كفرُ الذبابة

مصطفى صادق الرافعي

زَعَمُوا أنَّ ذُبابةً سَوْداءَ كانَتْ مِن حَمْقَى الذِّبَّان، قُدِرَتِ الحماقةُ عليها أبَدِيَّةً، فلَوِ انقلبَتْ نُقْطةَ حِبْرٍ في دَواةٍ لَمَا كُتِبَتْ بها إلَّا كلمةُ سُخْف!

ووَقَعَتْ هذه الذُّبابةُ علىٰ وَجْهِ امرأةٍ زَنْجِيَّةٍ ضَخْمة، فجَعَلَتْ تُقابِلُ بينَ نَفْسِها وبينَ المرأة، وقالَتْ: إنَّ هذا لَمِنْ أدَلِّ الدَّليلِ علىٰ أنَّ العالَمَ فَوْضَى لا نِظامَ فيه، وأنَّه مُرْسَلٌ كيفَ يَتَّفِقُ علىٰ ما يَتَّفِقُ عَبَثًا في عَبَث، ولا رَيْبَ أنَّ الأنبياءَ قدْ كَذَبُوا النَّاسَ؛ إذْ كيفَ يَسْتوِي في الحِكْمةِ خَلْقِي (أنا)، وخَلْقُ هذه الذُّبابةِ الضَّخْمةِ الَّتي أنا فوقَها؟!

ثمَّ نظرَتْ ليلةً في السَّماء، فأبصرَتْ نُجومَها يَتلَأْلَأْنَ وبينَها القَمَرُ، فقالَتْ: وهذا دليلٌ آخَرُ علىٰ ما تَحقَّقَ عِنْدِي مِن فَوْضَى العالَم، وكَذِبِ الأدْيان، وعَبَثِ المُصادَفات؛ فما الإيمانُ بعَيْنِه إلَّا الإلحادُ بعَيْنِه، ووَضْعُ العقلِ في شيءٍ هو إيجادُ [الإلـٰهيَّة] فيه. وإلَّا فكيفَ يَسْتوِي في الحِكْمةِ وَضْعِي (أنا) في الأرض، ورَفْعُ هذا الذِّبَّانِ الأبيضِ ويَعْسُوبِه الكبيرِ إلى السَّماء؟!

ثمَّ إنَّها وَقَعَتْ في دارِ فلَّاح، فجَعَلَتْ تَمُورُ فيها ذهابًا وجِيئةً، حتَّىٰ رَجَعَتْ بقرةُ الفلَّاحِ مِن مَرْعاها، فبُهِتَتِ الذُّبابةُ، وجَمَدَتْ علىٰ غُرَّتِها مِن أوَّلِ النَّهارِ إلىٰ آخرِه؛ كأنَّها تُزاوِلُ عَمَلًا، فلمَّا أمْسَتْ قالَتْ: وهذا دليلٌ أكبرُ الدَّليلِ علىٰ فَوْضَى الأرزاقِ في الدُّنيا؛ فهاتانِ ذُبابتانِ قدْ ثَقَبَتا ثُقْبينِ في وَجْهِ هذه البقرة، واكْتَنَّتا فيهما تأكلَانِ مِن شَحْمِهما فتَعْظُمَانِ سِمَنًا، والنَّاسُ مِن جَهْلِهم بالعِلْمِ الذُّبابيِّ يُسمُّونَهما عَيْنَيْن! وأنا قَضَيْتُ اليومَ كلَّه أخْمِشُ وأعَضُّ وألْسَعُ؛ لأثْقُبَ لي ثُقْبًا مِثْلَهما، فما انْتَزَعْتُ شعرةً. فهلْ يَسْتوِي في الحِكْمةِ رِزْقي (أنا)، ورِزْقُ هاتينِ الذُّبابتَيْنِ في وَجْهِ البقرة؟!

ثمَّ إنَّها رَأتْ خُنْفُساءَ تَدِبُّ دَبِيبَها في الأرْواثِ والأقْذار، فنظرَتْ إليها وقالَتْ: هذه لا تَصْلُحُ دليلًا على الكُفْر؛ فإنِّي (أنا) خَيْرٌ منها: (أنا) لي أجْنِحةٌ وليسَ لها، و(أنا) خَفِيفةٌ وهي ثَقِيلة، وما كأنَّها إلَّا ذُبابةٌ قديمةٌ مِن ذُبابِ القُرُونِ الأُولىٰ، ذلكَ الَّذي كانَ بَلِيدًا لا يَتحرَّك؛ فلَمْ تَجْعَلْ له الحرَكةُ جَناحًا!

ثمَّ إنَّها أصغَتْ، فسَمِعَتِ الخُنْفُساءَ تقولُ لأُخرىٰ وهيَ تُحاوِرُها: إذا لَمْ يَجِدِ المخلوقُ أنَّه كما يَشْتهي، فليَكْفُرْ كما يَشْتهي.. يا وَيْحَنا! لِمَ لَمْ نَكُنْ جامُوسًا كهذا الجامُوسِ العظيم؟ وما بينَنا وبينَه فَرْقٌ إلَّا أنَّه وَجَدَ مَنْ يَنْفُخُه ولَمْ نَجِد!

فقالَتِ الذُّبابة: إنَّ هذا دليلُ العقلِ في هذه العاقلة، ولَعَمْرِي إنَّها لا تَمْشِي مُثَّاقِلةً مِن أنَّها بطيئةٌ مُرْهَقةٌ بعَجْزِها، ولكنْ مِن أنَّها وَقُورٌ مُثْقَلةٌ بأفكارِها، وهي الدَّليلُ علىٰ أنِّي (أنا) السَّابقةُ إلىٰ كَشْفِ الحقيقة!

وجَعَلَتِ الذُّبابةُ لا يُسمَعُ مِن دَنْدَنَتِها إلَّا: أنا، أنا، أنا، أنا.. مِن كُفرٍ إلىٰ كُفرٍ غيرِه، إلىٰ كُفرٍ غيرِهما؛ حتَّىٰ كأنَّ السَّماواتِ كلَّها أصبحَتْ في معركةٍ معَ ذُبابة!

ثمَّ جاءَتِ الحقيقةُ إلىٰ هذا الإلحادِ الأحمقِ تَسْعىٰ سَعْيَها؛ فبَيْنَا الذُّبابةُ علىٰ وَجْهِ حائط، وقدْ أكلَتْ بَعُوضةً أو بَعُوضتَيْن، وأعجبَتْها نَفْسُها، فوقفَتْ تَحُكُّ ذِراعَها بذِراعِها، دَنَتْ بَطَّةٌ صغيرةٌ قدِ انفلقَتْ عنها البَيْضةُ أمْسِ، فمَدَّتْ مِنْقارَها، فالتَقَطَتْها.

ولمَّا انطبقَ المِنْقارُ عليها قالَتْ: آمنْتُ أنَّه لا إلهَ إلَّا الَّذي خَلَقَ البَطَّة!!

ترجمة الرافعي:
الرافعي
مصطفى صادق بن عبد الرزاق الرافعي (ت 1356ھ/ 1937م): إمام في الأدب، شاعر، من كبار الكتاب. أصله من طرابلس الشام، ووفاته في طنطا بمصر. أصيب بالصمم في صغره؛ فانقطع عن دنيا الناس، وأكب على القراءة ينشد أسباب العلم والمعرفة. شعره نقي الديباجة، ونثره من الطراز الأول، وله معارك أدبية مشهورة مع كبار أدباء عصره. أشهر مؤلفاته: وحي القلم، تاريخ آداب العرب، تحت راية القرآن، حديث القمر، رسائل الأحزان، السحاب الأحمر، أوراق الورد.
التوثيق

لعلَّها معذورة

عروة بن أُذَينة

إنَّ الَّتي زَعَمَتْ فُؤادَكَ مَلَّها
خُلِقَتْ هَواكَ كما خُلِقْتَ هَوًى لَها1
فيكَ الَّذي زَعَمَتْ بها، وكِلاكُما
[أبْدَىٰ] لصاحِبِه الصَّبابةَ كُلَّها2
ويَبِيتُ بَيْنَ جَوانِحِي حُبٌّ لَها
لَوْ كانَ تحتَ فِراشِها لَأَقَلَّها3
ولَعَمْرُها لَوْ كانَ حُبُّكَ فَوْقَها
يَوْمًا وقَدْ ضَحِيَتْ إذًا لَأَظَلَّها4
وإذا وَجَدْتُ لَها وَساوِسَ سَلْوةٍ
شَفَعَ الفُؤادُ إلى الضَّمِيرِ فَسَلَّها!5
بَيْضاءُ باكَرَها النَّعِيمُ فصاغَها
بلَباقةٍ فأدَقَّها وأجَلَّها6
لمَّا عَرَضْتُ مُسَلِّمًا ليَ حاجةٌ
أرجُو مَعُونتَها وأخشَىٰ [دَلَّها]7
[حَجَبَتْ] تَحِيَّتَها، فقُلْتُ لصاحبِي:
ما كانَ أكْثَرَها لنا وأقَلَّها!
فَدَنا فقالَ: لعلَّها مَعْذُورةٌ
[في بَعْضِ] رِقْبَتِها، فقُلْتُ: لعلَّها!8

شرح الغريب (1-8)

  1. الهوى (هنا): المَهْوِيُّ؛ أي: المحبوب.
  2. الصَّبابة: رقَّةُ الشَّوق وحرارتُه.
  3. الجوانح: ج الجانِحة؛ وهي الضِّلَعُ القصيرةُ ممَّا يلي الصَّدْر. أقلَّها: حملَها ورفعَها.
  4. لَعَمْرُها: أسلوب قَسَم؛ بمعنى: وحَيَاتِها. ضَحِيَتْ: أصابَها حرُّ الشمس.
  5. الوساوس: أحاديثُ النَّفْس. السَّلْوة: اسمُ مَرَّةٍ من (سَلَا الشَّيءَ)؛ إذا نسيَه وطابتْ نفسُه بعد فراقه. سَلَّها: انتزعَها وأخرجَها. يقول: كيف أسْلُوها إنْ كان قلبي شفيعَها إليَّ؟!
  6. باكرَها النعيمُ: سبقَ إليها في ابتداء خَلْقِها. أراد أنَّها لم تَعِشْ إلَّا في النعيم، وأنَّها لم تُلاقِ بؤسًا فيؤثِّرَ في جمالها وتمامها. اللَّباقة: الحِذْقُ بالشَّيء. أدقَّها: جعلَها دقيقةً. أجلَّها: جعلَها جليلةً. يريد: أدَقَّ من محاسنها ما ينبغي أن يكون دقيقًا، وأجَلَّ منها ما ينبغي أن يكون جليلًا.
  7. الدَّلُّ: الغُنْج والدَّلال.
  8. الرِّقْبة: الحَذَر والخوف.
التوثيق
زيادة بيان:

الجَعاظِرةُ الجَوَّاظُون

أحمد شاكر

قالَ ابنُ حِبَّانَ، الإمامُ الحافظُ أبو حاتمٍ محمَّدُ بنُ حِبَّانَ التَّمِيميُّ البُسْتِيُّ [ت 354ھ]، في (صحيحِه):

ذِكْرُ الزَّجْرِ عنِ العِلْمِ بأمْرِ الدُّنيا معَ الانْهِماكِ فيها، والجهلِ بأمْرِ الآخرةِ ومُجانَبةِ أسبابِها

حدَّثَنا أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ الحسَن؛ قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ يوسُفَ السُّلَمِيُّ؛ قال: أخبرَنا عبدُ الرَّزَّاق؛ قال: أخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ سعيدِ بنِ أبي هِنْد، عنْ أبيه، عنْ أبي هُرَيرة ؛ قال: قالَ رسولُ اللهِ :

إنَّ اللهَ يُبْغِضُ كلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ، سَخَّابٍ بالأسواق، جِيفةٍ باللَّيل، حِمارٍ بالنَّهار، عالِمٍ بأمْرِ الدُّنيا، جاهلٍ بأمْرِ الآخرة.

