍ له:

فإنِّي لا ألُومُكَ في دُخُولٍ
ولكنْ ما وراءَكَ يا عِصامُ؟

يُضرَبُ في نَباهةِ الرَّجُلِ مِن غيرِ قَدِيم، وهو الَّذي تُسمِّيه العربُ: «الخارِجِيَّ»؛ تعني أنَّه خَرَجَ بنَفْسِه مِن غيرِ أوَّلِيَّةٍ كانتْ له. قالَ كُثَيِّر:

أبا مَرْوانَ لَسْتَ بخارِجِيٍّ
ولَيْسَ قَدِيمُ مَجْدِكَ بانْتِحالِ

وفي المَثَل: كُنْ عِصامِيًّا، ولا تَكُنْ عِظامِيًّا. وقيل:

نَفْسُ عِصامٍ سَوَّدَتْ عِصامَا
وعَلَّمَتْهُ الكَرَّ والإقْدامَا
وصَيَّرَتْهُ مَلِكًا هُمَامَا
[حتَّىٰ عَلَا وجاوزَ الأقوامَا]

عِصاميٌّ وعِظاميٌّ!

يُقال: إنَّه وُصِفَ عندَ الحَجَّاجِ رَجُلٌ بالجهل، وكانتْ له إليه حاجةٌ، فقالَ في نَفْسِه: لَأَخْتَبِرَنَّه. ثمَّ قالَ له حينَ دخلَ عليه: أعِصاميٌّ أنتَ أمْ عِظاميٌّ؟ يريدُ: أشَرُفْتَ أنتَ بنَفْسِك، أمْ تَفْخَرُ بآبائِك الَّذينَ صارُوا عِظامًا؟ فقالَ الرَّجُل: أنا عِصاميٌّ عِظاميٌّ. فقالَ الحَجَّاج: هذا أفضلُ النَّاس! وقَضىٰ حاجتَه وزادَه.

ومَكَثَ عندَه مُدَّةً، ثمَّ فاتَشَه فوجدَه أجْهَلَ النَّاس، فقالَ له: تَصْدُقُني أو لَأَقْتُلَنَّك. قالَ له: قُلْ ما بَدا لكَ أصْدُقْك. قال: كيفَ أجَبْتَني بما أجَبْتَ لمَّا سألْتُكَ عمَّا سألْتُك؟ قالَ له: واللهِ لمْ أعلَمْ أعِصاميٌّ خيرٌ أمْ عِظاميٌّ، فخَشِيتُ أنْ أقولَ أحدَهما فأُخْطِئَ؛ فقلْتُ: أقولُ: كِلاهما؛ فإنْ ضَرَّني أحدُهما نَفَعَني الآخَرُ!!

وكانَ الحَجَّاجُ ظَنَّ أنَّه أراد: أفْتَخِرُ بنَفْسِي لِفَضْلي، وبآبائي لشَرَفِهم. فقالَ الحَجَّاجُ عندَ ذلك: المَقادِيرُ تُصَيِّرُ العَيَّ خَطِيبًا. فذهبَتْ مَثَلًا.

التوثيق