الحقيقةُ الغائبة

البحتري

أَطِلْ جَفْوةَ الدُّنيا وتَهْوِينَ شَأْنِها
فما [الغافلُ] المغرورُ [فيها] بعاقلِ1
يُرَجِّي الخُلودَ مَعْشَرٌ ضَلَّ سَعْيُهمْ
ودُونَ الَّذي يَرْجُونَ غَوْلُ الغَوائلِ2
وليسَ الأمانِي في البَقاءِ، وإنْ مَضَتْ
بها عادةٌ، إلَّا أحاديثُ باطلِ
إذا ما حَرِيزُ القَوْمِ باتَ وما لَهُ
منَ اللهِ واقٍ، فَهْوَ بادِي المَقاتِلِ!3
وما المُفْلِتُونَ أجْمَلَ الدَّهرُ فِيهمُ
بأكْثَرَ مِنْ أعدادِ مَنْ في الحَبائلِ4
يُسارُ بنا قَصْدَ المَنُونِ، وإنَّنا
لَنَشْعَفُ أحيانًا بطَيِّ المَراحِلِ!5
عِجالًا منَ الدُّنيا بأسْرَعِ سَعْيِنا
إلىٰ آجِلٍ مِنْها شَبِيهٍ بعاجِلِ
أواخِرُ مِنْ عَيْشٍ، إذا ما امْتَحَنْتَها
تأمَّلْتَ أمْثالًا لها في الأوائلِ6
وما عامُكَ الماضي، وإنْ أفْرَطَتْ بهِ
عجائبُهُ، إلَّا أخُو عامِ قابِلِ!7
غَفَلْنا عنِ الأيَّامِ [أطْوَلَ] غَفْلةٍ
وما خَوْنُها المَخْشِيُّ عنَّا بغافلِ8
تَغَلْغَلَ رُوَّادُ الفَناءِ، ونَقَّبَتْ
دَواعِي المَنُونِ عنْ جَوادٍ وباخِلِ9

شرح الغريب (1-9)

  1. الجَفْوة: النُّفور والتباعد. في الديوان: «فما العاقلُ المغرورُ منها بعاقلِ»، والمثبَت من (كتاب الصناعتين) أعلى وأجوَد.
  2. الغوائل: ج الغائلة؛ وهي الشرُّ والداهية. وغالَتْهم: أي أخذَتْهم من حيث لا يدرون؛ فأهلكَتْهم.
  3. الحَرِيز: الحَصِين المَنِيع. المَقاتِل: ج المَقْتَل؛ وهو المكان الذي إذا أُصيب فيه الإنسانُ لا يكاد يَسْلَمُ.
  4. أجملَ فيهم: رَفَقَ بهم. الحَبائل: ج الحِبالة؛ وهي المِصْيَدة.
  5. قَصْدَ: جهةَ. المَنُون: الموت. شَعِفَ بالشيء: أحبَّه وشُغِلَ به. المَراحل: ج المَرْحلة؛ وهي مسافة يَطْويها المسافرُ في يوم تقريبًا؛ أي: يقطعُها.
  6. امتحنَ الشيءَ: نظرَ فيه وتدبَّره.
  7. عامُ قابِلٍ: هو العامُ المقبِلُ، وأصله: عامٌ قابلٌ، ثم أُضيف العامُ إلى صفته.
  8. الخَوْن: النقص، والغدر. وخَوْنُ الدنيا: تغييرُها الحالَ من اللِّين إلى الشِّدَّة. في الأصل: «أطوعَ غفلة»، والمثبَت من (الموازنة) للآمدي.
  9. تغلغلَ: أسرعَ. الرُّوَّاد: ج الرائد؛ وهو من يتقدَّم القومَ، يبصرُ لهم الكلأَ ومَساقِطَ الغيث. وفي تشبيه السابق إلى الفناء بالرائد الذي يتبعه قومُه بلاغةٌ عالية. نقَّبَتْ عنهم: بحثَتْ عنهم بحثًا بليغًا. دواعي المَنُون: أسباب الموت.
التوثيق

ضالَّةُ المؤمن

أبو إسحاق الحُصْري

قالَبعضُ الحُكَماء: الحِكْمةُ مُوقِظةٌ للقلوبِ مِن سِنَةِ الغَفْلة، ومُنقِذةٌ للبَصائرِ مِن سَكْرةِ الحَيْرة، ومُحْيِيةٌ لها مِن موتِ الجَهالة، ومُستخرِجةٌ لها مِن ضِيقِ الضَّلالة. والعِلْمُ دواءٌ للقلوبِ العَلِيلة، ومِشْحَذٌ للأذهانِ الكَلِيلة، ونُورٌ في الظُّلْمة، وأُنْسٌ في الوَحْشة، وصاحبٌ في الوَحْدة، وسَمِيرٌ في الخَلْوة، ووُصْلةٌ في المَجْلِس، ومادَّةٌ للعقل، وتَلْقِيحٌ للفَهْم، ونافٍ للعِيِّ المُزْرِي بأهلِ الأحساب، المُقَصِّرِ بذوي الألباب.

أنطقَ اللهُ سبحانَه أهلَه بالبيانِ الَّذي جعلَه صفةً لكلامِه في تنزيلِه، وأيَّدَ به رُسُلَه إيضاحًا للمُشْكِلات، وفَصْلًا بينَ الشُّبُهات، شَرَّفَ به الوضيعَ، وأعزَّ به الذَّلِيلَ، وسَوَّدَ به المَسُودَ، مَنْ تَحلَّىٰ بغيرِه فهو مُعَطَّل، ومَنْ تَعَطَّلَ منه فهو مُغَفَّل، لا تُبْلِيه الأيَّام، ولا تَخْتَرِمُه الدُّهور، يتجدَّدُ على الابْتِذال، ويَزْكُو على الإنفاق، للهِ علىٰ ما مَنَّ به علىٰ عبادِه الحمدُ والشُّكر.

قالَ بعضُ العُلَماء: العُقولُ لها صُوَرٌ مِثْلُ صُوَرِ الأجسام، فإذا أنتَ لمْ تَسْلُكْ بها سبيلَ الأدبِ حارَتْ وضَلَّتْ، وإنْ بَعَثْتَها في أودِيَتِها كَلَّتْ ومَلَّتْ، فاسْلُكْ بعقلِك شِعابَ المعاني والفَهْم، واسْتَبْقِهِ بالجِمامِ للعِلْم، وارْتَدْ لعقلِك أفضلَ طَبَقاتِ الأدب، وتَوَقَّ عليه آفةَ العَطَب؛ فإنَّ العقلَ شاهدُك على الفَضْل، وحارسُك منَ الجهل.

اعلَمْ أنَّ مَغارِسَ العُقولِ كمَغارِسِ الأشجار؛ فإذا طابَتْ بِقاعُ الأرضِ للشَّجرِ زَكا ثَمَرُها، وإذا كَرُمَتِ النُّفوسُ للعُقولِ طابَ خَيْرُها، فاغْمُرْ نَفْسَك بالكَرَم، تَسْلَمْ منَ الآفةِ والسَّقَم. واعلَمْ أنَّ العقلَ الحسَنَ في النَّفْسِ اللَّئيمة، بمنزلةِ الشَّجرةِ الكريمةِ في الأرضِ الذَّميمة؛ يُنْتَفَعُ بثَمَرِها علىٰ خُبْثِ المَغْرِس، فاجْتَنِ ثَمَرَ العُقولِ وإنْ أتاكَ مِن لِئامِ الأنْفُس.

قالَ النَّبيُّ : «رُبَّ حاملِ فِقْهٍ إلىٰ مَنْ هو [أفْقَهُ منه، ورُبَّ حاملِ فِقْهٍ غيرُ فَقِيه]». وقيل: رُبَّ رَمْيَةٍ مِن غيرِ رامٍ. وقيل: الحكمةُ ضالَّةُ المؤمِن؛ أينما وَجَدَها أخذَها. وسَمِعَ الشَّعْبيُّ الحَجَّاجَ بنَ يوسُفَ وهو على المِنْبَرِ يقول: أمَّا بَعْدُ، فإنَّ اللهَ كَتَبَ على الدُّنيا الفناء، وعلى الآخرةِ البقاء، فلا فناءَ لِمَا كُتِبَ عليه البقاء، ولا بقاءَ لِمَا كُتِبَ عليه الفناء، فلا يَغُرَّنَّكم شاهدُ الدُّنيا عنْ غائبِ الآخرة، وأقْصِرُوا منَ الأمَل؛ لقِصَرِ الأجَل. فقال: كلامُ حِكْمةٍ خَرَجَ مِن قلبٍ خَرابٍ! وأخرجَ ألواحَه فكتبَ.

ترجمة الحصري:
إبراهيم بن علي بن تميم الأنصاري، أبو إسحاق الحصري (ت 453ھ/ 1061م): أديب نقاد، من أهل القيروان، نسبته إلى عمل الحصر. له كتاب (زهر الآداب وثمر الألباب)، و(جمع الجواهر في الملح والنوادر)، وله شعر فيه رقة. وهو ابن خالة الشاعر أبي الحسن الحصري، ناظم «يا ليل الصب متى غده».
التوثيق
زيادة بيان:
اقتباس

بِئْسَتِ الشَّرِكة!

نَزِّهْ سَمْعَك عنِ اسْتِماعِ الخَنا كما تُنَزِّهُ نَفْسَك عنِ القولِ به؛ فالمستمِعُ شريكُ القائل، إنَّما نَظَرَ إلى شَرِّ ما في وِعائِه فأفْرَغَه في وِعائك! ولَوْ رُدَّتْ كلمةُ سَفِيهٍ في فِيه، لَسَعِدَ بها رادُّها، كما شَقِيَ بها قائلُها.

عمرو بن عُتبة السُّلَمي
(ت 24ھ)

طبائعُ الدنيا الدنيَّة

أبو الطيب المتنبي

فؤادٌ ما تُسَلِّيهِ المُدامُ
وعُمْرٌ مِثْلُ ما تَهَبُ اللِّئامُ1
ودهرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ
وإنْ كانتْ لهمْ جُثَثٌ ضِخامُ!
وما أنا منهمُ بالعَيْشِ فيهمْ
ولكنْ مَعْدِنُ الذَّهبِ الرَّغامُ2
أرانبُ غيرَ أنَّهمُ مُلُوكٌ
مُفَتَّحةٌ عُيُونُهمُ نِيامُ!
بأجسامٍ يَحَرُّ القَتْلُ فيها
وما أقْرانُها إلَّا الطَّعامُ!3
وخَيْلٍ ما يَخِرُّ لها طَعِينٌ
كأنَّ قَنا فَوارسِها ثُمامُ!4
خَلِيلُكَ أنتَ لا مَنْ قُلْتَ: خِلِّي،
وإنْ كَثُرَ التَّجَمُّلُ والكلامُ5
ولَوْ حِيزَ الحِفاظُ بغيرِ عَقْلٍ
تَجَنَّبَ عُنْقَ صَيْقَلِهِ الحُسامُ6
وشِبْهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إليهِ
وأشْبَهُنا بدُنْيانا الطَّغامُ!7
ولَوْ لَمْ يَعْلُ إلَّا ذُو مَحَلٍّ
تَعالَى الجيشُ وانْحَطَّ القَتامُ!8
ولَوْ لَمْ يَرْعَ إلَّا مُسْتَحِقٌّ
لرُتْبتِهِ، أَسامَهمُ المُسامُ!9
ومَنْ خَبَرَ الغَواني فالغَواني
ضِياءٌ في بَواطنِهِ ظَلامُ10
إذا كانَ الشَّبابُ السُّكْرَ، والشَّيْـ
ـبُ هَمًّا، فالحياةُ هيَ الحِمامُ11
وما كلٌّ بمَعْذُورٍ ببُخْلٍ
ولا كلٌّ علىٰ بُخْلٍ يُلامُ!12

شرح الغريب (1-12)

  1. المُدام: الخمر. «مثلُ ما تهبُ اللِّئامُ»: كنايةٌ عن قِلَّتِه. يقول: إنَّ فؤادَه لا يتسلَّى بالخمرِ واللَّهوِ عن طلبِ المعالي؛ فإنَّ العمرَ أقصرُ من أنْ يتَّسعَ لذلك.
  2. المَعدِن: موضعُ استخراجِ الجوهر. الرَّغام: التراب. يقول: إنني لا أعُدُّ نفسي من هؤلاء الناسِ وإنْ عِشْتُ بينهم؛ كالذهبِ الذي يكون بين الترابِ ولا يُحسَبُ منه.
  3. يَحَرُّ: يشتدُّ. الأقران: ج القِرْن؛ وهو الكُفْءُ في الحرب. يقول: يقتلُهم الطعامُ؛ فيموتون بالتُّخَمةِ من كثرةِ الأكل.
  4. يَخِرُّ: يسقطُ. القَنا: الرِّماح. الثُّمام: نبتٌ ضعيف. أيْ أنَّ طعْنَهم لا يؤثِّرُ في المطعونِ لضعفِهم؛ فكأنهم يَطْعُنون بالثُّمام.
  5. يقول: لا خليلَ لأحدٍ على الحقيقةِ إلا نفسُه؛ فلا يثقِ الإنسانُ بصداقةِ أحد، وإن كان كثيرَ التملُّق.
  6. حِيزَ: مُلِكَ. الحِفاظ: المحافظةُ على الحقوق. الصَّيْقل: الذي يعملُ السيوفَ. الحسام: السيفُ القاطع. أي: لو أمكنَ أن يحافِظَ على المودَّةِ والوفاءِ ما لا عقلَ له، لكانَ السيفُ ينبو عن عنقِ صانعِه. والمعنى: أنهم لا عقولَ لهم؛ فلا يوثَقُ منهم بذِمام.
  7. الطَّغام: الأرذال والأوغاد. يقول: إن الشيءَ يميلُ إلى شِبْهه، والدنيا خسيسة؛ فهي لذلك تميلُ إلى الخِساس من الناس.
  8. المَحَلُّ: المكانةُ الرفيعة. القَتام: الغبار. يقول: إنَّ علوَّهم في الدنيا لا يدلُّ على فضيلتِهم واستحقاقِهم؛ فإنَّ الغبارَ يرتفعُ فوق الجيش، وهو مما تثيرُه الأقدامُ والحوافر.
  9. يَرْعَ: من الرعاية؛ بمعنى السياسة. المُسام: المالُ المُرسَلُ في مَراعيه، وأسامَه صاحبُه: إذا أرسلَه. يقول: هؤلاء شرٌّ من البهائم، فلو كانتِ الولايةُ بالاستحقاقِ لكانَ الراعي لهم البهائم؛ لأنها أشرفُ منهم وأعقل!
  10. خَبَرَ الشيءَ: بَلاه وامتحنَه، وعرفَ خبرَه على حقيقتِه. الغواني: النساءُ الحِسان.
  11. الحِمام: الموت. يقول: إذا كان الإنسانُ في شبيبتِه غائصًا في سُكْرٍ من اللَّهو والصِّبا، وعند مشيبِه غارقًا في بحرٍ من الهمّ، فحياتُه أشْبَهُ بالممات.
  12. لتفسيره وجهان؛ أحسنُهما: أنَّ الذي لا يُعذَرُ في بخلِه مَنْ وَلَدَتْه الكرام، والذي لا يلامُ على بخلِه مَنْ كان آباؤه لئامًا بُخلاء، ولم يتعلَّمْ غيرَ البخل، ولم يرَ في آبائه الجودَ والكرم.
التوثيق
زيادة بيان:

العزاءُ الجميل

إبراهيم بن كُنَيْف

تَعَزَّ فإنَّ الصَّبْرَ بالحُرِّ أجْمَلُ
وليسَ علىٰ رَيْبِ الزَّمانِ مُعَوَّلُ1
فلَوْ كانَ يُغْنِي أنْ يُرَى المَرْءُ جازِعًا
لِحادثةٍ أوْ كانَ يُغْنِي التَّذَلُّلُ
لَكانَ التَّعَزِّي عندَ كلِّ مُصِيبةٍ
ونائبةٍ بالحُرِّ أَوْلىٰ وأجْمَلُ2
فكيفَ وكلٌّ ليسَ يَعْدُو حِمامَهُ
وما لامْرِئٍ عمَّا قَضَى اللهُ مَزْحَلُ؟!3
فإنْ تَكُنِ الأيَّامُ فينا تَبَدَّلَتْ
ببُؤْسىٰ ونُعْمىٰ، والحوادثُ تَفْعَلُ4
فما لَيَّنَتْ منَّا قَناةً صَلِيبةً
ولا ذَلَّلَتْنا للَّذي ليسَ يَجْمُلُ5
ولكنْ رَحَلْناها نُفُوسًا كَرِيمةً
تُحَمَّلُ ما لا يُسْتطاعُ فتَحْمِلُ6
وَقَيْنا بحُسْنِ الصَّبْرِ مِنَّا نُفُوسَنا
فصَحَّتْ لنا الأعْراضُ، والنَّاسُ هُزَّلُ7

شرح الغريب (1-7)

  1. تَعَزَّ: تصبَّرْ. رَيْبُ الزمان: حوادثه وصُروفه. المُعَوَّل: المُعتمَد والمُتَّكَل. يريدُ أن الدهرَ متقلِّب؛ فلا يوثَقُ به.
  2. التعزِّي: التصبُّر. النائبة: المصيبة النازلة. يقول: لو كان في الجَزَعِ منفعةٌ لَمَا كان يَحْسُن، وكان الصبرُ أحسنَ منه، فكيف وليسَ فيه منفعة؟! والبيتُ التالي يوضِّحُه.
  3. يعدو: يتجاوزُ. الحِمام: قضاءُ الموتِ وقدَرُه. المَزْحَل: الموضعُ يُزحَلُ إليه؛ أي: يُبعَدُ.
  4. تبدَّلَتْ: تغيَّرَتْ. البُؤسى: البُؤس؛ وهو المشقَّة والفقر. «والحوادثُ تفعلُ»: جملة اعتراضية للتوكيد.
  5. القناة: الرمح، والعصا. الصَّليبة: الشديدة القوية. والعربُ تذكرُ القناةَ وصلابتَها؛ ضاربةً بها المثلَ في الامتناعِ والإباء.
  6. رَحَلْناها: حَمَلْنا عليها، من قولهم: رَحَلَ البعيرَ؛ إذا وضعَ عليه الرَّحْلَ. يقول: حمَّلْنا تلك الحوادثَ نفوسًا؛ تصبرُ كرمًا، ولا تُظهِرُ ألمًا.
  7. صحَّتْ: بَرِئَتْ من كلِّ عيب. أي: وأعراضُ الناسِ هزيلة؛ لقلَّة ِصبرِهم على الشدائد.
ترجمة ابن كُنيف:
إبراهيم بن كنيف النبهاني (ت …؟): شاعر إسلامي مقل، من شعراء (الحماسة)، لا تسعفنا كتب التراجم بشيء من سيرته، اشتهر بأبياته اللامية التي اتفقت مصادر الأدب على نسبتها إليه، وانفرد أبو علي الهجري في (التعليقات والنوادر)؛ فنسبها إلى بكر بن النطاح.
التوثيق

فلسفة الحياة

أبو الطيب المتنبي

صَحِبَ النَّاسُ قَبْلَنا ذا الزَّمانَا
وعَنَاهُمْ مِنْ شَأْنِهِ ما عَنانَا1
وتَوَلَّوْا بِغُصَّةٍ كُلُّهمْ مِنْـ
ـهُ وإنْ سَرَّ بعضَهمْ أحيانَا
رُبَّما تُحْسِنُ الصَّنيعَ لَيالِيـ
ـهِ ولكنْ تُكَدِّرُ الإحسانَا
وكأنَّا لم يَرْضَ فينا بِرَيْبِ الدْ
دَهْرِ حتَّىٰ أعانَهُ مَنْ أعانَا2
كلَّما أنبتَ الزَّمانُ قناةً
ركَّبَ المَرْءُ في القناةِ سِنانَا!3
ومُرادُ النُّفوسِ أصغرُ مِنْ أنْ
تتعادىٰ فيهِ وأنْ تتفانىٰ
غيرَ أنَّ الفتىٰ يُلاقي المَنايا
كالِحاتٍ ولا يُلاقي الهوانَا4
ولَوَ انَّ الحياةَ تَبْقَىٰ لِحَيٍّ
لَعَدَدْنا أضَلَّنا الشُّجْعانَا5
وإذا لم يَكُنْ منَ الموتِ بُدٌّ
فَمِنَ العَجْزِ أنْ تَكُونَ جَبانَا
كلُّ ما لم يَكُنْ منَ الصَّعْبِ في الأنْـ
ـفُسِ، سَهْلٌ فيها إِذا هو كانَا6

شرح الغريب (1-6)

  1. عَنَاهم: أهمَّهم وشغلَهم.
  2. رَيْبُ الدهرِ: حوادثه. مَنْ أعانَ: فاعل (يَرْضَ) أو (أعانَه)؛ على التنازع. يقول: كأنَّ أهلَ الشرِّ لم يرضَوْا بما تجرُّه حوادثُ الدهر من البلاء؛ فزادوا عليها بلاءَ العداوة والشرّ، وأعانوا الدهرَ على النِّكاية بالناس.
  3. القناة: عودُ الرمح. والسِّنان: نَصْلُه. هذا البيت تفسير لما قبله؛ جعلَ (القناة) مثلًا لما في طبع الزمان من الإساءة، وجعل (السِّنان) مثلًا لما في طبع الناس من العداوة.
  4. كالحات: عابسات. يعني أن الموتَ أهونُ على الكريم من الذلّ.
  5. يعني أن الحياة لا تبقى ولو جَبُنَ الإنسان، وحَرَصَ على أسباب البقاء. وهمزة (أنَّ) هنا همزة وصلٍ للضرورة، تُلفظ مع (لو) هكذا: (لَوَنَّ).
  6. أي: إنما يصعبُ الأمرُ على النفس قبل وقوعه، فإذا وقعَ هان.
التوثيق