دراسة حالة

(الطبيعة) وما إليها

مجلة المنار

من القضايا المسلَّمة أنه لا مشاحّة في الاصطلاح، ولا مَنْدُوحة عن مراعاة ما يتواطؤ عليه الجمهور، ومجاراة الناس على ما يصطلحون عليه في كل زمان ومكان. وقد انطلقت ألسنة أهل هذا العصر وجرت أقلامهم بألفاظ؛ يريدون بها من المعاني غير ما تدلّ عليه في أصل اللغة أو في عرف العصور السالفة، ولهم ألفاظ أخرى جاءتهم من الفنون الحادثة والاكتشافات الجديدة، والكثير منها مما لم تستعمله العرب… [فمن ذلك]: لفظ الطبيعة، والطبيعي، والنواميس الطبيعية، وقوى الطبيعة.

أما لفظ (الطبيعة) فقد كان فيما مضى مما لا يكاد يستعمله إلا الأطباء والصوفية والفلاسفة، وأكثر من كان يستعمله الأطباء، ويطلق لفظ الطبيعة عندهم على عدة معان: على الهيئة التركيبية، وعلى المزاج الخاص بالبدن، وعلى القوة المدبِّرة، وعلى حركة النفس، وربما أُطلقت الطبيعة على النفس الناطقة باعتبار تدبيرها للبدن. وكان يطلق لقب الطبيعي على فرقة تعبد الطبائع الأربع، وعلى من ينسب كل شيء للطبيعة، كما يطلق على صاحب العلم الطبيعي.

وأما لفظ (الطبيعة) اليوم فهو كثير الدوران على ألسنة جميع الكتاب في الفنون العلمية والأدبية، حتى الشعراء والمترسِّلين، ويُجرونه على معناه اللغوي؛ وهو المخلوقات، أو الحالة التي هي عليها. وبيان ذلك: أن (الطبيعة) في اللغة بمعنى الخِلْقة والخليقة والفطرة؛ فخلقَ اللهُ الأشياءَ وفطرَها وطبعَها بمعنًى واحد، وإذا قلنا: إن هذا الشيء تقتضيه طبيعة الاجتماع الإنساني، فهو كما إذا قلنا: تقتضيه فطرة الله التي فطر الناس عليها، بلا فرق. وحاصل القول: أن لفظ (الطبيعة) حيث أُطلق فالمراد به الحالة التي طبعَ اللهُ الموجوداتِ عليها؛ أي: خلَقَهم، وتطلق على الموجودات أنفسها؛ فيقال: تأمّلْ محاسنَ الطبيعة؛ أي: المخلوقات.

وأما (الطبيعي) فهو المنسوب للطبيعة؛ كالخِلْقي نسبة للخِلْقة، ويستعمل في مقابلة (الصناعي)؛ فيراد به ما لا صُنع للبشر فيه؛ أي: في هيئته التركيبية؛ كالأشجار والبحار، ويطلق على العالِم بالفنون الطبيعية وإن كان متدينًا، ولا يطلق على الملحد من حيث إنه ملحد، وإن نسب الأشياء للطبيعة، واعتقد أنها موجدة لها ومؤثِّرة فيها من دون الله تعالى، بل يطلقون على من هذا شأنه لفظ: (الكافر) و(الدَّهْري) و(المادّي)؛ لأنه ينكر ما وراء المادة، فلا يعتقد بالإله ولا بالعالَم الآخر… وأكثر عامة بلادنا لايفهمون من لفظ الطبيعي إذا أطلق على إنسان إلا هذا المعنى الأخير.

ويدور هذا اللفظ على الألسنة كثيرًا في المحاورات المتعلقة بسائر الشؤون، ويراد به مجرّد التأكيد والتحقيق، أو أن هذا الشيء ظاهر بالبداهة؛ تراهم عند سماع شيء من المسلَّمات يقولون: «هذا طبيعي»؛ يعنون أنه بديهي أو محقَّق لا نزاع فيه، وأما العلماء والكتّاب فيعنون بقولهم: «هذا شيء طبيعي»: أن له سببًا طبيعيًّا يعلَّل به.

وأما (النواميس الطبيعية) فالمراد من الناموس: الطريقة الثابتة المطَّردة التي يحكم الله تعالى بها على الكون، وهو محرَّف عن لفظ (نومُس) اليوناني؛ ومعناه: الشريعة، وكثيرًا ما يدور على ألسنة الطبيعيين: «شريعة الطبيعة» و«الشرائع الطبيعية»، ويستعمله كتاب العربية في المقالات الأدبية والسياسية؛ مجاراة لهم وعملًا باصطلاحهم، وكان الأولى أن يترجَم لفظ (نومُس) بالسُّنَّة؛ فيقال: سُنَّة الطبيعة، والسُّنَن الطبيعية… وقد نعتاض عنه أحيانًا بقولنا: سُنَّة الكون، والسُّنَن الإلهية، وسُنَّة الله في خلقه.

وأما (القوى الطبيعية) فهي عبارة عما تُسند إليه الآثار الطارئة على الأجسام من حركة أو سكون؛ ومنها ما هو حقيقيٌّ كالقوة البخارية والكهربائية، وما هو فَرْضيٌّ كالجاذبية؛ فإن تعليل سقوط نحوِ الحجر من الهواء على الأرض بأنه سقط بقوة الجاذبية التي في مركز الأرض، يوهم أن هناك شيئًا موجودًا له هذا الفعل، وأنهم اطَّلعوا عليه وسمَّوه بهذا الاسم، وليس كذلك، بل إن هذه القوة مفروضة، والتسمية اصطلاحية، ولما كان الفعل الذي نُسب إليها يصدر عنها باطّراد، صحَّ إطلاق لفظ (الناموس) عليها؛ فقالوا: «ناموس جاذبية الثقل». ومثل هذا كثير.

التوثيق
زيادة بيان: