دراسة حالة

البُعْبُع والوَعْوَع

مجلة لغة العرب

إذا هبطتَ ديار الشام، وبالخصوص إذا نزلتَ لبنان، وتجوّلتَ في ربوعه وزرتَ بيوت أهاليه، ثم تنصَّتَّ لما تقوله الأمهات لأولادهن عند إسكاتهن لهم أو تخويفهن إياهم، تسمعهن يقلن: بُعْبُع، بُعْبُع! اسكتْ.. جاء البُعْبُع (بضم الباء وإسكان العين)، فإذا سمع الوليد هذا الصوت خاف وسكت. وإذا سألتَ الأم: ما معنى البعبع؟ وما تريدين بهذا اللفظ؟ تلجلجتْ وما استطاعت أن تفيدك شيئًا يُروي غليلك.

على أني سألتُ كثيرين من الأدباء أن يُطلعوني على معنى هذا الحرف؛ فقال قوم منهم: هذه كلمة تخويف ليس إلا. وقال فريق: يراد بذلك حيوان مجهول الأوصاف، إلا أنه من الوحوش الضارية. وقالت جماعة: البعبع كلمة لا يراد بها سوى إسماع الطفل لفظًا غريبًا على الآذان؛ ليخاف ويسكت.

ثم إني ما زلت أبحث عن هذه اللفظة لأعرف أصلها ومأتاها، فلم أقفْ على ما فيها من غامض السر إلا في هذه الأيام، وهذا أيضاً من باب التخرّص لا من باب التأكيد. أما الواسطة التي اتخذتها للبلوغ إلى غايتي فكانت مقابلة ألفاظ أهل البلاد بعضها ببعض، وبما ينطقون في مثل هذه الأحوال…

قبل أربعين سنة كنت أسمع الوالدات [في العراق] يقلن لأولادهن: بَعْبَع، بَعْبَع (بفتح الباء وإسكان العين)، جاء البَعْبَع! ومنهن [مَن] كن يقلن: وَعْوَع، وَعْوَع، جاء الوَعْوَع! أو: وَعْواع، وَعْواع، جاءك الوَعْواع! هوين الواوي، جا الواوي (أي: هو ذا ابن آوى، جاء ابن آوى)!

فمن هذا ترى أن البعبع الشامي أو اللبناني ـ ويقال بضم الباء وإسكان العين ـ ما هو إلا وعوع العراق أو وعواعه لا غير، ويقال بفتح الواو وإسكان العين، أما قلبُ الواو باءً فكانت لغة بعضهم، شابهوا بها النَّبَط. وقد أثبتنا ذلك من تتبّع ألفاظهم؛ كقولهم: باشق وواشق، وجارية بَكْباكة ووَكْواكة؛ أي: سمينة… والشواهد على ذلك كثيرة. وأما ضم المفتوح عند أهل الشام ولبنان فهذا غالب في أهل القرى، وربما ضموا المكسور أيضًا؛ فيقولون مثلًا: (المُشْمُش) بضم الميمين، وهما مكسوران على الحقيقة…

ومن ثَم فقد ثبت لديك أن البعبع والوعوع شيء واحد، وكذلك الوعواع. فلننظر الآن ما معنى الوعوع؛ قال أصحاب اللغة على الاتفاق: الوَعْوَع: ابن آوى، والثعلب. وقالوا في الوَعْواع: صوت ابن آوى والكلاب وبنات آوى. إلى غير هذه المعاني، ولم نرَ اللغويين زادوا على معنى الحيوانين المذكورين حيوانًا آخر. إلا أننا رأينا في ”ذيل فصيح ثعلب“ لموفق الدين أبي محمد عبد اللطيف البغدادي النحوي اللغوي ما نصُّه: «الفُرانِق: حيوان شبيه بابن آوى، يَقْدُمُ الأسدَ، ويصيح منذرًا به، ويسمى فُرانقَ الأسد. ويقال: إنه (الوعوع) بالعربية، وهو ـ أي: الفُرانق ـ فارسي معرّب». وهذا عندنا هو الرأي الأصح.

وعليه؛ فإن الأم إذا قالت لولدها: جاء البُعْبُع أو الوَعْوَع أو الوَعْواع، فكأنها تقول له: جاء الأسد ليفترسك! بما أن الوعوع لا يأتي إلا ووراءه الأسد إذ ذاك؛ [فهو] منذر بهذا.

التوثيق
زيادة بيان: