لقاءُ أسدين

بديع الزمان الهمذاني

قالَعلىٰ لسانِ بِشْرِ بنِ عَوانةَ العَبْدِيِّ ـ وهو اسمُ شاعرٍ اخترعَه البديعُ ـ وقد عَرَضَ له أسَدٌ في طريقِه، فاخْتَرَطَ سيفَه ودَلَفَ به إليه، وهي منَ النَّمَطِ العالي الَّذي لمْ يُنسَجْ علىٰ مِنْوالِه:

تَبَهْنَسَ [إذْ تَقاعَسَ] عنهُ مُهْرِي
مُحاذَرةً، فقلْتُ: عُقِرْتَ مُهْرَا!1
أَنِلْ قَدَمَيَّ ظَهْرَ الأرضِ إنِّي
رأيْتُ الأرضَ أثْبَتَ منكَ ظَهْرَا
وقلْتُ لهُ وقدْ أبْدَىٰ نِصالًا
مُحَدَّدةً ووَجْهًا مُكْفَهِرَّا2
يُكَفْكِفُ غِيلةً إحْدَىٰ يَدَيْهِ
ويَبْسُطُ للوُثُوبِ عليَّ أُخْرَىٰ3
يُدِلُّ بمِخْلَبٍ وبحَدِّ نابٍ
وباللَّحَظاتِ تَحْسَبُهنَّ جَمْرَا4
وفي يُمْنايَ ماضِي الحَدِّ أبْقَىٰ
بمَضْرِبِهِ قِراعُ المَوْتِ أُثْرَا:5
نَصَحْتُكَ فالْتَمِسْ يا لَيْثُ غَيْرِي
طَعامًا، إنَّ لَحْمِي كانَ مُرَّا!
وقَلْبِي مِثْلُ قَلْبِكَ ليسَ يَخْشىٰ
مُصاوَلةً، وليسَ يَخافُ ذَعْرَا6
ففِيمَ تَسُومُ مِثْلِي أنْ يُوَلِّي
ويَجْعَلَ في يَدَيْكَ النَّفْسَ قَسْرَا؟!7
فلَمَّا ظَنَّ أنَّ الغِشَّ نُصْحِي
وخالَفَنِي كأنِّي قُلْتُ هُجْرَا8
مَشَىٰ ومَشَيْتُ.. مِنْ أسَدَيْنِ! رامَا
مَرامًا كانَ إذْ طَلَبَاهُ وَعْرَا9
هَزَزْتُ لهُ الحُسامَ فخِلْتُ أنِّي
[شَقَقْتُ] بهِ لَدَى الظَّلْماءِ فَجْرَا10
وجُدْتُ لهُ بجائِشةٍ أرَتْهُ
بأنْ كَذَبَتْهُ ما مَنَّتْهُ غَدْرَا11
وأطْلَقْتُ المُهَنَّدَ مِنْ يَمِينِي
فقَدَّ لهُ مِنَ الأضْلاعِ عَشْرَا12
[بضَرْبةِ فَيْصَلٍ تَرَكَتْهُ شَفْعًا
وكانَ كأنَّهُ الجُلْمُودُ وَتْرَا]13
فخَرَّ [مُضَرَّجًا] بدمٍ كأنِّي
هَدَمْتُ بهِ بِناءً مُشْمَخِرَّا14
وقلْتُ لهُ: يَعِزُّ عليَّ أنِّي
قَتَلْتُ مُناسِبِي جَلَدًا و[قَهْرَا]15
ولكِنْ رُمْتَ شَيْئًا لَمْ يَرُمْهُ
سِواكَ، فلَمْ أُطِقْ يا لَيْثُ صَبْرَا
تُحاوِلُ أنْ تُعَلِّمَني فِرارًا؟!
لَعَمْرُ أبِيكَ قَدْ حاوَلْتَ نُكْرَا!16
فلا [تَبْعَدْ] فقَدْ لاقَيْتَ حُرًّا
يُحاذِرُ أنْ يُعابَ، فمِتَّ حُرَّا17

شرح الغريب (1-17)

  1. تبهنسَ: تبخترَ (يعني الأسدَ). تقاعسَ: تراجعَ. المُهْر: ولدُ الفرَس. عُقِرْتَ: قُطِعَتْ قوائمُك (دعاءٌ عليه).
  2. شبَّهَ أنيابه بنِصالِ السِّهام الحادَّة. مُكْفَهِرًّا: عابسًا.
  3. يُكفكِفُ: يَقْبِضُ. غِيلةً: خَدِيعةً، أو: للاغتيالِ.
  4. يُدِلُّ: يَجْتَرئُ، أو: يَنْقَضُّ على فريستِه مِن عَلُ؛ كالبازي. اللَّحَظات: النَّظَرات.
  5. المَضْرِب: حدُّ السَّيف. القِراع: المضاربة بالسُّيوف. الأُثْر: أثَرُ الجُرح بعد البُرْء، استعارَه هنا لثُلُوم السَّيف.
  6. المُصاولة: المُواثبة والمُغالبة. الذَّعْر: الإخافة.
  7. سامَه الأمرَ: كلَّفَه إيَّاه، وألزمَه به. وَلَّى: فرَّ هاربًا. القَسْر: القَهْر والإكراه.
  8. الهُجْر: الهَذَيان، والقول القبيح.
  9. مِن أسدينِ: تعجُّبيَّة؛ أي: اعجَبُوا من أسدين. المَرامُ الوَعْرُ: المَطلَبُ الصَّعبُ المنالِ.
  10. الحُسام: السَّيف القاطع. شقَّ الفجرَ: أطْلَعَه.
  11. بجائشة: بضربة هائجة. مَنَّتْه الأمرَ: جعلَتْه يتمنَّاه. يقول: كذبَتْ عليه تلك الضربةُ وغدرَتْ به، حين منَّتْه خيبتَها وعدمَ إصابتِها؛ لاضطرابها بهَيَجان ضاربِها.
  12. المهنَّد: السَّيف المصنوع في الهند. قدَّ: قطعَ.
  13. الفيصل: الماضي القاطع. شَفْعًا: أي اثنين. الجُلْمود: الصَّخْر. وَتْرًا: واحدًا.
  14. خرَّ: سقطَ. مضرَّجًا: ملطَّخًا. المُشْمَخِرُّ: العالي المرتفع.
  15. يَعِزُّ عليَّ: يَصعُبُ. المُناسِب: المُشابِه والمُشاكِل. الجَلَد: الشِّدَّة والقوَّة. القَهْر: الغَلَبة.
  16. لَعَمْرُ أبيكَ: أسلوب قَسَم؛ تقديره: لَعَمْرُ أبيكَ قَسَمي، والعَمْرُ والعُمْرُ واحدٌ. النُّكْر: الأمر المُنكَر.
  17. لا تَبْعَدْ: لا تَهْلِكْ! وهو دعاءٌ خرجَ بلفظ النَّهي، تدعو العربُ به لمن هلك؛ فشَقَّ هلاكُه على من يَفقِدُه.
ترجمة بديع الزمان:
أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى الهمذاني (ت 398ھ): أحد أئمة الكتاب، صاحب (المقامات) المشهورة، التي أخذ الحريري أسلوب مقاماته عنها. ولد في همذان، وانتقل إلى هراة فسكنها، ثم ورد نيسابور ولم تكن قد ذاعت شهرته، فلقي أبا بكر الخوارزمي، فشجر بينهما ما دعاهما إلى المساجلة، فطار ذكر الهمذاني في الآفاق.كان قوي الحافظة، يضرب المثل بحفظه.
التوثيق

وصفُ القلم

أبو تمام

هاتهِ الأبياتُ مِن قصيدةٍ مَدَحَ بها محمَّدَ بنَ عبدِ الملكِ الزيَّات، وزيرَ المعتصمِ والواثقِ العبَّاسيَّينِ، وأحدَ بُلَغاءِ الكُتَّابِ والشُّعراءِ في زمانِه. قالَ صاحبُ (خزانةِ الأدب): «وهي أحسنُ وأفخمُ مِن جميعِ ما قيلَ في القلم».

لكَ القلمُ الأعْلَى الَّذي بشَباتِهِ
تُصابُ منَ الأمْرِ الكُلَىٰ والمَفاصِلُ1
لهُ الخَلَواتُ اللَّاءِ لَوْلا نَجِيُّها
لَمَا احْتَفَلَتْ للمُلْكِ تلكَ المَحافِلُ2
لُعابُ الأفاعي القاتلاتِ لُعابُهُ
وأَرْيُ الجَنَى اشْتارَتْهُ أيْدٍ عَواسِلُ3
لهُ رِيقةٌ طَلٌّ ولكنَّ وَقْعَها
بآثارِهِ في الشَّرقِ والغربِ وابِلُ4
فصيحٌ إذا اسْتَنطَقْتَهُ وهْوَ راكبٌ
وأعْجَمُ إنْ خاطبْتَهُ وهْوَ راجِلُ!5
إذا ما امْتَطَى الخَمْسَ اللِّطافَ وأُفرِغَتْ
عليهِ شِعابُ الفِكْرِ وهْيَ حَوافِلُ6
أطاعَتْهُ أطرافُ القَنا، وتَقَوَّضَتْ
لِنَجْواهُ تَقْوِيضَ الخِيامِ الجَحافِلُ7
إذا اسْتَغْزَرَ الذِّهنَ الذَّكيَّ وأقبلَتْ
أعالِيهِ في القِرْطاسِ وهْيَ أسافِلُ8
وقدْ رَفَدَتْهُ الخِنْصِرانِ وسَدَّدَتْ
ثلاثَ نَواحِيهِ الثَّلاثُ الأنامِلُ9
رأيْتَ جَلِيلًا شَأْنُهُ وهْوَ مُرْهَفٌ
ضَنًى، وسَمِينًا خَطْبُهُ وهْوَ ناحِلُ!10

شرح الغريب (1-10)

  1. شَباةُ كلِّ شيءٍ: حَدُّ طَرَفِه. أراد أن القلمَ تُنال به مقاصدُ الأمور؛ فجعلَ الكُلى والمَفاصِلَ مثلًا لحقائق الأشياء.
  2. له: أيْ للقلم. اللَّاءِ: جمعُ (الَّتي). النَّجِيُّ: المُسَارُّ؛ وأراد به المُشِيرَ. الاحتفال: حُسْنُ القيامِ بالأمور. المَحافل: ج المَحْفِل؛ وهو المَجْلِس، أو مكان الاجتماع. يعني: لولا مشاورةُ الملوكِ أهلَ الأقلام، لمَا انتظمَ أمرُ المُلك.
  3. الأَرْي: العسل. الجَنَى: كلُّ ما يُجتنى من ثمرٍ ونحوه؛ فيكون قوله: «أرْيُ الجَنَى» من باب إضافة الموصوف إلى الصفة. اشْتارَتْهُ: استخرجَتْهُ. عواسل: ج عاسلة؛ والعاسل: الذي يأخذ العسلَ من بيت النحل. الشطر الأول بالنسبة للأعداء، والشطر الثاني بالنسبة للأولياء.
  4. الطلّ: المطرُ الخفيف. الوابل: المطرُ الشديد. يعني أن ريقَ القلم قليلٌ يسيرٌ كالقَطْر، لكنّ آثارَه في كلِّ مكان كالمطر الشديد.
  5. الأعجم: الأخرس.
  6. امتطى: رَكِبَ. الشِّعاب: ج الشِّعْب؛ وهو الطريقُ في الجبل. حوافلُ: ممتلئةٌ.
  7. القنا: الرِّماح. تقوَّضَتْ: انتَقضَتْ. النَّجوى: إسرارُ الحديث. الجحافل: ج الجَحْفَل؛ وهو الجيشُ الكثير.
  8. استَغزَرَه: وجدَه غزيرًا. الذكيّ: المتوقِّد. القِرْطاس: الصحيفة يُكتب فيها.
  9. رَفَدَتْهُ: أعانَتْهُ. الخِنْصِران: الخِنْصِرُ والبِنْصِرُ (تثنيةٌ بالتغليب).
  10. مرهَفٌ: رقيقٌ. الضَّنى: المرض.
التوثيق