سَعَةُ لسانِ العرب

الإمام الشافعي

قرآن كريم

القُرَانُ يَدُلُّ علىٰ أنْ ليسَ مِن كتابِ اللهِ شيءٌ إلَّا بلسانِ العرب، ولعلَّ مَنْ قالَ: «إنَّ في القُرَانِ غيرَ لسانِ العربِ» وقُبِلَ ذلك منه، ذهبَ إلىٰ أنَّ منَ القُرَانِ خاصًّا يَجهلُ بعضَه بعضُ العرب.

لسانُ العربِ أوسعُ الألسنةِ مَذْهبًا، وأكثرُها ألفاظًا، ولا نَعْلَمُه يحيطُ بجميعِ عِلْمِه إنسانٌ غيرُ نَبِيٍّ، ولكنَّه لا يذهبُ منه شيءٌ علىٰ عامَّتِها، حتَّىٰ لا يكونَ موجودًا فيها مَنْ يَعْرِفُه. والعِلْمُ به عندَ العربِ كالعِلْمِ بالسُّنَّةِ عندَ أهلِ الفِقْه؛ لا نعلمُ رجلًا جمعَ السُّنَنَ فلم يذهبْ منها عليه شيءٌ، فإذا جُمِعَ عِلْمُ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ بها أتىٰ على السُّنَن، وإذا فُرِّقَ عِلْمُ كلِّ واحدٍ منهم ذهبَ عليه الشَّيءُ منها، ثمَّ كانَ ما ذهبَ عليه منها موجودًا عندَ غيرِه.

هم في العِلْمِ طبقاتٌ: منهمُ الجامعُ لأكثرِه وإنْ ذهبَ عليه بعضُه، ومنهمُ الجامعُ لأقلَّ ممَّا جمعَ غيرُه. وليسَ قليلُ ما ذهبَ منَ السُّنَنِ علىٰ مَنْ جمعَ أكثرَها، دليلًا علىٰ أنْ يُطلَبَ عِلْمُه عندَ غيرِ طبقتِه مِن أهلِ العِلْم، بل يُطلَبُ عندَ نُظَرائِه ما ذهبَ عليه، حتَّىٰ يُؤتىٰ علىٰ جميعِ سُنَنِ رسولِ اللهِ ـ بأبي هو وأمِّي ـ فيتفرَّدُ جملةُ العلماءِ بجَمْعِها، وهم درجاتٌ فيما وَعَوْا منها.

هكذا لسانُ العربِ عندَ خاصَّتِها وعامَّتِها: لا يذهبُ منه شيءٌ عليها، ولا يُطلَبُ عندَ غيرِها، ولا يَعْلَمُه إلَّا مَنْ قَبِلَه عنها، ولا يَشْرَكُها فيه إلَّا مَنِ اتَّبَعَها في تَعَلُّمِه منها، ومَنْ قَبِلَه منها فهو مِن أهلِ لسانِها، وإنَّما صارَ غيرُهم مِن غيرِ أهلِه بتَرْكِه، فإذا صارَ إليه صارَ مِن أهلِه.

إنما بدأْتُ بما وصفْتُ مِن أنَّ القُرَانَ نزلَ بلسانِ العربِ دونَ غيرِه؛ لأنَّه لا يَعلَمُ مِن إيضاحِ جُمَلِ عِلْمِ الكتابِ أحدٌ جَهِلَ سَعَةَ لسانِ العرب، وكَثْرةَ وجوهِه، وجِماعَ مَعانِيه وتفرُّقَها. ومَنْ عَلِمَه انتفَتْ عنه الشُّبَهُ الَّتي دخلَتْ علىٰ مَنْ جَهِلَ لسانَها.

التوثيق
زيادة بيان:

البخيلُ الغاضب

الحَمْدَوي

رأيْتُ أبَا زُرارةَ قالَ يَوْمًا
لحاجِبِهِ وفي يَدِه الحُسامُ:1
لَئِنْ حَضَرَ الخِوانُ ولاحَ شَخْصٌ
لَأَخْتَطِفَنَّ رَأْسَكَ.. والسَّلامُ!2
فقالَ: سِوىٰ أبِيكَ؛ فذاكَ شَيْخٌ
بَغِيضٌ ليسَ يَرْدَعُه الكلامُ
فقالَ ـ وقامَ مِنْ حَنَقٍ إلَيْهِ
بقَدٍّ لَمْ يَزِدْ فيه القِيامُ!! ـ:3
أبِي وأبُو أبِي والكَلْبُ عِنْدِي
بمَنْزِلةٍ إذا حَضَرَ الطَّعامُ!!
إذا حَضَرَ الطَّعامُ فلا حُقُوقٌ
علَيَّ لوالِدَيَّ ولا ذِمامُ!4
فمَا في الأرضِ أقْبَحُ مِنْ خِوانٍ
علَيْه الخُبْزُ يَحْضُرُه الزِّحامُ!

شرح الغريب (1-4)

  1. أبو زُرارة: كُنْية البخيلِ المهجوِّ. الحُسام: السيف القاطع.
  2. الخِوان: ما يُوضعُ عليه الطعامُ وأدواتُه (كطاولة السُّفْرة ونحوها).
  3. الحَنَق: شِدَّة الغيظ. القَدُّ: القامة.
  4. الذِّمام: الحقُّ والحُرْمة.
ترجمة الحمدوي:
إسماعيل بن إبراهيم، أبو علي الحمدوي (ت نحو 260ھ): شاعر متهكم ساخر عراقي، نسبته إلى جد له يدعى «ابن حمدويه» عرف في البصرة، يتردد بينها وبين بغداد. واشتهر بكثرة ما قاله في «طليسان ابن حرب»، وله هجاء في الجاحظ والمبرد.
التوثيق
اقتباس

حِلْيةُ العالِم

منَ الألقابِ الَّتي ابتُذِلَتْ وادَّعاها غيرُ أهلِها: لَقَبُ «العالِم»، وليسَ العالِمُ مَنْ كَوَّرَ عِمامتَه، ووَسَّعَ جُبَّتَه، وعَرَّضَ لِحْيَتَه، وأطالَ سُبْحَتَه! بلِ العالِمُ مَنْ قرأَ كثيرًا، وفَهِمَ ما قرأ، وعَقَلَ ما فَهِم، وعَمِلَ بما عَلِم.

الطنطاوي

علي الطنطـاوي
(ت 1420ھ)

بحرٌ في قبر

الحسين بن مُطَيْر

مِنْقصيدةٍ يرثي بها مَعْنَ بنَ زائدةَ الشَّيبانيَّ (ت 151ھ)؛ أحدَ أجوادِ العربِ المشهورين، الَّذينَ يُضرَبُ المثلُ بهم في الشَّجاعةِ والكَرَم. قالَ أبو هلالٍ العسكريُّ في (ديوانِ المعاني): «إنَّ هذه الأبياتَ أرثىٰ ما قيلَ في الجاهليةِ والإسلام».

أَلِمَّا بمَعْنٍ ثمَّ قُولَا لقَبْرِهِ:
سَقَتْكَ الغَوادِي مَرْبَعًا ثمَّ مَرْبَعَا1
فيا قَبْرَ مَعْنٍ كُنْتَ أوَّلَ حُفْرةٍ
منَ الأرضِ خُطَّتْ للسَّماحةِ مَضْجَعَا2
ويا قَبْرَ مَعْنٍ كيفَ وارَيْتَ جُودَهُ
وقَدْ كانَ منهُ البَرُّ والبَحْرُ مُتْرَعَا؟!3
بلىٰ، قدْ وَسِعْتَ الجُودَ والجُودُ مَيِّتٌ
ولَوْ كانَ حَيًّا ضِقْتَ حتَّىٰ تَصَدَّعَا4
ولمَّا مَضَىٰ مَعْنٌ مَضَى الجُودُ وانْقَضَىٰ
وأصْبَحَ عِرْنِينُ المَكارِمِ أجْدَعَا5
وما كانَ إلَّا الجُودَ صُورةُ خَلْقِهِ
فعاشَ زَمانًا ثمَّ وَلَّىٰ فوَدَّعَا
أبىٰ ذِكْرُ مَعْنٍ أنْ تَمُوتَ فِعالُهُ
وإنْ كانَ قَدْ لاقىٰ حِمامًا ومَصْرَعَا6
فتًى عِيْشَ في مَعْرُوفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ
كما كانَ بَعْدَ السَّيلِ مَجْراهُ مَرْتَعَا7
تَمَنَّىٰ أُناسٌ شَأْوَهُ مِنْ ضَلالِهمْ
فأضْحَوْا علَى الأذْقانِ صَرْعىٰ وظُلَّعَا!8

شرح الغريب (1-8)

  1. ألمَّ به: نزلَ به. الغوادي: ج الغادية؛ وهي مَطْرةُ الغَداة. المَرْبَعُ: منزلُ القوم في الربيع خاصّةً، ثمَّ صار يُطلق على المنزل عامَّةً.
  2. خُطَّتْ: حُفِرَتْ وشُقَّتْ. السماحة: الجود والكرَم.
  3. واراه: أخفاه. المُتْرَع: الممتلئ.
  4. تَصَدَّعَ: تَتَصدَّعَ (حُذفت تاء المضارعة تخفيفًا).
  5. العِرْنينُ: الأنْفُ. الأجْدَعُ: المقطوعُ. وجَدْعُ الأنْفِ: مَجازٌ في الذِّلَّة والمهانة.
  6. فِعاله: أعماله في الخير. الحِمام: الموت.
  7. المَرْتَع: الموضع تَرْتَعُ فيه الماشية؛ أي: ترعى فيه كيف شاءت، في خِصْبٍ وسَعَة.
  8. الشَّأْوُ: الغايةُ والأمَد. صَرْعى: مطروحينَ أرضًا. ظُلَّعًا (ج ظالِع): عُرْجًا.
ترجمة ابن مطير:
الحسين بن مطير بن مكمل الأسدي (ت 169ھ): شاعر متقدم في القصيد والرجز، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. له أماديح في رجالهما، وكان زيه وكلامه كزي أهل البادية وكلامهم. وفد على معن بن زائدة لما ولي اليمن، فمدحه، ولما مات معن رثاه.
التوثيق
دراسة حالة

في (التتميم)

ابن أبي الإصبع

هوَ أنْ تأتيَ في الكلامِ كلمةٌ إذا طُرِحَتْ [منه] نَقَصَ معناه في ذاتِه أو في صفاتِه، ولفظُه تامٌّ. وإنْ كانَ في الموزونِ نَقَصَ وزنُه معَ نَقْصِ معناه؛ فيكونُ الإتيانُ بها لتتميمِ الوزنِ والمعنىٰ معًا، فإنْ تمَّمَتِ الوزنَ فقطْ فتلك منَ الحَشْوِ المَعِيب.

ولا يَخْلُو: إمَّا أنْ يَرِدَ علىٰ معنًى تامٍّ في ذاتِه أو في صفاتِه، أوْ لا؛ فإنْ كانَ الأوَّلَ فهو التَّكميل، وإنْ كانَ الثانيَ فهو التَّتميم.

 فمثالُ التَّتميمِ قولُه تعالىٰ: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ[النَّحل: 97]؛ فقولُه: ﴿مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ﴾ تتميمٌ، وقولُه تعالىٰ: ﴿وَهُوَ مُؤۡمِنٞ﴾ تتميمٌ ثانٍ، وبهذينِ التَّتميمينِ تمَّ معنى الكلامِ وجرىٰ على الصِّحَّة، وإلَّا فهو بدونِهما ناقص.

 ومنَ التَّكميلِ في هذا البابِ قولُه تعالىٰ: ﴿وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا ٨[الإنسان]؛ فإنَّ قولَه سُبْحانَه: ﴿عَلَىٰ حُبِّهِۦ﴾ تكميلٌ لحُسْنِ هذا المعنىٰ، إنْ كانَ الضميرُ في (حُبِّه) عائدًا على الطَّعام، وإنْ كانَ عائدًا على اللهِ سُبْحانَه فهو تتميمُ احتياط. واللهُ أعلمُ.

مثالٌ جامع

ومِن ذلك أيضًا قولُه تعالىٰ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ[البقرة: 266].

فجاءَ في هذه الآيةِ ثمانيةُ مواضعَ في كلِّ موضعٍ منها تتميم، وأتَتْ علىٰ جميعِ أقسامِ التَّتميمِ الثلاثة: مِن تتميمِ النَّقْص، وتتميمِ الاحتياط، وتتميمِ المبالغة.

 فأوَّلُها في قولِه تعالىٰ في تفسيرِ الجنَّة: ﴿مِن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ﴾؛ لاحتمالِ أن تكونَ جنَّةً ذاتَ أَثْلٍ وخَمْطٍ؛ فإنَّ لفْظَ الجنَّةِ يَصْدُقُ علىٰ كلِّ شجرٍ مُجتمِعٍ يَستُرُ بظلِّ غصونِه الأرضَ كائنًا ما كان، ومنَ الشَّجرِ ما له نفعٌ عظيمٌ عميمٌ كالنَّخيلِ والأعناب، وما له نفعٌ قليلٌ كالأَثْلِ والخَمْط، ومع هذا فلوِ احترقَتْ لإنسانٍ جنَّةٌ مِن أَثْلٍ وخَمْطٍ لاشتدَّ أسفُه عليها، فكيفَ إذا كانتْ مِن نخيلٍ وأعناب؟!

 ثمَّ عَلِمَ سُبْحانَه أنَّ الجنَّةَ ـ وإنْ كانتْ مِن نخيلٍ وأعنابٍ ـ ما لم تَجْرِ الأنهارُ مِن تحتِها، لم يُثمِرْ شجرُها، ولم يُنتفَعْ بسَكَنِها، ولم تكنْ لها حياةٌ البَتَّة، فتمَّمَ هذا النَّقْصَ بقولِه تعالىٰ: ﴿تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾.

 ثمَّ عَلِمَ أنَّ الجنَّةَ لو جَمعَتْ إلى النَّخيلِ والأعنابِ كلَّ الثَّمراتِ، كانَ وصفُها أتمَّ، ونفعُها أعظمَ، والأسفُ علىٰ فسادِها أشدَّ، فقالَ متمِّمًا هذا النَّقْصَ تتميمَ مبالغة: ﴿لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾.

 ولمَّا فرغَ سُبْحانَه مِن أوصافِ الجنَّةِ أخذَ في وصْفِ صاحبِها؛ فوصَفَه بالكِبَر؛ لأنَّه لو كانَ شابًّا لرَجا أنْ يُخْلِفَها بعدَ إحراقِها؛ لِمَا يَجِدُ في نفْسِه منَ القوَّة، ويأمُلُ مِن طولِ المُدَّة، فقالَ مُحتاطًا: ﴿وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ﴾.

 ثمَّ عَلِمَ سُبْحانَه أنَّه إذا كانَ عقيمًا معَ الكِبَرِ سَلَّاه عنها قُرْبُ المُدَّة، وعدمُ مَنْ يهتمُّ بضِياعِه بعدُ؛ فلا يشتدُّ أسفُه عليها، فقالَ مُحتاطًا أيضًا: ﴿وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ﴾.

 ثمَّ عَلِمَ أنَّه إذا لم يَصِفِ الذُّرِّيَّةَ بالضَّعفِ، احتملَ الإطلاقُ أنْ يكونُوا أقوياءَ؛ فيُترجَّىٰ إخْلافُهم لها، فيُخفِّضُ ذلك مِن أسفِه، فقالَ مُحتاطًا: ﴿ضُعَفَآءُ﴾.

ثمَّ لمَّا فرغَ مِن وصْفِ الجنَّةِ أخذَ في وصْفِ الحادثِ المُهلِكِ لها؛ بقوله : ﴿فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ﴾.

 وعَلِمَ أنَّ الإعصارَ لا يُعجِّلُ فسادَ هذه الجنَّة، ولا يَحصُلُ هلاكُها به إلَّا بعدَ استمرارِه عليها في مُدَّةٍ طويلة، وهو يريدُ الإخبارَ بتعجيلِ هلاكِها؛ فقال: ﴿فِيهِ نَارٞ﴾.

واقتصرَ سُبْحانَه منَ الرِّياحِ على الإعصار؛ لكونِه عبارةً عنْ تقابُلِ الرِّياحِ المثيرةِ للعَجاجِ الكثيف، الَّذي دوامُه يُعْمي عيونَ الماء، ويَطُمُّ الآبارَ والأنهار، ويُحرِقُ بسَمُومِه ووَهَجِه الأشجار، وإذا اتَّفقَ معَ ذلك أنْ تكونَ فيه نارٌ أدارَها على المكانِ الَّذي يكونُ فيه، بحيثُ لا ينصرفُ عنه؛ لأنَّه لا يَقصِدُ وِجْهةً مقابِلةً؛ فينصرفَ ما يكونُ فيه إليها.

 ثمَّ عَلِمَ سُبْحانَه أنَّ النَّارَ يُحتمَلُ أنْ تكونَ ضعيفةً فتَطْفَأَ؛ لضعفِها عنْ مقاومةِ ما في الجنَّةِ منَ الأنهار، فاحتاطَ مِن ذلك بقوله تعالىٰ: ﴿فَٱحۡتَرَقَتۡ﴾؛ فنفىٰ هذا الاحتمال، وأوجزَ في تتميمِ المراد.

بلاغةٌ وإعجاز

فانظُرْ ما تضمَّنَتْ هذه الآيةُ الكريمةُ مِن تقاسيمِ هذا النَّوع، إلىٰ ما فيها منِ ائتلافِ اللَّفظِ بالمعنىٰ، والتَّهذيب، وحُسْنِ النَّسَق، والتَّمثيل، وحُسْنِ البيان، والمساواة؛ لِتعلَمَ أنَّ هذا الكتابَ الكريمَ بأمثالِ هذه الآيةِ عَجَّزَ الفُصَحاء، وبَلَّدَ الأذكياء، وأعْيَا على البُلَغاء.

التوثيق

لقاءُ أسدين

بديع الزمان الهمذاني

قالَعلىٰ لسانِ بِشْرِ بنِ عَوانةَ العَبْدِيِّ ـ وهو اسمُ شاعرٍ اخترعَه البديعُ ـ وقد عَرَضَ له أسَدٌ في طريقِه، فاخْتَرَطَ سيفَه ودَلَفَ به إليه، وهي منَ النَّمَطِ العالي الَّذي لمْ يُنسَجْ علىٰ مِنْوالِه:

تَبَهْنَسَ [إذْ تَقاعَسَ] عنهُ مُهْرِي
مُحاذَرةً، فقلْتُ: عُقِرْتَ مُهْرَا!1
أَنِلْ قَدَمَيَّ ظَهْرَ الأرضِ إنِّي
رأيْتُ الأرضَ أثْبَتَ منكَ ظَهْرَا
وقلْتُ لهُ وقدْ أبْدَىٰ نِصالًا
مُحَدَّدةً ووَجْهًا مُكْفَهِرَّا2
يُكَفْكِفُ غِيلةً إحْدَىٰ يَدَيْهِ
ويَبْسُطُ للوُثُوبِ عليَّ أُخْرَىٰ3
يُدِلُّ بمِخْلَبٍ وبحَدِّ نابٍ
وباللَّحَظاتِ تَحْسَبُهنَّ جَمْرَا4
وفي يُمْنايَ ماضِي الحَدِّ أبْقَىٰ
بمَضْرِبِهِ قِراعُ المَوْتِ أُثْرَا:5
نَصَحْتُكَ فالْتَمِسْ يا لَيْثُ غَيْرِي
طَعامًا، إنَّ لَحْمِي كانَ مُرَّا!
وقَلْبِي مِثْلُ قَلْبِكَ ليسَ يَخْشىٰ
مُصاوَلةً، وليسَ يَخافُ ذَعْرَا6
ففِيمَ تَسُومُ مِثْلِي أنْ يُوَلِّي
ويَجْعَلَ في يَدَيْكَ النَّفْسَ قَسْرَا؟!7
فلَمَّا ظَنَّ أنَّ الغِشَّ نُصْحِي
وخالَفَنِي كأنِّي قُلْتُ هُجْرَا8
مَشَىٰ ومَشَيْتُ.. مِنْ أسَدَيْنِ! رامَا
مَرامًا كانَ إذْ طَلَبَاهُ وَعْرَا9
هَزَزْتُ لهُ الحُسامَ فخِلْتُ أنِّي
[شَقَقْتُ] بهِ لَدَى الظَّلْماءِ فَجْرَا10
وجُدْتُ لهُ بجائِشةٍ أرَتْهُ
بأنْ كَذَبَتْهُ ما مَنَّتْهُ غَدْرَا11
وأطْلَقْتُ المُهَنَّدَ مِنْ يَمِينِي
فقَدَّ لهُ مِنَ الأضْلاعِ عَشْرَا12
[بضَرْبةِ فَيْصَلٍ تَرَكَتْهُ شَفْعًا
وكانَ كأنَّهُ الجُلْمُودُ وَتْرَا]13
فخَرَّ [مُضَرَّجًا] بدمٍ كأنِّي
هَدَمْتُ بهِ بِناءً مُشْمَخِرَّا14
وقلْتُ لهُ: يَعِزُّ عليَّ أنِّي
قَتَلْتُ مُناسِبِي جَلَدًا و[قَهْرَا]15
ولكِنْ رُمْتَ شَيْئًا لَمْ يَرُمْهُ
سِواكَ، فلَمْ أُطِقْ يا لَيْثُ صَبْرَا
تُحاوِلُ أنْ تُعَلِّمَني فِرارًا؟!
لَعَمْرُ أبِيكَ قَدْ حاوَلْتَ نُكْرَا!16
فلا [تَبْعَدْ] فقَدْ لاقَيْتَ حُرًّا
يُحاذِرُ أنْ يُعابَ، فمِتَّ حُرَّا17

شرح الغريب (1-17)

  1. تبهنسَ: تبخترَ (يعني الأسدَ). تقاعسَ: تراجعَ. المُهْر: ولدُ الفرَس. عُقِرْتَ: قُطِعَتْ قوائمُك (دعاءٌ عليه).
  2. شبَّهَ أنيابه بنِصالِ السِّهام الحادَّة. مُكْفَهِرًّا: عابسًا.
  3. يُكفكِفُ: يَقْبِضُ. غِيلةً: خَدِيعةً، أو: للاغتيالِ.
  4. يُدِلُّ: يَجْتَرئُ، أو: يَنْقَضُّ على فريستِه مِن عَلُ؛ كالبازي. اللَّحَظات: النَّظَرات.
  5. المَضْرِب: حدُّ السَّيف. القِراع: المضاربة بالسُّيوف. الأُثْر: أثَرُ الجُرح بعد البُرْء، استعارَه هنا لثُلُوم السَّيف.
  6. المُصاولة: المُواثبة والمُغالبة. الذَّعْر: الإخافة.
  7. سامَه الأمرَ: كلَّفَه إيَّاه، وألزمَه به. وَلَّى: فرَّ هاربًا. القَسْر: القَهْر والإكراه.
  8. الهُجْر: الهَذَيان، والقول القبيح.
  9. مِن أسدينِ: تعجُّبيَّة؛ أي: اعجَبُوا من أسدين. المَرامُ الوَعْرُ: المَطلَبُ الصَّعبُ المنالِ.
  10. الحُسام: السَّيف القاطع. شقَّ الفجرَ: أطْلَعَه.
  11. بجائشة: بضربة هائجة. مَنَّتْه الأمرَ: جعلَتْه يتمنَّاه. يقول: كذبَتْ عليه تلك الضربةُ وغدرَتْ به، حين منَّتْه خيبتَها وعدمَ إصابتِها؛ لاضطرابها بهَيَجان ضاربِها.
  12. المهنَّد: السَّيف المصنوع في الهند. قدَّ: قطعَ.
  13. الفيصل: الماضي القاطع. شَفْعًا: أي اثنين. الجُلْمود: الصَّخْر. وَتْرًا: واحدًا.
  14. خرَّ: سقطَ. مضرَّجًا: ملطَّخًا. المُشْمَخِرُّ: العالي المرتفع.
  15. يَعِزُّ عليَّ: يَصعُبُ. المُناسِب: المُشابِه والمُشاكِل. الجَلَد: الشِّدَّة والقوَّة. القَهْر: الغَلَبة.
  16. لَعَمْرُ أبيكَ: أسلوب قَسَم؛ تقديره: لَعَمْرُ أبيكَ قَسَمي، والعَمْرُ والعُمْرُ واحدٌ. النُّكْر: الأمر المُنكَر.
  17. لا تَبْعَدْ: لا تَهْلِكْ! وهو دعاءٌ خرجَ بلفظ النَّهي، تدعو العربُ به لمن هلك؛ فشَقَّ هلاكُه على من يَفقِدُه.
ترجمة بديع الزمان:
أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى الهمذاني (ت 398ھ): أحد أئمة الكتاب، صاحب (المقامات) المشهورة، التي أخذ الحريري أسلوب مقاماته عنها. ولد في همذان، وانتقل إلى هراة فسكنها، ثم ورد نيسابور ولم تكن قد ذاعت شهرته، فلقي أبا بكر الخوارزمي، فشجر بينهما ما دعاهما إلى المساجلة، فطار ذكر الهمذاني في الآفاق.كان قوي الحافظة، يضرب المثل بحفظه.
التوثيق