أعجَزُ مِن هِلْباجة!

مثلٌ عربي

هوَ النَّؤُومُ، الكَسْلانُ، العُطْلُ، الجافي… وقدْ سارَ في وصفِ الهِلْباجةِ فَصْلٌ لبعضِ الأعرابِ المُتفصِّحِين، وفَصْلٌ آخَرُ لبعضِ الحَضَرِيِّين.

فأمَّا وصفُ الأعرابيِّ

فإنَّ الأصْمَعيَّ قال: أخبرَني خَلَفٌ الأحمرُ أنَّه سألَ ابنَ أبي كَبْشةَ بنِ القَبَعْثَرىٰ عنِ الهِلْباجة، فتردَّدَ في صَدْرِه مِن خُبْثِ الهِلْباجةِ ما لم يَستطِعْ معه إخراجَ وصفِه في كلمةٍ واحدة! ثمَّ قال: الهِلْباجةُ: الضعيفُ، العاجزُ، الأخْرَقُ، الأحمقُ، الجِلْفُ، الكَسْلانُ، السَّاقطُ، لا مَعْنىٰ فيه، ولا غَناءَ عندَه، ولا كِفايةَ معه، ولا عملَ لَدَيْه، وبلىٰ يُستعمل، وضِرْسُه أشدُّ مِن عملِه! فلا تُحاضِرَنَّ به مَجْلِساً، وبلىٰ فليَحْضُرْ، ولا يتكلَّمَنَّ! [فلمَّا رآني لم أقْنَعْ، قالَ: احْمِلْ عليه منَ الخُبْثِ ما شئتَ!].

وأمَّا وصفُ الحَضَريِّ

فإنَّ بعضَ بُلَغاءِ الأمصارِ سُئلَ عنِ الهِلْباجة، فقال: هو الَّذي لا يَرْعَوِي لعَذْلِ العاذِل، ولا يُصْغي إلىٰ وَعْظِ الواعظ، يَنظُرُ بعَيْنِ حَسُود، ويُعْرِضُ إعراضَ حَقُود، [يتكلَّمُ مع كلِّ لسان، ويَهُبُّ مع كلِّ ريح، ويَنْفُقُ في كلِّ سُوق]، إنْ سألَ أَلْحَف، وإنْ سُئلَ سَوَّف، وإنْ حدَّثَ حَلَف، وإنْ وَعَدَ أخْلَف، وإنْ زَجَرَ عَنَّف، [وإنْ زُجِرَ أَنِف]، وإنْ قَدَرَ عَسَف، وإنِ احْتَمَلَ أسَفَّ، وإنِ اسْتَغْنىٰ بَطِر، وإنِ افْتَقرَ قَنِط، وإنْ فَرِحَ أَشِر، وإنْ حَزِنَ يَئِس، وإنْ ضَحِكَ زَأَر، وإنْ بكىٰ جَأَر، وإنْ حَكَمَ جارَ، [وإنْ بُدِهَ حارَ، وإنِ ابْتَدأَ غَلِط، وإنِ اقْتَرَحَ سَخِط].

وإنْ قدَّمْتَه تأخَّر، وإنْ أخَّرْتَه تقدَّم، وإنْ أعطاكَ مَنَّ عليك، وإنْ أعطَيْتَه لم يشكُرْك، وإنْ أسْرَرْتَ إليه خانَك، وإن أسَرَّ إليكَ اتَّهَمَك، وإنْ صارَ فوقَكَ قَهَرَك، وإنْ صارَ دُونَكَ حَسَدَك، وإنْ وَثِقْتَ به خانَك، وإنِ انْبسَطْتَ إليه شانَك، وإنْ أكرمْتَه أهانَك، وإنْ غابَ عنه الصَّديقُ سَلَاه، وإنْ حَضَرَهُ قَلَاه، وإنْ فاتَحَه لم يُجِبْه، وإنْ أمْسَكَ عنه لم يَبْدَأْه، [وإنْ صالَ أكْثَر، وإنْ قالَ أهْجَر]، وإنْ بُدِئَ بالوُدِّ هَجَر، وإنْ بُدِئَ بالبِرِّ جَفَا.

وإنْ تكلَّمَ فَضَحَه [الهُجْر، وإنْ سَكَتَ هَتَكَه] العِيُّ، وإنْ عَمِلَ قصَّرَ به الجهل، وإنِ اؤْتُمِنَ غَدَر، وإنْ أجارَ أخْفَر، وإنْ عاهدَ نَكَثَ، وإنْ حَلَفَ حَنِثَ، [يَرَى البُخلَ حَزْمًا، والسَّفاهةَ غُنْمًا، يقولُ قبلَ أنْ يَفْهم، ويَعْزِمُ قبلَ أنْ يُفكِّر، ويَحْمَدُ قبلَ أنْ يُجَرِّب، ويَذُمُّ بعدَ أنْ يَحْمَد، لا ينتهي بالزَّجْر، ولا يكافِئُ علىٰ خيرٍ ولا شرّ]، ولا يَصْدُرُ عنه آمِلٌ إلَّا بخَيْبة، ولا يُضْطَرُّ إليه حُرٌّ إلَّا بمِحْنة، [يتمنَّىٰ جارُه منه الوَحْدة، وتأخُذُ جليسَه منه الوَحْشة، تَوَدُّ أُمُّه ثُكْلَه، وتتمنَّىٰ عِرْسُه فَقْدَه].

[وصفُ أعرابيٍّ آخَر]

قالَ خَلَفٌ الأحمر: سألْتُ أعرابيًّا عنِ الهِلْباجة، فقال: هو الأحمقُ، الضَّخمُ، الفَدْمُ، الأكُولُ، الَّذي.. والَّذي.. ثمَّ جعلَ يَلْقاني بعدَ ذلكَ ويزيدُ في التَّفسيرِ كلَّ مرَّةٍ شيئاً، ثمَّ قالَ لي بعدَ حينٍ ـ وأرادَ الخروجَ ـ : هوَ الَّذي جَمَعَ كلَّ شَرٍّ!!

التوثيق

أجْوَدُ مِنْ حاتِم

مثلٌ عربي

هوَ حاتِمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سَعْدِ بنِ الحَشْرَج، كانَ جواداً شجاعاً شاعراً مُظَفَّراً؛ إذا قاتلَ غَلَب، وإذا غَنِمَ أنْهَب، وإذا سُئِلَ وَهَب، وإذا ضَرَبَ بالقِداحِ سَبَق، وإذا أسَرَ أطْلَق، وإذا أثْرَىٰ أنْفَق، وكانَ أقسمَ باللهِ لا يَقْتُلُ واحدَ أمِّه.

ومِنْ حديثِه

أنَّه خرجَ في الشهرِ الحرامِ يَطلُبُ حاجةً، فلمَّا كانَ بأرضِ عَنَزَةَ ناداهُ أسيرٌ لهم: يا أبا سَفَّانة، أكَلَنِي الإسارُ والقَمْل. فقال: وَيْحَك! ما أنا في بلادِ قومي، وما معيَ شيءٌ، وقد أسَأْتَ بي إذْ نَوَّهْتَ باسْمِي، وما لَكَ مَتْرَك. ثمَّ ساومَ به العَنَزِيِّينَ واشتراهُ منهم، فخلَّاهُ وأقامَ مكانَه في قِدِّه، حتىٰ أتىٰ بفدائه فأدَّاه إليهم.

ومِنْ حديثِه

أنَّ ماوِيَّةَ امرأةَ حاتمٍ حدَّثَتْ: أنَّ النَّاسَ أصابَتْهم سَنَةٌ، فأذهبَتِ الخُفَّ والظِّلْفَ، فبِتْنا ذاتَ لَيْلةٍ بأشدِّ الجوع، فأخذَ حاتمٌ عَدِيًّا وأخذْتُ سَفَّانةَ، فعَلَّلْناهما حتَّى ناما، ثمَّ أخذَ يُعَلِّلُني بالحديثِ لأنام، فرَقَقْتُ له لِمَا به منَ الجَهْد، فأمسكْتُ عن كلامِه لينامَ ويَظُنَّ أنِّي نائمة، فقالَ لي: أنِمْتِ؟ مِرارًا، فلم أُجِبْه، فسكتَ.

ونظرَ مِنْ وراءِ الخِباءِ فإذا شيءٌ قد أقبلَ، فرفعَ رأسَه فإذا امرأةٌ تقول: يا أبا سَفَّانة، أتَيْتُكَ مِنْ عندِ صِبْيةٍ جِياع. فقال: أحْضِرِيني صِبْيانَكِ، فَوَ اللهِ لَأُشْبِعَنَّهم. قالت: فقُمْتُ مُسْرِعةً، فقلتُ: بماذا يا حاتم؟ فَوَ اللهِ ما نامَ صِبْيَانُكَ منَ الجوعِ إلَّا بالتَّعْلِيل! فقامَ إلىٰ فَرَسِه فذَبَحَه، ثمَّ أجَّجَ نارًا ودفعَ إليها شَفْرةً، وقال: اشْتَوِي وكُلِي وأطْعِمِي ولدَك. وقالَ لي: أيْقِظِي صِبْيَتَك. فأيقظْتُهما.

ثمَّ قال: واللهِ إنَّ هذا لَلُؤْمٌ؛ أنْ تأكُلُوا وأهلُ الصِّرْمِ حالُهم كحالِكم. فجَعَلَ يأتي الصِّرْمَ بيتًا بيتًا ويقول: عليكمُ النَّارَ.. فاجتمَعُوا وأكلُوا، وتَقَنَّعَ بكِسائه وقَعَدَ ناحيةً، حتَّىٰ لم يوجَدْ منَ الفَرَسِ على الأرضِ قليلٌ ولا كثير، ولم يَذُقْ منه شيئاً.

التوثيق