غريبُ الحديث

الجَعْظَرِيُّ بفتحِ الجيمِ والظَّاءِ المُعْجَمة، بينَهما عينٌ مُهْمَلةٌ ساكنة: «الفَظُّ الغليظُ المتكبِّر، وقيلَ: هو الَّذي يَنْتفِخُ بما ليسَ عندَه، وفيه قِصَرٌ». قالَه ابنُ الأثير. وقالَ الأزهريُّ فيما نقلَ عنه صاحبُ (اللِّسان): «الجَعْظَرِيُّ: الطَّويلُ الجِسْمِ، الأَكُولُ الشَّرُوبُ، البَطِرُ الكافر، وهو الجِعْظارةُ والجِعْظار».

وقالَ ابنُ فارسٍ في (مقاييسِ اللُّغة): «ومِن ذلك قولُهم للرَّجُلِ الجافي المُتَنَفِّجِ بما ليسَ عندَه: جِعْظار، وهذا مِن كلمتَيْنِ: منَ الجَظِّ والجَعْظِ؛ كِلاهما الجافي». وقولُ ابنِ فارسٍ: «المُتَنَفِّج» هو بفتحِ التَّاءِ والنُّونِ، وتشديدِ الفاءِ المكسورةِ، وآخرُه جيم؛ وهو المُفتخِرُ بأكثرَ ممَّا عندَه.

الجَوَّاظُ بفتحِ الجيم، وتشديدِ الواو، وآخرُه ظاءٌ مُعْجَمة: قالَ ابنُ الأثير: «الجَمُوعُ المَنُوعُ، وقيلَ: الكثيرُ اللَّحمِ، المُخْتالُ في مِشْيَتِه، وقيلَ: القصيرُ البَطِينُ». وفسَّرَه الفَرَّاءُ عندَ صاحبِ (اللِّسانِ) بمِثْلِ تفسيرِ «الجَعْظَرِيِّ».

وقالَ ابنُ فارسٍ في (المقاييس): «الجيمُ والواوُ والظَّاءُ أصْلٌ واحدٌ، لنَعْتٍ قبيحٍ لا يُمدَحُ به. قالَ قومٌ: الجَوَّاظُ: الكثيرُ اللَّحمِ، المختالُ في مِشْيَتِه. ويقالُ: الجَوَّاظُ: الأَكُول، ويقالُ: الفاجِر».

سَخَّاب بالسِّين، وصَخَّاب بالصَّاد: منَ «الصَّخَبِ» بالصَّادِ والسِّين؛ وهو الجَلَبةُ والصِّياحُ والخِصام. قالَ في (اللِّسان): «الصَّادُ والسِّينُ يجوزُ في كلِّ كلمةٍ فيها خاء».

في ظِلالِ الحديث

وهذا الوصفُ النَّبَويُّ الرَّائع، الَّذي سَما بتصويرِه إلى القِمَّةِ في البلاغةِ والإبداع، لهؤلاءِ الفِئَامِ منَ النَّاس ـ أستغفرُ اللهَ، بلْ منَ الحيَوان! ـ تَجِدُه كلَّ يومٍ في كثيرٍ ممَّنْ تَرىٰ حَوْلَك؛ ممَّنْ يَنتسِبُونَ إلى الإسلام، بلْ تَراه في كثيرٍ مِن عُظَماءِ الأُمَّةِ الإسلاميَّة؛ عَظَمةَ الدُّنيا لا الدِّين.

بلْ لقدْ تَجِدُه فيمَنْ يُلَقِّبُونَ مِنْهم أنْفُسَهم بأنَّهم «عُلَماءُ»؛ يَنْقُلُونَ اسْمَ «العِلْمِ» عنْ مَعْناه الإسلاميِّ الحقيقيِّ، المعروفِ في الكتابِ والسُّنَّة، إلىٰ علومٍ مِن علومِ الدُّنيا والصِّناعاتِ والأموال، ثمَّ يَمْلَؤُهمُ الغُرور؛ فيريدُونَ أنْ يَحْكُمُوا على الدِّينِ بعِلْمِهمِ الَّذي هو الجهلُ الكامل! ويَزْعُمُونَ أنَّهم أعْرَفُ بالإسلامِ مِن أهلِه، ويُنْكِرُونَ المعروفَ مِنْه، ويَعْرِفُونَ المُنْكَرَ، ويَرُدُّونَ مَنْ يُرْشِدُهم أو يُرْشِدُ الأُمَّةَ إلىٰ معرفةِ دِينِها رَدًّا عَنِيفًا، يُناسِبُ كلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ مِنْهم.

فتأمَّلْ هذا الحديثَ واعْقِلْه، تَرَهُمْ أمامَك في كلِّ مكان..!

ترجمة أحمد شاكر:
أحمد شاكر
أحمد بن محمد شاكر بن أحمد (ت 1377ھ/ 1958م): عالم بالحديث والتفسير، يرفع نسبه إلى الحسين بن علي ، مولده ووفاته في القاهرة. أعظم أعماله: شرح (مسند الإمام أحمد بن حنبل)، ومن كتبه: (نظام الطلاق في الإسلام) لم يتقيد فيه بمذهب، و(عمدة التفسير) في اختصار تفسير ابن كثير، وله تحقيقات مفيدة حلى بها هوامش (الرسالة) للإمام الشافعي. ولم يخلفه مثله في علم الحديث بمصر.
التوثيق

البخيلُ الغاضب

الحَمْدَوي

رأيْتُ أبَا زُرارةَ قالَ يَوْمًا
لحاجِبِهِ وفي يَدِه الحُسامُ:1
لَئِنْ حَضَرَ الخِوانُ ولاحَ شَخْصٌ
لَأَخْتَطِفَنَّ رَأْسَكَ.. والسَّلامُ!2
فقالَ: سِوىٰ أبِيكَ؛ فذاكَ شَيْخٌ
بَغِيضٌ ليسَ يَرْدَعُه الكلامُ
فقالَ ـ وقامَ مِنْ حَنَقٍ إلَيْهِ
بقَدٍّ لَمْ يَزِدْ فيه القِيامُ!! ـ:3
أبِي وأبُو أبِي والكَلْبُ عِنْدِي
بمَنْزِلةٍ إذا حَضَرَ الطَّعامُ!!
إذا حَضَرَ الطَّعامُ فلا حُقُوقٌ
علَيَّ لوالِدَيَّ ولا ذِمامُ!4
فمَا في الأرضِ أقْبَحُ مِنْ خِوانٍ
علَيْه الخُبْزُ يَحْضُرُه الزِّحامُ!

شرح الغريب (1-4)

  1. أبو زُرارة: كُنْية البخيلِ المهجوِّ. الحُسام: السيف القاطع.
  2. الخِوان: ما يُوضعُ عليه الطعامُ وأدواتُه (كطاولة السُّفْرة ونحوها).
  3. الحَنَق: شِدَّة الغيظ. القَدُّ: القامة.
  4. الذِّمام: الحقُّ والحُرْمة.
ترجمة الحمدوي:
إسماعيل بن إبراهيم، أبو علي الحمدوي (ت نحو 260ھ): شاعر متهكم ساخر عراقي، نسبته إلى جد له يدعى «ابن حمدويه» عرف في البصرة، يتردد بينها وبين بغداد. واشتهر بكثرة ما قاله في «طليسان ابن حرب»، وله هجاء في الجاحظ والمبرد.
التوثيق
اقتباس

حِلْيةُ العالِم

منَ الألقابِ الَّتي ابتُذِلَتْ وادَّعاها غيرُ أهلِها: لَقَبُ «العالِم»، وليسَ العالِمُ مَنْ كَوَّرَ عِمامتَه، ووَسَّعَ جُبَّتَه، وعَرَّضَ لِحْيَتَه، وأطالَ سُبْحَتَه! بلِ العالِمُ مَنْ قرأَ كثيرًا، وفَهِمَ ما قرأ، وعَقَلَ ما فَهِم، وعَمِلَ بما عَلِم.

الطنطاوي

علي الطنطـاوي
(ت 1420ھ)

بحرٌ في قبر

الحسين بن مُطَيْر

مِنْقصيدةٍ يرثي بها مَعْنَ بنَ زائدةَ الشَّيبانيَّ (ت 151ھ)؛ أحدَ أجوادِ العربِ المشهورين، الَّذينَ يُضرَبُ المثلُ بهم في الشَّجاعةِ والكَرَم. قالَ أبو هلالٍ العسكريُّ في (ديوانِ المعاني): «إنَّ هذه الأبياتَ أرثىٰ ما قيلَ في الجاهليةِ والإسلام».

أَلِمَّا بمَعْنٍ ثمَّ قُولَا لقَبْرِهِ:
سَقَتْكَ الغَوادِي مَرْبَعًا ثمَّ مَرْبَعَا1
فيا قَبْرَ مَعْنٍ كُنْتَ أوَّلَ حُفْرةٍ
منَ الأرضِ خُطَّتْ للسَّماحةِ مَضْجَعَا2
ويا قَبْرَ مَعْنٍ كيفَ وارَيْتَ جُودَهُ
وقَدْ كانَ منهُ البَرُّ والبَحْرُ مُتْرَعَا؟!3
بلىٰ، قدْ وَسِعْتَ الجُودَ والجُودُ مَيِّتٌ
ولَوْ كانَ حَيًّا ضِقْتَ حتَّىٰ تَصَدَّعَا4
ولمَّا مَضَىٰ مَعْنٌ مَضَى الجُودُ وانْقَضَىٰ
وأصْبَحَ عِرْنِينُ المَكارِمِ أجْدَعَا5
وما كانَ إلَّا الجُودَ صُورةُ خَلْقِهِ
فعاشَ زَمانًا ثمَّ وَلَّىٰ فوَدَّعَا
أبىٰ ذِكْرُ مَعْنٍ أنْ تَمُوتَ فِعالُهُ
وإنْ كانَ قَدْ لاقىٰ حِمامًا ومَصْرَعَا6
فتًى عِيْشَ في مَعْرُوفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ
كما كانَ بَعْدَ السَّيلِ مَجْراهُ مَرْتَعَا7
تَمَنَّىٰ أُناسٌ شَأْوَهُ مِنْ ضَلالِهمْ
فأضْحَوْا علَى الأذْقانِ صَرْعىٰ وظُلَّعَا!8

شرح الغريب (1-8)

  1. ألمَّ به: نزلَ به. الغوادي: ج الغادية؛ وهي مَطْرةُ الغَداة. المَرْبَعُ: منزلُ القوم في الربيع خاصّةً، ثمَّ صار يُطلق على المنزل عامَّةً.
  2. خُطَّتْ: حُفِرَتْ وشُقَّتْ. السماحة: الجود والكرَم.
  3. واراه: أخفاه. المُتْرَع: الممتلئ.
  4. تَصَدَّعَ: تَتَصدَّعَ (حُذفت تاء المضارعة تخفيفًا).
  5. العِرْنينُ: الأنْفُ. الأجْدَعُ: المقطوعُ. وجَدْعُ الأنْفِ: مَجازٌ في الذِّلَّة والمهانة.
  6. فِعاله: أعماله في الخير. الحِمام: الموت.
  7. المَرْتَع: الموضع تَرْتَعُ فيه الماشية؛ أي: ترعى فيه كيف شاءت، في خِصْبٍ وسَعَة.
  8. الشَّأْوُ: الغايةُ والأمَد. صَرْعى: مطروحينَ أرضًا. ظُلَّعًا (ج ظالِع): عُرْجًا.
ترجمة ابن مطير:
الحسين بن مطير بن مكمل الأسدي (ت 169ھ): شاعر متقدم في القصيد والرجز، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. له أماديح في رجالهما، وكان زيه وكلامه كزي أهل البادية وكلامهم. وفد على معن بن زائدة لما ولي اليمن، فمدحه، ولما مات معن رثاه.
التوثيق