اقتباس

روحُ الغرب

إنَّ روحَ الغربِ صديقٌ وعدوٌّ لنا: صديقٌ إذا تمكَّنَّا منه، وعدوٌّ إذا تمكَّنَ منَّا. صديقٌ إذا فَتَحْنا له قلوبَنا، وعدوٌّ إذا وَهَبْنا له قلوبَنا. صديقٌ إذا أخَذْنا منه ما يوافقُنا، وعدوٌّ إذا وَضَعْنا نفوسَنا في الحالةِ الَّتي توافقُه.

جبران

جبران خليل جبران
(ت 1349ھ)

أحاديثُ المسجديِّين (1)

أبو عثمان الجاحظ

قالَ أصحابُنا منَ المَسْجِدِيِّين: اجتمعَ ناسٌ في المَسْجِد، ممَّنْ يَنْتَحِلُ الاقتصادَ في النَّفَقة، والتَّثْمِيرَ للمال، مِن أصحابِ الجَمْعِ والمَنْع. وقدْ كانَ هذا المَذْهَبُ عندَهم كالنَّسَبِ الَّذي يَجْمعُ على التَّحابِّ، وكالحِلْفِ الَّذي يَجْمعُ على التَّناصُر، وكانُوا إذا الْتَقَوْا في حِلَقِهم تذاكَرُوا هذا البابَ، وتطارَحُوه وتدارَسُوه؛ التِماسًا للفائدة، واستمتاعًا بذِكْرِه.

 حديثُ الشَّيخِ والحمار

فقالَ شيخٌ منهم: ماءُ بِئْرِنا ـ كما قدْ عَلِمْتُم ـ [مِلْحٌ] أُجاج، لا يَقْرَبُه الحمار، ولا تُسِيغُه الإبِل، وتموتُ عليه النَّخْل، والنَّهرُ منَّا بعيد، وفي تَكلُّفِ العَذْبِ علينا مَؤُونة. فكُنَّا نَمْزُجُ منه للحمار؛ فاعْتَلَّ منه، وانْتَقَضَ علينا مِن أجْلِه، فصِرْنا بعدَ ذلك نَسقِيه العَذْبَ صِرْفًا. وكنتُ أنا والنَّعْجةُ كثيرًا ما نغتسلُ بالعَذْب؛ مَخافةَ أنْ يعتريَ جُلودَنا منه مِثْلُ ما اعترىٰ جَوْفَ الحمار، فكانَ ذلك الماءُ العَذْبُ الصَّافي يذهبُ باطلًا.

الحاجةُ أُمُّ الاختراع

ثمَّ انفتحَ لي فيه بابٌ منَ الإصلاح؛ فعَمَدْتُ إلىٰ ذلك المُتَوَضَّأ، فجَعلْتُ في ناحيةٍ منه حُفْرةً، وصَهْرَجْتُها ومَلَّسْتُها، حتَّىٰ صارَتْ كأنَّها صخرةٌ مَنْقُورة، وصَوَّبْتُ إليها المَسِيلَ، فنحنُ الآنَ إذا اغتسَلْنا صارَ الماءُ إليها صافيًا، لم يخالِطْه شيءٌ… والحمارُ أيضًا لا تَقَزُّزَ له مِن ماءِ الجَنابة، وليسَ علينا حَرَجٌ في سَقْيِه منه، وما عَلِمْنا أنَّ كتابًا حَرَّمَه، ولا سُنَّةً نَهَتْ عنه. فرَبِحْنا هذه منذُ أيَّام، وأسقَطْنا مُؤْنةً عنِ النَّفْسِ والمال.

قالَ القومُ: هذا بتوفيقِ اللهِ ومَنِّه!

 حديثُ مريمَ الصَّنَاع

فأقبلَ عليهم شيخٌ، فقال: هلْ شَعَرْتُم بموتِ مريمَ الصَّنَاع؟ فإنَّها كانتْ مِن ذواتِ الاقتصاد، وصاحبةَ إصلاح. قالُوا: فحَدِّثْنا عنها. قال: نوادرُها كثيرة، وحديثُها طويل، ولكنِّي أُخبِرُكم عنْ واحدةٍ فيها كِفاية. قالُوا: وما هي؟

قال: زَوَّجَتِ ابنتَها، وهي بنتُ اثْنَتَيْ عَشْرةَ سنةً، فحَلَّتْها الذَّهبَ والفِضَّة، وكَسَتْها المَرْوِيَّ والوَشْيَ، والقَزَّ والخَزَّ، وعلَّقَتِ المُعَصْفَرَ، ودَقَّتِ الطِّيبَ، وعَظَّمَتْ أمْرَها في عينِ الخَتَن، ورَفعَتْ مِن قَدْرِها عندَ الأحْماء. فقالَ لها زوجُها: أنَّىٰ لكِ هذا يا مريمُ؟! قالتْ: هو مِن عندِ الله!

قال: دَعِي عنكِ الجُمْلةَ، وهاتي التَّفسيرَ.. واللهِ ما كنتِ [ذاتَ] مالٍ قديمًا، ولا وَرِثْتِه حديثًا، وما أنتِ بخائنةٍ في نَفْسِك، ولا في مالِ بَعْلِك، إلَّا أنْ تكوني قدْ وَقعْتِ علىٰ كَنْز! وكيفَ دارَ الأمرُ، فقدْ أسقَطْتِ عنِّي مُؤْنةً، وكَفَيْتِني هذه النَّائبة.

القليلُ مع القليلِ كثيرٌ!

قالتْ : اعلَمْ أنِّي منذُ يومِ وَلَدْتُها إلىٰ أنْ زوَّجْتُها، كنتُ أرفعُ مِن دقيقِ كلِّ عَجْنةٍ حَفْنةً، وكُنَّا ـ كما قدْ عَلِمْتَ ـ نَخْبِزُ في كلِّ يومٍ مرَّةً، فإذا اجتمعَ مِن ذلك مَكُّوكٌ بِعْتُه.

فقالَ لها زوجُها: ثبَّتَ اللهُ رأيَكِ وأرشدَك! ولقدْ أسعدَ اللهُ مَنْ كنتِ له سَكَنًا، وباركَ لمَنْ جُعِلْتِ له إلْفًا. ولهذا وشِبْهِه قالَ رسولُ اللهِ : «مِنَ الذَّوْدِ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ»!! وإنِّي لَأَرجو أنْ يَخرُجَ وَلَدُكِ علىٰ عِرْقِكِ الصَّالح، وعلىٰ مَذهبِكِ المحمود، وما فَرَحي بهذا منكِ بأشَدَّ مِن فَرَحي بما يُثَبِّتُ اللهُ بكِ في عَقِبي مِن هذه الطَّريقةِ المَرْضِيَّة!

فنهضَ القومُ بأجْمَعِهم إلىٰ جِنازتِها، وصَلَّوْا عليها، ثمَّ انْكَفَؤُوا إلىٰ زوجِها، فعَزَّوْه علىٰ مُصِيبتِه، وشارَكُوه في حزنِه.

التوثيق
زيادة بيان:

الجزء الثاني

الكبشُ الآبق

محمود غُنيم

الكَبْشُ شَقَّ العَصا يومًا علَى الرَّاعي
وقالَ للشَّاءِ: أنتمْ بعضُ أتباعي!1
حتَّىٰ أحَسَّ عَصا الرَّاعي تُؤدِّبُهُ
كما يُؤدَّبُ عَبْدٌ غيرُ مِطْواعِ
فلاذَ بالذِّئبِ، يَدْعُوهُ لنَجْدتِهِ
ومَنْ سِواهُ يُلَبِّي دَعْوةَ الدَّاعي؟!2
تناوَلَ الذِّئبُ قَرْنَيْهِ، وقالَ لهُ:
أقْبِلْ علَى الرُّحْبِ، يا رِيمًا علَى القاعِ!3
وسَخَّرَ الكَبْشَ في صَيْدِ الشِّياهِ لهُ
فجَدَّ في السَّعْيِ.. ضَلَّ السَّعْيُ والسَّاعي!
وظَلَّ يَرْتَعُ حِينًا تحتَ رايتِهِ
ويأكلُ الحَبَّ بالقِنْطارِ لا الصَّاعِ4
حتَّىٰ إذا الصَّيْدُ أعْيَا الكَبْشَ، مَزَّقَهُ
بمِخْلَبٍ مِثْلِ حَدِّ السَّيْفِ قَطَّاعِ5
فلا القَطِيعُ بَكاهُ يومَ مَصْرَعِهِ
ولا الذِّئابُ نَعاهُ منهمُ ناعِ
وهكذا راحَ ذُو القَرْنَيْنِ مَوْعِظةً
وعِبْرةً ما وَعىٰ أمْثالَها واعِ
لنْ يَنْفِيَ الكَبْشَ راعِيهِ فتُنْزِلَهُ
منها الذِّئابُ بأبصارٍ وأسماعِ!

شرح الغريب (1-5)

• الآبِق: الهارب، وشاع إطلاق هذه الصفة قديمًا على العبد الهارب من سيِّده.

  1. شقَّ العصا: خالفَ الجماعةَ وفرَّقها. الشاء: ج الشاة.
  2. لاذَ به: التجأَ إليه، واحتمى به.
  3. الرُّحْب: السَّعَة. الرِّيم: الظبي الخالص البياض. القاع: الأرض الملساء.
  4. يرتعُ: يرعى في خِصْبٍ وسَعَة. القنطار: معيارٌ يعادلُ مئةَ رطلٍ (في مصر). الصاع: مكيالٌ يعادلُ أربعةَ أمداد، وكلُّ مُدٍّ رطلٌ وثلث.
  5. أعياه: أعْجَزَه؛ فلم يهتدِ لوجهه.
ترجمة غنيم:
محمود غنيم
محمود غنيم (ت 1392ھ/ 1972م): شاعر مصري مدرس، ولد ونشأ في قرية (كوم حمادة)، وتخرج بدار العلوم، وعمل في التدريس، ثم كان مفتشًا للتعليم الأجنبي. عالج الشعر من صغره، وفاز بالجوائز. له: (صرخة في واد) ديوان شعر، و(في ظلال الثورة) ديوان ثان، [و(رجع الصدى) ديوان ثالث طبع بعد وفاته]، ومسرحيات شعرية عديدة. قيل في وصف أسلوبه الشعري: إنه خليفة حافظ إبراهيم.
التوثيق
دراسة حالة

في (التمثيل)

ضياء الدين بن الأثير

هوَ التَّشبيهُ علىٰ سبيلِ الكِناية؛ وذلك أنْ تُرادَ الإشارةُ إلىٰ معنًى، [فتوضعَ] ألفاظٌ تَدُلُّ علىٰ معنًى آخَر، وتكونَ تلك الألفاظُ وذلك المعنىٰ مثالًا للمعنى الَّذي قُصِدَتِ الإشارةُ إليه والعبارةُ عنه؛ كقولِنا: «فلانٌ نقيُّ الثَّوبِ»؛ أي: منزَّهٌ عنِ العيوب.

وللكلامِ بها فائدةٌ لا تكونُ لو قَصَدْتَ المعنىٰ بلفظِه الخاصِّ؛ وذلك لِما يَحصُلُ للسَّامعِ مِن زيادةِ التَّصوُّرِ للمدلولِ عليه؛ لأنَّه إذا صَوَّرَ [في] نفسِه مثالَ ما خُوطِبَ به، كانَ أسرعَ إلى الرَّغبةِ فيه أوِ الرَّغبةِ عنه.

تحليلُ آيةِ الغِيبة

فمِن بديعِ التَّمثيلِ قولُه تعالىٰ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ [الحجرات: 12]؛ [فإنَّه كنىٰ عنِ الغِيبةِ بأكلِ الإنسانِ لحمَ إنسانٍ آخرَ مِثْلِه]، ثمَّ لم يَقتصِرْ علىٰ ذلك حتَّىٰ جعلَه لحمَ الأخ، ولم يَقتصِرْ علىٰ لحمِ الأخِ حتَّىٰ جعلَه ميِّتًا، ثمَّ جعلَ ما هو في الغايةِ منَ الكراهةِ موصولًا بالمحبَّة! وهذه أربعُ دلالاتٍ واقعةٌ علىٰ ما قُصِدَتْ له، مطابقةٌ المعنى الَّذي وَرَدَتْ لأجْلِه.

 فأمَّا تمثيلُه الاغتيابَ بأكلِ لحمِ إنسانٍ آخرَ مِثْلِه: [﴿أَن يَأۡكُلَ﴾]، فشديدُ المناسبةِ جدًّا؛ وذلك لأنَّ الاغتيابَ إنَّما هو ذِكْرُ مَثالِبِ النَّاسِ وتمزيقُ أعراضِهم، وتمزيقُ العِرْضِ مماثِلٌ لأكلِ الإنسانِ لحمَ مَنْ يغتابُه؛ لأنَّ أكْلَ اللَّحمِ فيه تمزيقٌ لا مَحالة.

 وأمَّا قولُه: ﴿لَحۡمَ أَخِيهِ﴾ فلِما في الاغتيابِ منَ الكراهة؛ لأنَّ العقلَ والشَّرعَ معًا قد أجْمَعا على اسْتِكراهِه، وأمَرا بتركِه والبعدِ عنه. ولمَّا كانَ كذلك جُعِلَ بمنزلةِ لحمِ الأخِ في كراهتِه، ومنَ المعلومِ أنَّ لحمَ الإنسانِ مُسْتَكْرَهٌ عندَ إنسانٍ آخرَ مِثْلِه، إلَّا أنَّه لا يكونُ مِثْلَ كراهتِه لحمَ أخيه؛ فهذا القولُ مبالغةٌ في استكراهِ الغِيبة، لا أمَدَ فوقَها.

 وأمَّا قولُه: ﴿مَيۡتٗا﴾ فلأجْلِ أنَّ المغتابَ لا يَشعُرُ بغِيبتِه ولا يُحِسُّ.

 وأمَّا جَعْلُه ما هو في الغايةِ منَ الكراهةِ موصولًا بالمحبَّةِ [في قولِه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ﴾]، فلِما جُبِلَتْ عليه النُّفوسُ منَ الميلِ إلى الغِيبةِ والشَّهوةِ لها، مع العلمِ بأنَّها مِن أذمِّ الخِلال، ومكروهِ الأفعال، عندَ اللهَِ تعالىٰ والنَّاس.

الخلاصة

فانْظُرْ أيُّها المتأمِّلُ لهذا التَّمثيلِ كيفَ مطابقتُه لِما مُثِّلَ به، تَجِدْه مِن أبلغِ التَّمثيلاتِ وأندرِها مثالًا؛ لأنَّك متىٰ نظرْتَ إلىٰ كلِّ واحدةٍ مِن تلك الدَّلالاتِ الأربعِ الَّتي أورَدْناها، رأيْتَها مناسِبةً لِما قُصِدَتْ له: فتمزيقُ العِرْضِ مِثْلُ أكْلِ الإنسانِ لحمَ مَنْ يغتابُه؛ لأنَّ ذلك تمزيقٌ على الحقيقة، وجُعِلَ بمنزلةِ (لحمِ الأخِ) لأجلِ المبالغةِ في الكراهة، و(الميِّتِ) لامتناعِ الإحساسِ به، واتصالُ ما هو مُسْتَكْرَهٌ بالمحبَّةِ؛ لِما في طبعِ الأنفسِ منَ الشَّهوةِ للغِيبةِ والميلِ إليها. فاعْرِفْ ذلك.

التوثيق

أصدقاءُ بالاسم!

ابن الرومي

ولي أصدقاءُ كثيرُو السَّلامِ
عليَّ، وما فيهمُ نافعُ
إذا أنا أدْلَجْتُ في حاجةٍ
لها مَطْلَبٌ نازِحٌ شاسِعُ1
فلي أبدًا معَهمْ وَقْفةٌ
وتسليمةٌ وقتُها ضائعُ
وفي مَوْقفِ المَرْءِ عنْ حاجةٍ
تَيَمَّمَها شاغلٌ قاطعُ2
تَرىٰ كلَّ غَثٍّ كثيرِ الفُضُو
لِ، مُصْحَفُه مُصْحَفٌ جامعُ3
يقولُ الضَّميرُ لهُ طالِعًا:
ألَا قُبِّحَ الرَّجُلُ الطالعُ!
يُحَدِّثُني مِنْ أحاديثِهِ
بما لا يَلَذُّ بهِ السَّامعُ
أحاديثُ هُنَّ كمِثْلِ الضَّرِيـ
ـعِ آكِلُهُ أبدًا جائعُ4
غَدَوْتُ وفي الوقتِ لي فُسْحةٌ
فضاقَ بيَ المَهَلُ الواسعُ5
تَقدَّمْتُ فاعْتَاقَني أسْرُهُ
إلىٰ أنْ تَقدَّمَني التَّابعُ6
وفاتَتْ بلُقْيانِهِ حاجتي
ألَا هكذا النَّكِدُ البارعُ!7
أولئكَ لا حَيُّهمْ مُؤْنِسٌ
صديقًا، ولا مَيْتُهمْ فاجعُ!

شرح الغريب (1-7)

  1. أدلجَ: سارَ ليلًا. النازح والشاسع: البعيد.
  2. تيمَّمَ الحاجةَ: قصدَها.
  3. الغثُّ: الرديءُ الفاسد. المصحفُ الجامعُ: الذي يجمعُ سُوَرَ القرآنِ كلَّها، أو الذي يجمعُ عدَّةَ قراءات.
  4. الضريع: نبتٌ له شوك. يشير إلى قوله تعالى في أهل النار: ﴿لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ ٦ لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ ٧ [الغاشية].
  5. الفُسْحة: السَّعَة. المَهَل: التُّؤَدَة والرِّفْق.
  6. اعتاقَه عن الشيء: عاقَه؛ أي: منعَه منه، وشغلَه عنه.
  7. اللُّقْيان: اللِّقاء. النَّكِد: قليلُ النفع.
التوثيق
دراسة حالة

(الطبيعة) وما إليها

مجلة المنار

من القضايا المسلَّمة أنه لا مشاحّة في الاصطلاح، ولا مَنْدُوحة عن مراعاة ما يتواطؤ عليه الجمهور، ومجاراة الناس على ما يصطلحون عليه في كل زمان ومكان. وقد انطلقت ألسنة أهل هذا العصر وجرت أقلامهم بألفاظ؛ يريدون بها من المعاني غير ما تدلّ عليه في أصل اللغة أو في عرف العصور السالفة، ولهم ألفاظ أخرى جاءتهم من الفنون الحادثة والاكتشافات الجديدة، والكثير منها مما لم تستعمله العرب… [فمن ذلك]: لفظ الطبيعة، والطبيعي، والنواميس الطبيعية، وقوى الطبيعة.

أما لفظ (الطبيعة) فقد كان فيما مضى مما لا يكاد يستعمله إلا الأطباء والصوفية والفلاسفة، وأكثر من كان يستعمله الأطباء، ويطلق لفظ الطبيعة عندهم على عدة معان: على الهيئة التركيبية، وعلى المزاج الخاص بالبدن، وعلى القوة المدبِّرة، وعلى حركة النفس، وربما أُطلقت الطبيعة على النفس الناطقة باعتبار تدبيرها للبدن. وكان يطلق لقب الطبيعي على فرقة تعبد الطبائع الأربع، وعلى من ينسب كل شيء للطبيعة، كما يطلق على صاحب العلم الطبيعي.

وأما لفظ (الطبيعة) اليوم فهو كثير الدوران على ألسنة جميع الكتاب في الفنون العلمية والأدبية، حتى الشعراء والمترسِّلين، ويُجرونه على معناه اللغوي؛ وهو المخلوقات، أو الحالة التي هي عليها. وبيان ذلك: أن (الطبيعة) في اللغة بمعنى الخِلْقة والخليقة والفطرة؛ فخلقَ اللهُ الأشياءَ وفطرَها وطبعَها بمعنًى واحد، وإذا قلنا: إن هذا الشيء تقتضيه طبيعة الاجتماع الإنساني، فهو كما إذا قلنا: تقتضيه فطرة الله التي فطر الناس عليها، بلا فرق. وحاصل القول: أن لفظ (الطبيعة) حيث أُطلق فالمراد به الحالة التي طبعَ اللهُ الموجوداتِ عليها؛ أي: خلَقَهم، وتطلق على الموجودات أنفسها؛ فيقال: تأمّلْ محاسنَ الطبيعة؛ أي: المخلوقات.

وأما (الطبيعي) فهو المنسوب للطبيعة؛ كالخِلْقي نسبة للخِلْقة، ويستعمل في مقابلة (الصناعي)؛ فيراد به ما لا صُنع للبشر فيه؛ أي: في هيئته التركيبية؛ كالأشجار والبحار، ويطلق على العالِم بالفنون الطبيعية وإن كان متدينًا، ولا يطلق على الملحد من حيث إنه ملحد، وإن نسب الأشياء للطبيعة، واعتقد أنها موجدة لها ومؤثِّرة فيها من دون الله تعالى، بل يطلقون على من هذا شأنه لفظ: (الكافر) و(الدَّهْري) و(المادّي)؛ لأنه ينكر ما وراء المادة، فلا يعتقد بالإله ولا بالعالَم الآخر… وأكثر عامة بلادنا لايفهمون من لفظ الطبيعي إذا أطلق على إنسان إلا هذا المعنى الأخير.

ويدور هذا اللفظ على الألسنة كثيرًا في المحاورات المتعلقة بسائر الشؤون، ويراد به مجرّد التأكيد والتحقيق، أو أن هذا الشيء ظاهر بالبداهة؛ تراهم عند سماع شيء من المسلَّمات يقولون: «هذا طبيعي»؛ يعنون أنه بديهي أو محقَّق لا نزاع فيه، وأما العلماء والكتّاب فيعنون بقولهم: «هذا شيء طبيعي»: أن له سببًا طبيعيًّا يعلَّل به.

وأما (النواميس الطبيعية) فالمراد من الناموس: الطريقة الثابتة المطَّردة التي يحكم الله تعالى بها على الكون، وهو محرَّف عن لفظ (نومُس) اليوناني؛ ومعناه: الشريعة، وكثيرًا ما يدور على ألسنة الطبيعيين: «شريعة الطبيعة» و«الشرائع الطبيعية»، ويستعمله كتاب العربية في المقالات الأدبية والسياسية؛ مجاراة لهم وعملًا باصطلاحهم، وكان الأولى أن يترجَم لفظ (نومُس) بالسُّنَّة؛ فيقال: سُنَّة الطبيعة، والسُّنَن الطبيعية… وقد نعتاض عنه أحيانًا بقولنا: سُنَّة الكون، والسُّنَن الإلهية، وسُنَّة الله في خلقه.

وأما (القوى الطبيعية) فهي عبارة عما تُسند إليه الآثار الطارئة على الأجسام من حركة أو سكون؛ ومنها ما هو حقيقيٌّ كالقوة البخارية والكهربائية، وما هو فَرْضيٌّ كالجاذبية؛ فإن تعليل سقوط نحوِ الحجر من الهواء على الأرض بأنه سقط بقوة الجاذبية التي في مركز الأرض، يوهم أن هناك شيئًا موجودًا له هذا الفعل، وأنهم اطَّلعوا عليه وسمَّوه بهذا الاسم، وليس كذلك، بل إن هذه القوة مفروضة، والتسمية اصطلاحية، ولما كان الفعل الذي نُسب إليها يصدر عنها باطّراد، صحَّ إطلاق لفظ (الناموس) عليها؛ فقالوا: «ناموس جاذبية الثقل». ومثل هذا كثير.

التوثيق
زيادة بيان:

استبقاءُ الصاحب

الشريف الرضي

وكَمْ صاحِبٍ كالرُّمْحِ زاغَتْ كُعُوبُهُ
أبىٰ بعدَ طُولِ الغَمْزِ أنْ يتقَوَّما1
تقبَّلْتُ منهُ ظاهرًا مُتبَلِّجًا
وأدْمَجَ دُوني باطنًا مُتجَهِّما2
فأبْدىٰ كرَوْضِ الحَزْنِ [رَفَّتْ] فُرُوعُهُ
وأضْمرَ كاللَّيلِ الخُدارِيِّ مُظْلِما3
ولَوْ أنَّني كَشَّفْتُهُ عنْ ضَميرِهِ
أقمْتُ علىٰ ما بَيْنَنا اليومَ مَأْتَما4
فلا باسِطًا بالسُّوءِ إنْ ساءَني يدًا
ولا فاغِرًا بالذَّمِّ إنْ رابَني فَما5
كعُضْوٍ رَمَتْ فيهِ اللَّيالي بفادِحٍ
ومَنْ حَمَلَ العُضْوَ الأليمَ تألَّما6
إذا أمرَ الطَّبُّ اللَّبيبُ بقَطْعِهِ
أقولُ: عسىٰ ـ ضَنًّا بهِ ـ ولَعَلَّما!7
صَبَرْتُ علىٰ إيلامِهِ خَوْفَ نَقْصِهِ
ومَنْ لامَ مَنْ لا يَرْعَوِي كانَ ألْوَما!8
هيَ الكَفُّ مَضٌّ تَرْكُها بعدَ دائِها
وإنْ قُطِعَتْ شانَتْ ذِراعًا ومِعْصَما9
أراكَ علىٰ قَلْبي ـ وإنْ كنْتَ عاصِيًا ـ
أعَزَّ منَ القَلْبِ المُطيعِ وأكْرَما
حملْتُكَ حَمْلَ العَيْنِ لَجَّ بها القَذىٰ
ولا تَنْجَلي يومًا ولا تَبْلُغُ العَمىٰ!10
دَعِ المَرْءَ مَطْوِيًّا علىٰ ما ذَمَمْتَهُ
ولا تَنْشُرِ الدَّاءَ العُضالَ فتَنْدَما11
إذا العُضْوُ لمْ يُؤْلِمْكَ إلَّا قَطَعْتَهُ
علىٰ مَضَضٍ، لمْ تُبْقِ لحمًا ولا دَما!12
ومَنْ لمْ يُوَطِّنْ للصَّغيرِ منَ الأذىٰ
تَعرَّضَ أنْ يَلْقىٰ أجَلَّ وأعْظَما13

شرح الغريب (1-13)

  1. زاغَتْ: مالَتْ. الكُعوب: ج الكَعْب؛ وهو العقدةُ بين الأنبوبتين. الغَمْز: العَصْرُ باليدِ والتليين؛ كأنه يحاولُ بذلك تقويمَ الرمح.
  2. المتبلِّج: الواضحُ المُشرِق. أدمجَ: أضمرَ. المتجهِّم: الكالحُ العابس.
  3. الحَزْن: ما غَلُظَ من الأرض، والروضُ في الحَزْنِ أحسنُ منه في السهل. رَفَّتْ: اهتزَّتْ وتنعَّمَتْ وتلألأتْ. الخُداريّ: الليلُ المظلم. في الديوان: «رقَّتْ»، تصحيف.
  4. كشَّفَه عن الأمر: أكرهَه على إظهاره.
  5. فاغرًا: فاتحًا. رابَني: عرفْتُ منه الرِّيبة.
  6. الفادح: الأمرُ الثقيل.
  7. الطَّبُّ: الحاذقُ الماهر.
  8. يرعوي: يكفُّ ويرتدعُ.
  9. المَضُّ: الألم والحُرْقة.
  10. لَجَّ بها: تمادى وأبى الانصرافَ عنها. القذى: ما يقعُ في العينِ من الأذى. تنجلي: تنكشفُ؛ أي: يزولُ عنها القذى.
  11. العُضال: الشديدُ المُعْجِز.
  12. على مَضَضٍ: أيْ كارهًا متألِّمًا؛ والمَضَض: وجعُ المصيبة.
  13. وطَّنَ نفسَه للأمر: مهَّدَها، وحملَها عليه.
التوثيق
الصفحة 3 من 10