أحاديثُ المسجديِّين (2)

أبو عثمان الجاحظ

قالَ شيخٌ منهم: يا قَوْمُ، لا تَحْقِرُوا صِغارَ الأُمُور؛ فإنَّ أوَّلَ كلِّ كبيرٍ صغيرٌ، ومتىٰ شاءَ اللهُ أنْ يُعظِّمَ صغيرًا عَظَّمَه، وأنْ يُكثِّرَ قليلًا كَثَّرَه. وهلْ بُيوتُ الأموالِ إلَّا دِرهمٌ علىٰ دِرهم؟! وهلِ الدِّرهمُ إلَّا قِيراطٌ إلىٰ جَنْبِ قِيراط؟! أوَ ليسَ كذلك رَمْلُ عالِجٍ وماءُ البحر؟ وهلِ اجْتَمعَتْ أموالُ بُيوتِ الأموالِ إلَّا بدِرهمٍ مِن هاهنا، ودِرهمٍ مِن هاهنا؟!

قدْ رأيْتُ صاحبَ سَقَطٍ قدِ اعْتَقَدَ مئةَ جَرِيبٍ في أرضِ العرب، ولَربَّما رأيْتُه يبيعُ الفُلْفُلَ بقِيراطٍ والحِمِّصَ بقِيراط، فأعْلَمُ أنَّه لم يَربَحْ في ذلك الفُلْفُلِ إلَّا الحَبَّةَ والحَبَّتَيْنِ مِن خشبِ الفُلْفُل، فلمْ يَزَلْ يَجمعُ منَ الصِّغارِ الكِبارَ، حتَّى اجتَمعَ ما اشترىٰ به مئةَ جَرِيب.

 الدَّاءُ والدَّواء

ثمَّ قال: اشتكيْتُ أيَّامًا صَدْري، مِن سُعالٍ كانَ أصابَني، فأمَرَني قومٌ بالفانِيذِ السُّكَّريِّ، وأشارَ عليَّ آخَرونَ [بالحَرِيرةِ] تُتَّخَذُ منَ [النَّشاسْتَجِ] والسُّكَّرِ ودُهْنِ اللَّوزِ، وأشباهِ ذلك. فاستَثْقَلْتُ المَؤُونةَ، وكَرِهْتُ الكُلْفةَ، ورَجَوْتُ العافيةَ.

فبَيْنا أنا أُدافِعُ الأيَّامَ، إذْ قالَ لي بعضُ المُوَفَّقِين: عليكَ بماءِ النُّخالة؛ فاحْسُه حارًّا. فحَسَوْتُ، فإذا هو طيِّبٌ جِدًّا، وإذا هو يَعْصِمُ؛ فما جُعْتُ ولا اشتَهَيْتُ الغَداءَ في ذلك اليومِ إلى الظُّهر. ثمَّ ما فَرَغْتُ مِن غَدائي وغَسْلِ يدَيَّ حتَّىٰ قاربْتُ العَصْر، فلمَّا قَرُبَ وقتُ غَدائي مِن وقتِ عَشائي، طَوَيْتُ العَشاءَ، وعَرفْتُ قَصْدي.

بابٌ منَ الاقتصاد!

فقلتُ للعَجُوز: لِمَ لا تَطبُخِينَ لعِيالِنا في كلِّ غَداةٍ نُخالةً؟ فإنَّ ماءَها جِلاءٌ للصَّدْر، وقُوتَها غِذاءٌ وعِصْمةٌ، ثمَّ تُجفِّفِينَ بَعْدُ النُّخالةَ فتعودُ كما كانتْ، فتَبِيعِينَه إذا اجتمعَ بمِثْلِ الثَّمنِ الأوَّل، ونكونُ قدْ رَبِحْنا فَضْلَ ما بينَ الحالَيْن.

فقالتْ: أرجو أنْ يكونَ اللهُ قدْ جَمعَ لكَ بهذا السُّعالِ مَصالِحَ كثيرةً؛ لِمَا فَتحَ اللهُ لكَ بهذه النُّخالةِ الَّتي فيها صلاحُ بَدَنِك، وصلاحُ مَعاشِك.

وما أشُكُّ أنَّ تلك المَشُورةَ كانتْ منَ التَّوفيق!

قالَ القَوم: صَدَقْتَ؛ مِثْلُ هذا [لا] يُكتسَبُ بالرَّأي، ولا يكونُ إلَّا سَماوِيًّا!

 مُعْضِلةٌ باهِظة

ثمَّ أقْبَلَ عليهم شيخٌ آخَرُ؛ فقال: كُنَّا نَلْقىٰ منَ الحُرَّاقِ والقَدَّاحةِ جَهْدًا؛ لأنَّ الحِجارةَ كانتْ إذا انكسرَتْ حُروفُها واستدارَتْ، كَلَّتْ ولمْ تَقْدَحْ قَدْحَ خَيْرٍ، وأصْلَدَتْ فلمْ تُورِ، ورُبَّما أعْجَلَنا المطرُ والوَكْف.

وقدْ كانَ الحجَرُ أيضًا يأخذُ مِن حُروفِ القَدَّاحةِ حتَّىٰ يَدَعَها كالقَوْس، فكنتُ أشتري المَرْقَشِيثا بالغَلاء، والقَدَّاحةَ الغَليظةَ بالثَّمنِ المُوجِع. وكانَ علينا أيضًا في صَنْعةِ الحُرَّاقِ وفي مُعالَجةِ العُطْبةِ مُؤْنةٌ، وله رِيحٌ كَرِيهة. والحُرَّاقُ لا يَجِيءُ منَ الخِرَقِ المَصْبُوغة، ولا منَ الخِرَقِ الوَسِخة، ولا منَ الكَتَّان، ولا منَ الخُلْقان؛ فكُنَّا نَشْتريه بأغلى الثَّمن.

القَدَّاحةُ العجيبة!

فتَذاكَرْنا منذُ أيَّامٍ أهلَ البَدْوِ والأعْرابَ، وقَدْحَهمُ النَّارَ بالمَرْخِ والعَفَار، فزَعَمَ لنا صديقُنا الثَّوْريُّ، وهو ـ ما عَلِمْتُ ـ أحدُ المُرْشَدِين: أنَّ عَراجِينَ الأعْذاقِ تَنُوبُ عنْ ذلك أجْمَعَ، وعلَّمَني كيفَ تُعالَجُ. ونحنُ نُؤْتىٰ بها مِن أرضِنا بلا كُلْفة، فالخادمُ اليومَ لا تَقْدَحُ ولا تُورِي إلَّا بالعُرْجُون.

قالَ القَوم: قدْ مرَّتْ بنا اليومَ فوائدُ كثيرة؛ ولهذا ما قالَ الأوَّلُ: «مُذاكَرةُ الرِّجالِ تُلَقِّحُ الألْبابَ»!

التوثيق

أحاديثُ المسجديِّين (1)

أبو عثمان الجاحظ

قالَ أصحابُنا منَ المَسْجِدِيِّين: اجتمعَ ناسٌ في المَسْجِد، ممَّنْ يَنْتَحِلُ الاقتصادَ في النَّفَقة، والتَّثْمِيرَ للمال، مِن أصحابِ الجَمْعِ والمَنْع. وقدْ كانَ هذا المَذْهَبُ عندَهم كالنَّسَبِ الَّذي يَجْمعُ على التَّحابِّ، وكالحِلْفِ الَّذي يَجْمعُ على التَّناصُر، وكانُوا إذا الْتَقَوْا في حِلَقِهم تذاكَرُوا هذا البابَ، وتطارَحُوه وتدارَسُوه؛ التِماسًا للفائدة، واستمتاعًا بذِكْرِه.

 حديثُ الشَّيخِ والحمار

فقالَ شيخٌ منهم: ماءُ بِئْرِنا ـ كما قدْ عَلِمْتُم ـ [مِلْحٌ] أُجاج، لا يَقْرَبُه الحمار، ولا تُسِيغُه الإبِل، وتموتُ عليه النَّخْل، والنَّهرُ منَّا بعيد، وفي تَكلُّفِ العَذْبِ علينا مَؤُونة. فكُنَّا نَمْزُجُ منه للحمار؛ فاعْتَلَّ منه، وانْتَقَضَ علينا مِن أجْلِه، فصِرْنا بعدَ ذلك نَسقِيه العَذْبَ صِرْفًا. وكنتُ أنا والنَّعْجةُ كثيرًا ما نغتسلُ بالعَذْب؛ مَخافةَ أنْ يعتريَ جُلودَنا منه مِثْلُ ما اعترىٰ جَوْفَ الحمار، فكانَ ذلك الماءُ العَذْبُ الصَّافي يذهبُ باطلًا.

الحاجةُ أُمُّ الاختراع

ثمَّ انفتحَ لي فيه بابٌ منَ الإصلاح؛ فعَمَدْتُ إلىٰ ذلك المُتَوَضَّأ، فجَعلْتُ في ناحيةٍ منه حُفْرةً، وصَهْرَجْتُها ومَلَّسْتُها، حتَّىٰ صارَتْ كأنَّها صخرةٌ مَنْقُورة، وصَوَّبْتُ إليها المَسِيلَ، فنحنُ الآنَ إذا اغتسَلْنا صارَ الماءُ إليها صافيًا، لم يخالِطْه شيءٌ… والحمارُ أيضًا لا تَقَزُّزَ له مِن ماءِ الجَنابة، وليسَ علينا حَرَجٌ في سَقْيِه منه، وما عَلِمْنا أنَّ كتابًا حَرَّمَه، ولا سُنَّةً نَهَتْ عنه. فرَبِحْنا هذه منذُ أيَّام، وأسقَطْنا مُؤْنةً عنِ النَّفْسِ والمال.

قالَ القومُ: هذا بتوفيقِ اللهِ ومَنِّه!

 حديثُ مريمَ الصَّنَاع

فأقبلَ عليهم شيخٌ، فقال: هلْ شَعَرْتُم بموتِ مريمَ الصَّنَاع؟ فإنَّها كانتْ مِن ذواتِ الاقتصاد، وصاحبةَ إصلاح. قالُوا: فحَدِّثْنا عنها. قال: نوادرُها كثيرة، وحديثُها طويل، ولكنِّي أُخبِرُكم عنْ واحدةٍ فيها كِفاية. قالُوا: وما هي؟

قال: زَوَّجَتِ ابنتَها، وهي بنتُ اثْنَتَيْ عَشْرةَ سنةً، فحَلَّتْها الذَّهبَ والفِضَّة، وكَسَتْها المَرْوِيَّ والوَشْيَ، والقَزَّ والخَزَّ، وعلَّقَتِ المُعَصْفَرَ، ودَقَّتِ الطِّيبَ، وعَظَّمَتْ أمْرَها في عينِ الخَتَن، ورَفعَتْ مِن قَدْرِها عندَ الأحْماء. فقالَ لها زوجُها: أنَّىٰ لكِ هذا يا مريمُ؟! قالتْ: هو مِن عندِ الله!

قال: دَعِي عنكِ الجُمْلةَ، وهاتي التَّفسيرَ.. واللهِ ما كنتِ [ذاتَ] مالٍ قديمًا، ولا وَرِثْتِه حديثًا، وما أنتِ بخائنةٍ في نَفْسِك، ولا في مالِ بَعْلِك، إلَّا أنْ تكوني قدْ وَقعْتِ علىٰ كَنْز! وكيفَ دارَ الأمرُ، فقدْ أسقَطْتِ عنِّي مُؤْنةً، وكَفَيْتِني هذه النَّائبة.

القليلُ مع القليلِ كثيرٌ!

قالتْ : اعلَمْ أنِّي منذُ يومِ وَلَدْتُها إلىٰ أنْ زوَّجْتُها، كنتُ أرفعُ مِن دقيقِ كلِّ عَجْنةٍ حَفْنةً، وكُنَّا ـ كما قدْ عَلِمْتَ ـ نَخْبِزُ في كلِّ يومٍ مرَّةً، فإذا اجتمعَ مِن ذلك مَكُّوكٌ بِعْتُه.

فقالَ لها زوجُها: ثبَّتَ اللهُ رأيَكِ وأرشدَك! ولقدْ أسعدَ اللهُ مَنْ كنتِ له سَكَنًا، وباركَ لمَنْ جُعِلْتِ له إلْفًا. ولهذا وشِبْهِه قالَ رسولُ اللهِ : «مِنَ الذَّوْدِ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ»!! وإنِّي لَأَرجو أنْ يَخرُجَ وَلَدُكِ علىٰ عِرْقِكِ الصَّالح، وعلىٰ مَذهبِكِ المحمود، وما فَرَحي بهذا منكِ بأشَدَّ مِن فَرَحي بما يُثَبِّتُ اللهُ بكِ في عَقِبي مِن هذه الطَّريقةِ المَرْضِيَّة!

فنهضَ القومُ بأجْمَعِهم إلىٰ جِنازتِها، وصَلَّوْا عليها، ثمَّ انْكَفَؤُوا إلىٰ زوجِها، فعَزَّوْه علىٰ مُصِيبتِه، وشارَكُوه في حزنِه.

التوثيق
زيادة بيان: