طبائعُ الدنيا الدنيَّة

أبو الطيب المتنبي

فؤادٌ ما تُسَلِّيهِ المُدامُ
وعُمْرٌ مِثْلُ ما تَهَبُ اللِّئامُ1
ودهرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ
وإنْ كانتْ لهمْ جُثَثٌ ضِخامُ!
وما أنا منهمُ بالعَيْشِ فيهمْ
ولكنْ مَعْدِنُ الذَّهبِ الرَّغامُ2
أرانبُ غيرَ أنَّهمُ مُلُوكٌ
مُفَتَّحةٌ عُيُونُهمُ نِيامُ!
بأجسامٍ يَحَرُّ القَتْلُ فيها
وما أقْرانُها إلَّا الطَّعامُ!3
وخَيْلٍ ما يَخِرُّ لها طَعِينٌ
كأنَّ قَنا فَوارسِها ثُمامُ!4
خَلِيلُكَ أنتَ لا مَنْ قُلْتَ: خِلِّي،
وإنْ كَثُرَ التَّجَمُّلُ والكلامُ5
ولَوْ حِيزَ الحِفاظُ بغيرِ عَقْلٍ
تَجَنَّبَ عُنْقَ صَيْقَلِهِ الحُسامُ6
وشِبْهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إليهِ
وأشْبَهُنا بدُنْيانا الطَّغامُ!7
ولَوْ لَمْ يَعْلُ إلَّا ذُو مَحَلٍّ
تَعالَى الجيشُ وانْحَطَّ القَتامُ!8
ولَوْ لَمْ يَرْعَ إلَّا مُسْتَحِقٌّ
لرُتْبتِهِ، أَسامَهمُ المُسامُ!9
ومَنْ خَبَرَ الغَواني فالغَواني
ضِياءٌ في بَواطنِهِ ظَلامُ10
إذا كانَ الشَّبابُ السُّكْرَ، والشَّيْـ
ـبُ هَمًّا، فالحياةُ هيَ الحِمامُ11
وما كلٌّ بمَعْذُورٍ ببُخْلٍ
ولا كلٌّ علىٰ بُخْلٍ يُلامُ!12

شرح الغريب (1-12)

  1. المُدام: الخمر. «مثلُ ما تهبُ اللِّئامُ»: كنايةٌ عن قِلَّتِه. يقول: إنَّ فؤادَه لا يتسلَّى بالخمرِ واللَّهوِ عن طلبِ المعالي؛ فإنَّ العمرَ أقصرُ من أنْ يتَّسعَ لذلك.
  2. المَعدِن: موضعُ استخراجِ الجوهر. الرَّغام: التراب. يقول: إنني لا أعُدُّ نفسي من هؤلاء الناسِ وإنْ عِشْتُ بينهم؛ كالذهبِ الذي يكون بين الترابِ ولا يُحسَبُ منه.
  3. يَحَرُّ: يشتدُّ. الأقران: ج القِرْن؛ وهو الكُفْءُ في الحرب. يقول: يقتلُهم الطعامُ؛ فيموتون بالتُّخَمةِ من كثرةِ الأكل.
  4. يَخِرُّ: يسقطُ. القَنا: الرِّماح. الثُّمام: نبتٌ ضعيف. أيْ أنَّ طعْنَهم لا يؤثِّرُ في المطعونِ لضعفِهم؛ فكأنهم يَطْعُنون بالثُّمام.
  5. يقول: لا خليلَ لأحدٍ على الحقيقةِ إلا نفسُه؛ فلا يثقِ الإنسانُ بصداقةِ أحد، وإن كان كثيرَ التملُّق.
  6. حِيزَ: مُلِكَ. الحِفاظ: المحافظةُ على الحقوق. الصَّيْقل: الذي يعملُ السيوفَ. الحسام: السيفُ القاطع. أي: لو أمكنَ أن يحافِظَ على المودَّةِ والوفاءِ ما لا عقلَ له، لكانَ السيفُ ينبو عن عنقِ صانعِه. والمعنى: أنهم لا عقولَ لهم؛ فلا يوثَقُ منهم بذِمام.
  7. الطَّغام: الأرذال والأوغاد. يقول: إن الشيءَ يميلُ إلى شِبْهه، والدنيا خسيسة؛ فهي لذلك تميلُ إلى الخِساس من الناس.
  8. المَحَلُّ: المكانةُ الرفيعة. القَتام: الغبار. يقول: إنَّ علوَّهم في الدنيا لا يدلُّ على فضيلتِهم واستحقاقِهم؛ فإنَّ الغبارَ يرتفعُ فوق الجيش، وهو مما تثيرُه الأقدامُ والحوافر.
  9. يَرْعَ: من الرعاية؛ بمعنى السياسة. المُسام: المالُ المُرسَلُ في مَراعيه، وأسامَه صاحبُه: إذا أرسلَه. يقول: هؤلاء شرٌّ من البهائم، فلو كانتِ الولايةُ بالاستحقاقِ لكانَ الراعي لهم البهائم؛ لأنها أشرفُ منهم وأعقل!
  10. خَبَرَ الشيءَ: بَلاه وامتحنَه، وعرفَ خبرَه على حقيقتِه. الغواني: النساءُ الحِسان.
  11. الحِمام: الموت. يقول: إذا كان الإنسانُ في شبيبتِه غائصًا في سُكْرٍ من اللَّهو والصِّبا، وعند مشيبِه غارقًا في بحرٍ من الهمّ، فحياتُه أشْبَهُ بالممات.
  12. لتفسيره وجهان؛ أحسنُهما: أنَّ الذي لا يُعذَرُ في بخلِه مَنْ وَلَدَتْه الكرام، والذي لا يلامُ على بخلِه مَنْ كان آباؤه لئامًا بُخلاء، ولم يتعلَّمْ غيرَ البخل، ولم يرَ في آبائه الجودَ والكرم.
التوثيق
زيادة بيان:

فلسفة الحياة

أبو الطيب المتنبي

صَحِبَ النَّاسُ قَبْلَنا ذا الزَّمانَا
وعَنَاهُمْ مِنْ شَأْنِهِ ما عَنانَا1
وتَوَلَّوْا بِغُصَّةٍ كُلُّهمْ مِنْـ
ـهُ وإنْ سَرَّ بعضَهمْ أحيانَا
رُبَّما تُحْسِنُ الصَّنيعَ لَيالِيـ
ـهِ ولكنْ تُكَدِّرُ الإحسانَا
وكأنَّا لم يَرْضَ فينا بِرَيْبِ الدْ
دَهْرِ حتَّىٰ أعانَهُ مَنْ أعانَا2
كلَّما أنبتَ الزَّمانُ قناةً
ركَّبَ المَرْءُ في القناةِ سِنانَا!3
ومُرادُ النُّفوسِ أصغرُ مِنْ أنْ
تتعادىٰ فيهِ وأنْ تتفانىٰ
غيرَ أنَّ الفتىٰ يُلاقي المَنايا
كالِحاتٍ ولا يُلاقي الهوانَا4
ولَوَ انَّ الحياةَ تَبْقَىٰ لِحَيٍّ
لَعَدَدْنا أضَلَّنا الشُّجْعانَا5
وإذا لم يَكُنْ منَ الموتِ بُدٌّ
فَمِنَ العَجْزِ أنْ تَكُونَ جَبانَا
كلُّ ما لم يَكُنْ منَ الصَّعْبِ في الأنْـ
ـفُسِ، سَهْلٌ فيها إِذا هو كانَا6

شرح الغريب (1-6)

  1. عَنَاهم: أهمَّهم وشغلَهم.
  2. رَيْبُ الدهرِ: حوادثه. مَنْ أعانَ: فاعل (يَرْضَ) أو (أعانَه)؛ على التنازع. يقول: كأنَّ أهلَ الشرِّ لم يرضَوْا بما تجرُّه حوادثُ الدهر من البلاء؛ فزادوا عليها بلاءَ العداوة والشرّ، وأعانوا الدهرَ على النِّكاية بالناس.
  3. القناة: عودُ الرمح. والسِّنان: نَصْلُه. هذا البيت تفسير لما قبله؛ جعلَ (القناة) مثلًا لما في طبع الزمان من الإساءة، وجعل (السِّنان) مثلًا لما في طبع الناس من العداوة.
  4. كالحات: عابسات. يعني أن الموتَ أهونُ على الكريم من الذلّ.
  5. يعني أن الحياة لا تبقى ولو جَبُنَ الإنسان، وحَرَصَ على أسباب البقاء. وهمزة (أنَّ) هنا همزة وصلٍ للضرورة، تُلفظ مع (لو) هكذا: (لَوَنَّ).
  6. أي: إنما يصعبُ الأمرُ على النفس قبل وقوعه، فإذا وقعَ هان.
التوثيق