دراسة حالة

في (التمثيل)

ضياء الدين بن الأثير

هوَ التَّشبيهُ علىٰ سبيلِ الكِناية؛ وذلك أنْ تُرادَ الإشارةُ إلىٰ معنًى، [فتوضعَ] ألفاظٌ تَدُلُّ علىٰ معنًى آخَر، وتكونَ تلك الألفاظُ وذلك المعنىٰ مثالًا للمعنى الَّذي قُصِدَتِ الإشارةُ إليه والعبارةُ عنه؛ كقولِنا: «فلانٌ نقيُّ الثَّوبِ»؛ أي: منزَّهٌ عنِ العيوب.

وللكلامِ بها فائدةٌ لا تكونُ لو قَصَدْتَ المعنىٰ بلفظِه الخاصِّ؛ وذلك لِما يَحصُلُ للسَّامعِ مِن زيادةِ التَّصوُّرِ للمدلولِ عليه؛ لأنَّه إذا صَوَّرَ [في] نفسِه مثالَ ما خُوطِبَ به، كانَ أسرعَ إلى الرَّغبةِ فيه أوِ الرَّغبةِ عنه.

تحليلُ آيةِ الغِيبة

فمِن بديعِ التَّمثيلِ قولُه تعالىٰ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ [الحجرات: 12]؛ [فإنَّه كنىٰ عنِ الغِيبةِ بأكلِ الإنسانِ لحمَ إنسانٍ آخرَ مِثْلِه]، ثمَّ لم يَقتصِرْ علىٰ ذلك حتَّىٰ جعلَه لحمَ الأخ، ولم يَقتصِرْ علىٰ لحمِ الأخِ حتَّىٰ جعلَه ميِّتًا، ثمَّ جعلَ ما هو في الغايةِ منَ الكراهةِ موصولًا بالمحبَّة! وهذه أربعُ دلالاتٍ واقعةٌ علىٰ ما قُصِدَتْ له، مطابقةٌ المعنى الَّذي وَرَدَتْ لأجْلِه.

 فأمَّا تمثيلُه الاغتيابَ بأكلِ لحمِ إنسانٍ آخرَ مِثْلِه: [﴿أَن يَأۡكُلَ﴾]، فشديدُ المناسبةِ جدًّا؛ وذلك لأنَّ الاغتيابَ إنَّما هو ذِكْرُ مَثالِبِ النَّاسِ وتمزيقُ أعراضِهم، وتمزيقُ العِرْضِ مماثِلٌ لأكلِ الإنسانِ لحمَ مَنْ يغتابُه؛ لأنَّ أكْلَ اللَّحمِ فيه تمزيقٌ لا مَحالة.

 وأمَّا قولُه: ﴿لَحۡمَ أَخِيهِ﴾ فلِما في الاغتيابِ منَ الكراهة؛ لأنَّ العقلَ والشَّرعَ معًا قد أجْمَعا على اسْتِكراهِه، وأمَرا بتركِه والبعدِ عنه. ولمَّا كانَ كذلك جُعِلَ بمنزلةِ لحمِ الأخِ في كراهتِه، ومنَ المعلومِ أنَّ لحمَ الإنسانِ مُسْتَكْرَهٌ عندَ إنسانٍ آخرَ مِثْلِه، إلَّا أنَّه لا يكونُ مِثْلَ كراهتِه لحمَ أخيه؛ فهذا القولُ مبالغةٌ في استكراهِ الغِيبة، لا أمَدَ فوقَها.

 وأمَّا قولُه: ﴿مَيۡتٗا﴾ فلأجْلِ أنَّ المغتابَ لا يَشعُرُ بغِيبتِه ولا يُحِسُّ.

 وأمَّا جَعْلُه ما هو في الغايةِ منَ الكراهةِ موصولًا بالمحبَّةِ [في قولِه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ﴾]، فلِما جُبِلَتْ عليه النُّفوسُ منَ الميلِ إلى الغِيبةِ والشَّهوةِ لها، مع العلمِ بأنَّها مِن أذمِّ الخِلال، ومكروهِ الأفعال، عندَ اللهَِ تعالىٰ والنَّاس.

الخلاصة

فانْظُرْ أيُّها المتأمِّلُ لهذا التَّمثيلِ كيفَ مطابقتُه لِما مُثِّلَ به، تَجِدْه مِن أبلغِ التَّمثيلاتِ وأندرِها مثالًا؛ لأنَّك متىٰ نظرْتَ إلىٰ كلِّ واحدةٍ مِن تلك الدَّلالاتِ الأربعِ الَّتي أورَدْناها، رأيْتَها مناسِبةً لِما قُصِدَتْ له: فتمزيقُ العِرْضِ مِثْلُ أكْلِ الإنسانِ لحمَ مَنْ يغتابُه؛ لأنَّ ذلك تمزيقٌ على الحقيقة، وجُعِلَ بمنزلةِ (لحمِ الأخِ) لأجلِ المبالغةِ في الكراهة، و(الميِّتِ) لامتناعِ الإحساسِ به، واتصالُ ما هو مُسْتَكْرَهٌ بالمحبَّةِ؛ لِما في طبعِ الأنفسِ منَ الشَّهوةِ للغِيبةِ والميلِ إليها. فاعْرِفْ ذلك.

التوثيق
دراسة حالة

(الطبيعة) وما إليها

مجلة المنار

من القضايا المسلَّمة أنه لا مشاحّة في الاصطلاح، ولا مَنْدُوحة عن مراعاة ما يتواطؤ عليه الجمهور، ومجاراة الناس على ما يصطلحون عليه في كل زمان ومكان. وقد انطلقت ألسنة أهل هذا العصر وجرت أقلامهم بألفاظ؛ يريدون بها من المعاني غير ما تدلّ عليه في أصل اللغة أو في عرف العصور السالفة، ولهم ألفاظ أخرى جاءتهم من الفنون الحادثة والاكتشافات الجديدة، والكثير منها مما لم تستعمله العرب… [فمن ذلك]: لفظ الطبيعة، والطبيعي، والنواميس الطبيعية، وقوى الطبيعة.

أما لفظ (الطبيعة) فقد كان فيما مضى مما لا يكاد يستعمله إلا الأطباء والصوفية والفلاسفة، وأكثر من كان يستعمله الأطباء، ويطلق لفظ الطبيعة عندهم على عدة معان: على الهيئة التركيبية، وعلى المزاج الخاص بالبدن، وعلى القوة المدبِّرة، وعلى حركة النفس، وربما أُطلقت الطبيعة على النفس الناطقة باعتبار تدبيرها للبدن. وكان يطلق لقب الطبيعي على فرقة تعبد الطبائع الأربع، وعلى من ينسب كل شيء للطبيعة، كما يطلق على صاحب العلم الطبيعي.

وأما لفظ (الطبيعة) اليوم فهو كثير الدوران على ألسنة جميع الكتاب في الفنون العلمية والأدبية، حتى الشعراء والمترسِّلين، ويُجرونه على معناه اللغوي؛ وهو المخلوقات، أو الحالة التي هي عليها. وبيان ذلك: أن (الطبيعة) في اللغة بمعنى الخِلْقة والخليقة والفطرة؛ فخلقَ اللهُ الأشياءَ وفطرَها وطبعَها بمعنًى واحد، وإذا قلنا: إن هذا الشيء تقتضيه طبيعة الاجتماع الإنساني، فهو كما إذا قلنا: تقتضيه فطرة الله التي فطر الناس عليها، بلا فرق. وحاصل القول: أن لفظ (الطبيعة) حيث أُطلق فالمراد به الحالة التي طبعَ اللهُ الموجوداتِ عليها؛ أي: خلَقَهم، وتطلق على الموجودات أنفسها؛ فيقال: تأمّلْ محاسنَ الطبيعة؛ أي: المخلوقات.

وأما (الطبيعي) فهو المنسوب للطبيعة؛ كالخِلْقي نسبة للخِلْقة، ويستعمل في مقابلة (الصناعي)؛ فيراد به ما لا صُنع للبشر فيه؛ أي: في هيئته التركيبية؛ كالأشجار والبحار، ويطلق على العالِم بالفنون الطبيعية وإن كان متدينًا، ولا يطلق على الملحد من حيث إنه ملحد، وإن نسب الأشياء للطبيعة، واعتقد أنها موجدة لها ومؤثِّرة فيها من دون الله تعالى، بل يطلقون على من هذا شأنه لفظ: (الكافر) و(الدَّهْري) و(المادّي)؛ لأنه ينكر ما وراء المادة، فلا يعتقد بالإله ولا بالعالَم الآخر… وأكثر عامة بلادنا لايفهمون من لفظ الطبيعي إذا أطلق على إنسان إلا هذا المعنى الأخير.

ويدور هذا اللفظ على الألسنة كثيرًا في المحاورات المتعلقة بسائر الشؤون، ويراد به مجرّد التأكيد والتحقيق، أو أن هذا الشيء ظاهر بالبداهة؛ تراهم عند سماع شيء من المسلَّمات يقولون: «هذا طبيعي»؛ يعنون أنه بديهي أو محقَّق لا نزاع فيه، وأما العلماء والكتّاب فيعنون بقولهم: «هذا شيء طبيعي»: أن له سببًا طبيعيًّا يعلَّل به.

وأما (النواميس الطبيعية) فالمراد من الناموس: الطريقة الثابتة المطَّردة التي يحكم الله تعالى بها على الكون، وهو محرَّف عن لفظ (نومُس) اليوناني؛ ومعناه: الشريعة، وكثيرًا ما يدور على ألسنة الطبيعيين: «شريعة الطبيعة» و«الشرائع الطبيعية»، ويستعمله كتاب العربية في المقالات الأدبية والسياسية؛ مجاراة لهم وعملًا باصطلاحهم، وكان الأولى أن يترجَم لفظ (نومُس) بالسُّنَّة؛ فيقال: سُنَّة الطبيعة، والسُّنَن الطبيعية… وقد نعتاض عنه أحيانًا بقولنا: سُنَّة الكون، والسُّنَن الإلهية، وسُنَّة الله في خلقه.

وأما (القوى الطبيعية) فهي عبارة عما تُسند إليه الآثار الطارئة على الأجسام من حركة أو سكون؛ ومنها ما هو حقيقيٌّ كالقوة البخارية والكهربائية، وما هو فَرْضيٌّ كالجاذبية؛ فإن تعليل سقوط نحوِ الحجر من الهواء على الأرض بأنه سقط بقوة الجاذبية التي في مركز الأرض، يوهم أن هناك شيئًا موجودًا له هذا الفعل، وأنهم اطَّلعوا عليه وسمَّوه بهذا الاسم، وليس كذلك، بل إن هذه القوة مفروضة، والتسمية اصطلاحية، ولما كان الفعل الذي نُسب إليها يصدر عنها باطّراد، صحَّ إطلاق لفظ (الناموس) عليها؛ فقالوا: «ناموس جاذبية الثقل». ومثل هذا كثير.

التوثيق
زيادة بيان:
دراسة حالة

في القصد والاحتذاء

قالت العرب

قَصَدَ قَصْدَه، وعَمَدَ عَمْدَه، ونَهَدَ نَهْدَه، وحَرَدَ حَرْدَه، وصَمَدَ صَمْدَه، ووَكَدَ وَكْدَه، وسَمَتَ سَمْتَه، ونَحَا نَحْوَه، وسَدَا سَدْوَه، وقَدَا قَدْوَه، وأَتَا أَتْوَه، وقَرَا قَرْوَه، وحَذَا حَذْوَه، وتَلَا تِلْوَه، وأَبَّ أَبَّه، وأَمَّ أَمَّه، وسَمَّ سَمَّه، وحَمَّ حَمَّه، ووَحَمَ وَحْمَه، وشَأَنَ شَأْنَه، وشَطَرَ شَطْرَه، وأَخَذَ إخْذَه، ووَخَى وَخْيَه.
وقَصَدَه وقَصَدَ إليه، وصَمَدَ نَحْوَه وصَمَدَ له وإليه، وعَمَدَه وعَمَدَ إليه، وعَشَاه وعَشَا إليه، واعْتَمَدَه وتَعَمَّدَه، وسَمَتَه وتَسَمَّتَه، وحَجَّه واعْتَمَرَه، وغَبَأَ له وصَتَأَه، وقَدَاه يَقْدُوه، وقَرَاه يَقْرُوه، واقْتَرَاه واسْتَقْرَاه، وتَأَيَّاه وتَحَرَّاه، وعَرَاه واعْتَرَاه، ونَوَاه وانْتَوَاه، ووَخَاه وتَوَخَّاه وتَأَخَّاه، وأَمَّه وأَمَّمَه، وائْتَمَّه وتَأَمَّمَه، ويَمَّمَه وتَيَمَّمَه.
وقَفَاه واقْتَفَاه، وقَافَه واقْتَافَه وتَقَفَّاه، وحَدَاه واحْتَدَاه وتَحَدَّاه، وحَذَاه واحْتَذَاه وتَحَذَّاه، وثَنَاه وتَسَدَّاه، وتَلَاه وأَتْلَاه، ولَحِقَه وأَلْحَقَه، ورَدِفَه وأَرْدَفَه، وتَبِعَه وأَتْبَعَه، واتَّبَعَه وتَتَبَّعَه وتابَعَه، وشَيَّعَه وشاعَه وشايَعَه، وقَصَّه واقْتَصَّه، وقَفَرَه واقْتَفَرَه، وعَقَبَه ودَبَرَه، وذَنَبَه واسْتَذْنَبَه، واعْتَسَّه وكَثَبَه، وكَسَعَه وكَسَأَه، وثَفَنَه وكَفَأَه، وأَثَقَه وأَثَفَه، وثَفَاه ووَثَفَه، ووَطَفَه ووَظَفَه، ووَلِيَه وزَمَلَه، وسَتَهَه وقَذَلَه.
وممَّا يقاربُ هذا البابَ: رَهِقَ فلانٌ فلانًا: إذا تَبِعَه فقَرُبَ أنْ يَلْحَقَه. ودَأْدَأَ في أثَرِه: إذا تَبِعَه مُقْتَفِيًا له. واسْتَلْحَمَ الطَّرِيقَ: إذا تَبِعَه، أو تَبِعَ أوسَعَه. وتَعَسَّنَ الشَّيْءَ: إذا طَلَبَ أثَرَه. وتَأَثَّفَ فلانٌ عَدُوَّه: إذا تَبِعَه وألَحَّ عليه يُغْرِي به. ودَقَسَ خَلْفَ العَدُوِّ: إذا تَبِعَه فحَمَلَ عليه. وضَفَنَ معَ الضَّيْفِ: إذا تَبِعَه فدَخَلَ معَه.

هذه المادة الجامعة جزء من مشروع (مكنز الأوابد)، ومصادرها كثيرة متنوعة، نجتزئ هنا بذكر أربعة منها خشية الإطالة. هذا؛ والمادة في قيد التطوير المستمر.
التوثيق
دراسة حالة

ضربَ زيدٌ عَمْرًا

مجلة الزهور

مسكينٌ زيدٌ وعمرو؛ فإنهما ما زالا منذ سيبويه يتضاربان ويترافسان إكرامًا لساداتنا النحاة؛ فتارة يكون زيد ضاربًا، وطورًا يكون مضروبًا.

لي صديق من العلماء المستشرقين، أنفق السنين الطوال في درس اللغة العربية، والاطلاع على شواردها وضوابطها. دخلتُ عليه ذات يوم، فرأيت وجهه يَطْفَح بِشْرًا وهو يقول: الحمد لله! الحمد لله! فقلت: ما الخبر؟ فقال: لقد أخذ عمرو بثأره! فقلت: وكيف ذلك؟

فأجاب: لقد أنفقتُ عشرين عامًا وأنا أدرُس كتب النحاة، وأطالع مؤلفات الأئمة، فلم أجد مثالًا للفاعل والمفعول إلا قولهم: (ضربَ زيدٌ عمرًا)، وقد عثرتُ الآن على مثل جديد؛ وهو قولهم: (ضربَ عمرٌو زيدًا). فالحمد لله لأن عمرًا أخذ بثأره من زيد؛ فضربه ولو مرة واحدة في الحياة!

في كلام هذا العالم حكمة سامية؛ فإن الشرقيين يتقاتلون ويتضاربون كتضارب زيد وعمرو في كتب النحاة، وما ذلك المثال إلا دليل على الطباع والأخلاق.

يبدأ الأوربي آجرُّوميته بتصريف فعل (أحبَّ)، ويبدأ الشرقي آجرُّوميته بتصريف فعل (ضربَ) أو (قتلَ)؛ ذلك يتمرن على الحُبّ، وهذا يتمرن على الضرب والقتل! فيحقّ للأوربي ـ والحالة هذه ـ إذا أراد أن يتعلم الصرف العربي أن يتقلد سيفه وترسه؛ اتقاءً لشرّ المضاربات بين زيد وعمرو.

رحم الله سيبويه! ما ضرّه لو أنه أبدل فعل (ضربَ) بفعل (أحبَّ)، أو غيرِه من الأفعال التي لا تضطرُّ القارئَ أن يحمل دروعه وأسلحته؟! ألم يكن في قاموس اللغة غير ذلك المثل المشؤوم؟!

في كتب النحو أمثلة أخرى تدلّ على طباعنا؛ من ذلك قولهم: (ماتَ زيدٌ)، وهو ـ  وَايْمُ اللهِ ـ لا يزال حيًّا يُرزق؛ يضرب عمرًا من جديد! وقد ازرقَّ عنق عمرو وعُقِرَ ظهره من شدة الضربات والرفسات… فوا رحمتاه على عمرو! إنه لن يَخْلُص من ضربات زيد ولو مات زيد عشرين مرة في كتب النحاة؛ إذ لا تكاد تسمع نَعِيَّه حتى يعود إلى الحياة، ويستأنف ضرْب عمرو؛ فهو كالسِّنَّور له سبعة أرواح.

ومن أمثلة النحاة أيضًا ـ أو بالحريِّ علماء الصرف ـ قولهم: (أحولُ) و(أعورُ) و(أعرجُ) و(أقطعُ)، إلى غير ذلك من الأمثلة التي لم تكن تبرح من فكر سيبويه. ولو جمعنا جميع أصحاب العاهات الذين أحيا النحاة ذكرهم، لضاقت بهم الأرض والسماء، ولعلهم أصيبوا بعاهاتهم من جرّاء ضربِ زيد لعمرو وغيره!

ومن البلية أيضًا قول ساداتنا النحاة: إن أمثال الأحول والأعور والأعرج (لا ينصرفون)؛ فسيظلون يلازموننا إلى أن يقوم رجل أشدّ بطشًا من زيد، فيبطش بهم كما بطش هذا بعمرو، ويريح تلاميذ المدارس منهم.

سامحك الله يا سيبويه!

التوثيق
زيادة بيان:
دراسة حالة

البُعْبُع والوَعْوَع

مجلة لغة العرب

إذا هبطتَ ديار الشام، وبالخصوص إذا نزلتَ لبنان، وتجوّلتَ في ربوعه وزرتَ بيوت أهاليه، ثم تنصَّتَّ لما تقوله الأمهات لأولادهن عند إسكاتهن لهم أو تخويفهن إياهم، تسمعهن يقلن: بُعْبُع، بُعْبُع! اسكتْ.. جاء البُعْبُع (بضم الباء وإسكان العين)، فإذا سمع الوليد هذا الصوت خاف وسكت. وإذا سألتَ الأم: ما معنى البعبع؟ وما تريدين بهذا اللفظ؟ تلجلجتْ وما استطاعت أن تفيدك شيئًا يُروي غليلك.

على أني سألتُ كثيرين من الأدباء أن يُطلعوني على معنى هذا الحرف؛ فقال قوم منهم: هذه كلمة تخويف ليس إلا. وقال فريق: يراد بذلك حيوان مجهول الأوصاف، إلا أنه من الوحوش الضارية. وقالت جماعة: البعبع كلمة لا يراد بها سوى إسماع الطفل لفظًا غريبًا على الآذان؛ ليخاف ويسكت.

ثم إني ما زلت أبحث عن هذه اللفظة لأعرف أصلها ومأتاها، فلم أقفْ على ما فيها من غامض السر إلا في هذه الأيام، وهذا أيضاً من باب التخرّص لا من باب التأكيد. أما الواسطة التي اتخذتها للبلوغ إلى غايتي فكانت مقابلة ألفاظ أهل البلاد بعضها ببعض، وبما ينطقون في مثل هذه الأحوال…

قبل أربعين سنة كنت أسمع الوالدات [في العراق] يقلن لأولادهن: بَعْبَع، بَعْبَع (بفتح الباء وإسكان العين)، جاء البَعْبَع! ومنهن [مَن] كن يقلن: وَعْوَع، وَعْوَع، جاء الوَعْوَع! أو: وَعْواع، وَعْواع، جاءك الوَعْواع! هوين الواوي، جا الواوي (أي: هو ذا ابن آوى، جاء ابن آوى)!

فمن هذا ترى أن البعبع الشامي أو اللبناني ـ ويقال بضم الباء وإسكان العين ـ ما هو إلا وعوع العراق أو وعواعه لا غير، ويقال بفتح الواو وإسكان العين، أما قلبُ الواو باءً فكانت لغة بعضهم، شابهوا بها النَّبَط. وقد أثبتنا ذلك من تتبّع ألفاظهم؛ كقولهم: باشق وواشق، وجارية بَكْباكة ووَكْواكة؛ أي: سمينة… والشواهد على ذلك كثيرة. وأما ضم المفتوح عند أهل الشام ولبنان فهذا غالب في أهل القرى، وربما ضموا المكسور أيضًا؛ فيقولون مثلًا: (المُشْمُش) بضم الميمين، وهما مكسوران على الحقيقة…

ومن ثَم فقد ثبت لديك أن البعبع والوعوع شيء واحد، وكذلك الوعواع. فلننظر الآن ما معنى الوعوع؛ قال أصحاب اللغة على الاتفاق: الوَعْوَع: ابن آوى، والثعلب. وقالوا في الوَعْواع: صوت ابن آوى والكلاب وبنات آوى. إلى غير هذه المعاني، ولم نرَ اللغويين زادوا على معنى الحيوانين المذكورين حيوانًا آخر. إلا أننا رأينا في ”ذيل فصيح ثعلب“ لموفق الدين أبي محمد عبد اللطيف البغدادي النحوي اللغوي ما نصُّه: «الفُرانِق: حيوان شبيه بابن آوى، يَقْدُمُ الأسدَ، ويصيح منذرًا به، ويسمى فُرانقَ الأسد. ويقال: إنه (الوعوع) بالعربية، وهو ـ أي: الفُرانق ـ فارسي معرّب». وهذا عندنا هو الرأي الأصح.

وعليه؛ فإن الأم إذا قالت لولدها: جاء البُعْبُع أو الوَعْوَع أو الوَعْواع، فكأنها تقول له: جاء الأسد ليفترسك! بما أن الوعوع لا يأتي إلا ووراءه الأسد إذ ذاك؛ [فهو] منذر بهذا.

التوثيق
زيادة بيان: