غِراسُ الأمَّهات

معروف الرُّصافي

هيَ الأخلاقُ تَنْبُتُ كالنَّباتِ
إذا سُقِيَتْ بماءِ المَكْرُماتِ
تَقُومُ إذا تَعَهَّدَها المُرَبِّي
علىٰ ساقِ الفَضِيلةِ مُثْمِراتِ1
وتَسْمُو للمَكارِمِ باتِّساقٍ
كما اتَّسَقَتْ أنابِيبُ القَناةِ2
وتُنْعِشُ مِنْ صَمِيمِ المَجْدِ رُوحًا
بأزهارٍ لها مُتَضَوِّعاتِ3
ولمْ أرَ للخَلائقِ مِنْ مَحَلٍّ
يُهَذِّبُها كحِضْنِ الأُمَّهاتِ4
فحِضْنُ الأُمِّ مَدْرَسةٌ تَسامَتْ
بتَرْبيةِ البَنِينَ أوِ البَناتِ
وأخلاقُ الوَلِيدِ تُقاسُ حُسْنًا
بأخلاقِ النِّساءِ الوالِداتِ
وليسَ رَبِيبُ عالِيَةِ المَزايا
كمِثْلِ رَبِيبِ سافِلةِ الصِّفاتِ5
وليسَ النَّبْتُ يَنْبُتُ في جِنانٍ
كمِثْلِ النَّبْتِ يَنْبُتُ في الفَلاةِ6
فيا صَدرَ الفَتاةِ رَحُبْتَ صَدْرًا
فأنتَ مَقَرُّ أسْنَى العاطِفاتِ7
نراكَ إذا ضَمَمْتَ الطِّفْلَ لَوْحًا
يَفُوقُ جَمِيعَ ألواحِ الحياةِ
إذا اسْتَندَ الوَلِيدُ [إليكَ] لاحَتْ
تَصاوِيرُ الحَنانِ مُصَوَّراتِ
لأخلاقِ الصَّبِيِّ بكَ انْعِكاسٌ
كما انْعَكسَ الخَيالُ علَى المِرَاةِ8
وما ضَرَبانُ قَلْبِكَ غيرُ دَرْسٍ
لتَلْقِينِ الخِصالِ الفاضِلاتِ9
فأوَّلُ دَرْسِ تَهْذِيبِ السَّجايا
يكونُ عليكَ يا صَدْرَ الفَتاةِ10
فكيفَ نَظُنُّ بالأبْناءِ خَيْرًا
إذا نَشَؤُوا بحِضْنِ الجاهلاتِ؟!
وهلْ يُرْجىٰ لأطفالٍ كَمالٌ
إذا ارْتَضَعُوا ثُدِيَّ النَّاقِصاتِ؟!11
فما لِلأُمَّهاتِ جَهِلْنَ حتَّىٰ
أتَيْنَ بكُلِّ طَيَّاشِ الحَصاةِ؟!12
حَنَوْنَ علَى الرَّضِيعِ بغيرِ عِلْمٍ
فضاعَ حُنُوُّ تلكَ المُرْضِعاتِ
أأُمَّ المُؤمِنينَ إليكِ نَشْكُو
مُصِيبَتَنا بجَهْلِ المُؤمِناتِ13
فتِلْكِ مُصِيبةٌ يا أُمُّ مِنْها
«نَكادُ نَغَصُّ بالماءِ الفُراتِ»14
تَخِذْنا بَعْدَكِ العاداتِ دِينًا
فأشْقَى المُسْلِمونَ المُسْلِماتِ15
فقدْ سَلَكُوا بهِنَّ سَبِيلَ خُسْرٍ
وصَدُّوهُنَّ عنْ سُبُلِ الحياةِ
وقالُوا: شِرْعةُ الإسلامِ تَقْضِي
بتَفْضِيلِ (الَّذينَ) علَى (اللَّواتي)!
فماذا اليومَ ضَرَّ لَوِ الْتَفَتْنا
إلىٰ أسْلافِنا بعضَ الْتِفاتِ؟!
فهُمْ سارُوا بنَهْجِ هُدًى وسِرْنا
بمِنْهاجِ التَّفرُّقِ والشَّتاتِ

شرح الغريب (1-15)

  1. تعهَّدَها: تفقَّدَها واعتنى بها.
  2. اتَّسقَ الشَّيءُ اتِّساقًا: اجتمعَ وانضمَّ وانتظمَ. القَناة: الرُّمح، وكلُّ عصًا مستوية. الأنابيب: ج الأُنْبُوب؛ وهو ما بين العُقْدتينِ من القَناة.
  3. تُنعِشُ الرُّوحَ: تُعِيدُ إليها النَّشاطَ. الصَّمِيمُ من كلِّ شيءٍ: أصلُه، وخالِصُه. تضوَّعَتِ الزَّهرةُ: فاحَتْ رائحتُها. في المطبوع: «تُنعِشُ»، الواو ساقطة.
  4. الخلائق: ج الخَلِيقة؛ وهي الطبيعةُ التي يُخلَقُ المرءُ بها.
  5. الرَّبيب: المُرَبَّى.
  6. الفَلاة: القَفْرُ من الأرض، أو الصَّحراءُ الواسعة.
  7. رَحُبَ: اتَّسعَ. أسْنَى العاطفاتِ: أرْفَعُها وأشْرَفُها.
  8. المِرَاة: المِرْآة. حُذفَتِ الهمزةُ للضَّرورة، وأُلقيَتْ حركتُها على الراء.
  9. ضَرَبانُ القلبِ: خَفَقانُه. الخِصال: ج الخَصْلة؛ وهي خُلُقٌ في الإنسان؛ يكون فضيلةً أو رذيلةً.
  10. السَّجايا: ج السَّجِيَّة؛ وهي المَلَكةُ الرَّاسخةُ في النَّفْس، التي لا تَقْبلُ الزَّوالَ بسهولة.
  11. ارتضَعُوا: رَضَعُوا. الثُّدِيُّ: ج الثَّدْي.
  12. الطَّيَّاش: الأرعَنُ المتسرِّع. الحَصاة: العَقْلُ والرَّأي.
  13. أمُّ المؤمنين: أرادَ عائشةَ .
  14. الفُرات: العَذْبُ جِدًّا. والشَّطرُ الثاني مقتبسٌ من شاهدٍ نَحْويٍّ مشهور، يُنسبُ إلى عبدِ اللهِ بنِ يَعْرُبَ وغيرِه، وأوَّلُه: «فساغَ ليَ الشَّرابُ وكنتُ قَبْلًا/ أكادُ أغَصُّ…».
  15. تَخِذْنا: اتَّخَذْنا.
ترجمة الرصافي:
معروف الرصافي
معروف بن عبد الغني البغدادي الرصافي (ت 1364ھ/ 1945م): شاعر العراق في عصره. ولد ببغداد، ونشأ بها في الرصافة، وتتلمذ لمحمود شكري الآلوسي في علوم العربية وغيرها زهاء عشر سنوات، واشتغل بالتعليم. نظم أروع قصائده في الاجتماع والثورة على الظلم، وكان جزل الألفاظ في أكثر شعره، عالي الأسلوب حتى في مجونه، هجّاءً مرًّا، وصّافًا مجيدًا، ملأ الأسماع دويًّا في بدء شهرته. نشأ وعاش ومات فقيرًا.
التوثيق

إنَّ أخاك مَنْ آساك

مثلٌ عربي

يقالُ: آسَيْتُ فُلانًا بمالي أو غيرِه؛ إذا جَعلْتَه أُسْوةً لك، و(واسَيْتُ) لغةٌ فيه ضعيفةٌ، بَنَوْها علىٰ (يُواسِي). ومعنى المَثَل: إنَّ أخاك حقيقةً مَنْ قدَّمَك وآثرَك علىٰ نَفْسِه. يُضرَبُ في الحَثِّ علىٰ مُراعاةِ الإخوان.

وأوَّلُ مَنْ قالَ ذلك خُزَيْمُ بنُ نَوْفلٍ الهَمْدانيُّ؛ وذلك أنَّ النُّعمانَ بنَ ثَوابٍ العَبْديَّ كانَ له بَنُونَ ثلاثةٌ: سَعْدٌ وسَعِيدٌ وساعِدةُ، وكانَ أبُوهم ذا شَرفٍ وحِكْمة، وكانَ يُوصِي بَنِيه ويَحْمِلُهم علىٰ أدبِه.

 أمَّا ابنُه سَعْدٌ فكانَ شُجاعًا بطلًا، مِن شياطينِ العرب، لا يُقامُ لسَبِيلِه، ولمْ تَفُتْه طَلِبَتُه قَطُّ، ولمْ يَفِرَّ عنْ قِرْن.

 وأمَّا سعيدٌ فكانَ يُشْبِهُ أباه في شَرفِه وسُؤْدَدِه.

 وأمَّا ساعِدةُ فكانَ صاحِبَ شَرابٍ ونَدَامىٰ وإخْوان.

وصايا الأبِ لأبنائِه

 فلمَّا رأىٰ الشَّيخُ حالَ بَنِيه، دعا سَعْدًا ـ وكانَ صاحِبَ حربٍ ـ فقال: يا بُنَيَّ، إنَّ الصَّارِمَ يَنْبُو، والجَوادَ يَكْبُو، والأثَرَ يَعْفُو، [والحليمَ يَهْفُو]، فإذا شَهِدْتَ حربًا؛ فرأيْتَ نارَها تَسْتَعِرُ، وبَطلَها يَخْطِرُ، وبحرَها يَزْخَرُ، وضَعِيفَها يُنْصَرُ، وجَبانَها يَجْسُرُ، فأقْلِلِ المُكْثَ والانتظار، فإنَّ الفِرارَ غيرُ عار، إذا لمْ تَكُنْ طالِبَ ثار؛ فإنَّما يُنْصَرُونَ هُمْ، وإيَّاكَ أنْ تكونَ صَيْدَ رِماحِها، ونَطِيحَ نِطاحِها.

 وقالَ لابْنِه سعيدٍ ـ وكانَ جَوادًا ـ: يا بُنَيَّ، لا يَبْخَلُ الجَواد، فابْذُلِ الطَّارِفَ والتِّلاد، وأقْلِلِ التَّلاح، تُذْكَرْ عندَ السَّماح، وابْلُ إخوانَك فإنَّ وَفِيَّهم قليل، واصْنَعِ المعروفَ عندَ مُحْتَمِلِه.

 وقالَ لابْنِه ساعِدةَ ـ وكانَ صاحِبَ شرابٍ ـ: يا بُنَيَّ، إنَّ كَثْرةَ الشَّرابِ تُفسِدُ القَلْب، وتُقَلِّلُ الكَسْب، وتُجِدُّ اللَّعْب، فأبْصِرْ نَدِيمَك، واحْمِ حَرِيمَك، وأعِنْ غَرِيمَك، واعلَمْ أنَّ الظَّمأَ القامِح، خيرٌ منَ الرِّيِّ الفاضِح، وعليكَ بالقَصْدِ فإنَّ فيه بَلاغًا.

سعيدٌ يَبْلُو إخوانَه

ثمَّ إنَّ أباهمُ النُّعمانَ بنَ ثَوابٍ تُوُفِّي، فقالَ ابنُه سعيدٌ ـ وكانَ جَوادًا سيِّدًا ـ: لَآخُذَنَّ بوَصِيَّةِ أبي، ولَأَبْلُوَنَّ إخواني وثِقاتي في نَفْسِي. فعَمَدَ إلىٰ كَبْشٍ فذَبَحَه، ثمَّ وَضَعَه في ناحيةِ خِبائِه، وغَشَّاه ثَوْبًا، ثمَّ دَعا بعضَ ثِقاتِه فقال: يا فُلانُ، إنَّ أخاك مَنْ وَفىٰ لك بعَهْدِه، وحاطَك برِفْدِه، ونَصَرَك بوُدِّه. قال: صَدَقْتَ، فهلْ حَدَثَ أمْرٌ؟ قال: نَعَمْ، إنِّي قَتلْتُ فُلانًا، وهو الَّذي تَراه في ناحيةِ الخِباء، ولا بُدَّ منَ التَّعاونِ عليه حتَّىٰ يُوارىٰ، فما عِنْدَك؟ قال: يا لَها سَوْءَةً وَقَعْتَ فيها! قال: فإنِّي أريدُ أنْ تُعِينَني عليه حتَّىٰ أُغَيِّبَه. قال: لستُ لكَ في هذا بصاحِب. فتَرَكَه وخَرَج.

فبَعَثَ إلىٰ آخَرَ مِن ثِقاتِه، فأخْبَرَه بذلك وسألَه مَعُونتَه، فرَدَّ عليه مِثْلَ ذلك، حتَّىٰ بَعَثَ إلىٰ عددٍ منهم؛ كلُّهم يَرُدُّ عليه مِثْلَ جوابِ الأوَّل، ثمَّ بَعَثَ إلىٰ رجُلٍ مِن إخوانِه يقالُ له: خُزَيْمُ بنُ نَوْفَل، فلمَّا أتاه قالَ له: يا خُزَيْمُ، ما لي عِنْدَك؟ قال: ما يَسُرُّك، وما ذاك؟ قال: إنِّي قتلْتُ فُلانًا، وهو الَّذي تَراه مُسَجًّى. قال: أيْسَرُ خَطْبٍ! فتريدُ ماذا؟ قال: أريدُ أنْ تُعِينَني حتَّىٰ أُغَيِّبَه. قال: هانَ ما فَزِعْتَ فيه إلىٰ أخِيك!

رُبَّ جِدٍّ جَرَّه اللَّعِبُ!

[ثمَّ قالَ له خُزَيْمٌ] ـ وغلامٌ لسعيدٍ قائمٌ معهما ـ: هلِ اطَّلَعَ علىٰ هذا الأمرِ أحدٌ غيرُ غُلامِك هذا؟ قال: لا. قال: انْظُرْ ما تقولُ! قال: ما قُلتُ إلَّا حقًّا. فأهْوىٰ خُزَيْمٌ إلىٰ غلامِه؛ فضَرَبَه بالسَّيفِ فقتلَه، وقال: «ليسَ عَبْدٌ بأخٍ لك»! فأرْسَلَها مَثلًا.

وارتاعَ سعيدٌ وفَزِعَ لقَتْلِ غلامِه، فقال: وَيْحَك!! ما صَنَعْتَ؟! وجَعلَ يَلُومُه، فقالَ خُزَيْم: «إنَّ أخاك مَنْ آساك»، فأرْسَلَها مَثلًا. قالَ سعيد: فإنِّي أردْتُ تَجْرِبتَك.. ثمَّ كَشَفَ له عنِ الكَبْش، وخَبَّرَه بما لَقِيَ مِن إخوانِه وثِقاتِه وما رَدُّوا عليه، فقالَ خُزَيْم: «سَبَقَ السَّيفُ العَذَلَ»! فذهبَتْ مَثلًا.

التوثيق

دارُ العناء

أبو العلاء المعري

حَياةٌ عَناءٌ، ومَوْتٌ عَنا
فلَيْتَ بَعِيدَ حِمامٍ دَنا1
يدٌ صَفِرَتْ، ولَهاةٌ ذَوَتْ،
ونَفْسٌ تَمَنَّتْ، وطَرْفٌ رَنا2
ومُوقِدُ نِيرانِه في الدُّجىٰ
يَرُومُ سَناءً برَفْعِ السَّنا3
يُحاوِلُ مَنْ عاشَ سَتْرَ القَمِيصِ،
ومَلْءَ الخَمِيصِ، وبُرْءَ الضَّنىٰ4
ومَنْ ضَمَّهُ جَدَثٌ لمْ يُبَلْ
علىٰ ما أفادَ ولا ما اقْتَنىٰ5
يَصِيرُ تُرابًا، سَواءٌ عَلَيْـ
ـهِ مَسُّ الحَرِيرِ وطَعْنُ القَنا6
ولا يَزْدَهِي غَضَبٌ حِلْمَهُ
أَلَقَّبَه ذاكِرٌ أمْ كَنىٰ7
يُهَنَّأُ بالخيرِ مَنْ نالَهُ
وليسَ الهَناءُ علىٰ ما هُنا!
وأَقْرِبْ لمَنْ كانَ في غِبْطةٍ
بلُقْيا المَنىٰ مِنْ لِقاءِ المُنىٰ!8
يُنافي ابنُ آدمَ حالَ الغُصُونِ:
فهاتِيكَ أجْنَتْ، وهذا جَنىٰ9
تُغَيِّرُ حِنَّاؤُهُ شَيْبَهُ
فهلْ غَيَّرَ الظَّهرَ لمَّا انْحَنىٰ؟!10
ولي مَوْرِدٌ بإناءِ المَنُونِ
ولكنَّ مِيقاتَهُ ما أنىٰ11
زمانٌ يُخاطِبُ أبناءَهُ
جِهارًا، وقدْ جَهِلُوا ما عَنىٰ12
يُبَدِّلُ باليُسْرِ إعدامَهُ
وتَهْدِمُ أحداثُهُ ما بَنىٰ13
لقدْ فُزْتَ إنْ كنتَ تُعْطَى الجِنانَ
بمَكَّةَ إذْ زُرْتَها أو مِنىٰ!14

شرح الغريب (1-14)

  1. العَناء: التعب والمشقَّة. الحِمام: قَدَرُ الموت.
  2. صَفِرَتْ: خَلَتْ. اللَّهاة: اللَّحمةُ المُشْرِفةُ على الحَلْق. ذَوَتْ: ذَبُلَتْ. الطَّرْف: العَيْن. رنا: أدامَ النَّظرَ.
  3. يرومُ: يَطلُبُ. السَّناء: الشَّرف. السَّنا: الضَّوء.
  4. الخَمِيص: البَطْنُ الضَّامرُ من الجوع. بُرْءَ الضَّنى: أيْ شفاءَ المرَض.
  5. الجَدَث: القبر. لم يُبَلْ: لم يُبالِ. أفادَ فلانٌ المالَ: حصَّلَه واقتناه، وأفادَ فلانًا المالَ: أعطاه إيَّاه.
  6. القَنا: الرِّماح (ج القَناة).
  7. يَزْدهي: يَستخِفُّ ويستميلُ. كَناه: سمَّاه أبا فلان.
  8. أقْرِبْ به منه: ما أقربَه منه! الغِبْطة: حُسْنُ الحال. المَنى: الموت. يقول: ما أقربَ صاحبَ الأمنيَّةِ مِن لقاءِ المَنِيَّة!
  9. أجْنَى الشَّجرُ: نَضِجَ ثمرُه، وحانَ اجتناؤه. يقول: إنَّ طبيعةَ ابنِ آدمَ قائمةٌ على الأخذِ لا العطاء.
  10. الحِنَّاء: خِضابٌ أحمرُ يُؤخذُ من ورقِ شجرةِ الحِنَّاء.
  11. المَنُون: الموت. أنَى: حانَ وقَرُبَ.
  12. جِهارًا: عِيانًا، عَلانِيةً.
  13. الإعدام (هنا): الإفقار. وفي (معجم متن اللغة): «الإعدام: الإفقاد، وغلبَ قديمًا على الفَقْر، كما شاعَ عند أهلِ العصرِ في إفقادِ الحياة».
  14. مِنًى: موضعٌ بمكَّة (مذكَّر مصروف). المراد: أنَّ الإنسانَ لا ينفعُه حجُّه إذا بقيَ على أعمالِ السُّوء.
التوثيق

أسماءُ الطِّينِ وأوصافُه

عن الأئمة

إذا كانَ حُرًّا يابِسًا فهوَ الصَّلْصَالُ. فإذا كانَ مَطْبُوخًا فهوَ الفَخَّارُ. فإذا كانَ عَلِكًا لاصِقًا فهوَ اللَّازِبُ. فإذا غَيَّرَه الماءُ وأفْسَدَه فهوَ الحَمَأُ. وقَدْ نطقَ بهذه الأسماءِ الأربعةِ القرآنُ. فإذا كانَ رَطْبًا فهوَ الثَّأْطةُ، وفي المَثَل: «ثَأْطةٌ مُدَّتْ بماءٍ»، يُضْرَبُ للأمْرِ الفاسدِ يَزْدَادُ فسادًا. فإذا كانَ رَقيقًا فهوَ الرِّدَاغُ. فإذا كانَ تَرْتَطِمُ فيه الدَّوابُّ فهوَ الوَحَلُ. وأشَدُّ مِنْه: الرَّدَغةُ والرَّزَغةُ. وأشَدُّ مِنْهما: الوَرْطةُ، تقعُ فيها الغَنَمُ فلا تَقْدِرُ علَى التَّخلُّصِ مِنْها، ثُمَّ صارَتْ مَثَلًا لكلِّ شِدَّةٍ يقعُ فيها الإنسانُ. فإذا كانَ حُرًّا طَيِّبًا عَلِكًا وفيه خُضْرةٌ فهوَ الغَضْراءُ. فإذا كانَ مَخلُوطًا بالتِّبْنِ فهوَ السِّياعُ. فإذا جُعِلَ بينَ اللَّبِنِ فهوَ المِلاطُ.

• الحُرُّ منَ الطِّين: الخالصُ لا يَشُوبُه غيرُه.
• الطِّينُ العَلِكُ: هو اللَّزِجُ.
• ارتطمَ في الوَحَل: وقعَ فيه فتخبَّطَ.
• اللَّبِنُ: ج اللَّبِنة؛ وهي قالَبُ البناءِ (الطُّوبة).
التوثيق

أصولُ الانتقاد

مصطفى الغلاييني

السَّعيُ وراءَ الحقائقِ دَأَبُ كلِّ عاقلٍ يَرْبَأُ بنَفْسِه أنْ يَرِدَ مَوارِدَ الأوهامِ والظُّنون، وشِنْشِنةُ المَرْءِ الَّذي لا يُهِمُّه إلَّا التَّنقيبُ عمَّا هو حقيقةٌ راهِنةٌ لا تَقْبَلُ الإيهام؛ فمعرفةُ الحقيقةِ واسْتِطلاعُ شُؤونِها غايةُ ما يَتطلَّبُه العُقَلاء، ومُنتهىٰ ما يسعىٰ لأجلِه الأُدَباء.

غيرَ أنَّ معرفةَ هذه الحقيقةِ صعبةٌ علىٰ مَنْ لم يَحْلُبِ الدَّهرَ أشْطُرَه، ويَعْرِفْ حُلْوَه ومُرَّه؛ لأنَّ تحصيلَ هذه المعرفةِ يتوقَّفُ علىٰ إذْكاءِ نارِ الجِدِّ، وإيقادِ جَذْوةِ الطَّلبِ والاجتهاد، والمباحثةِ والمذاكَرة، والرَّدِّ والاعْتِراض، والمناقشةِ والانتقاد.

فوائدُ الانتقاد

الانتقادُ يُمَحِّصُ الحقائقَ، ويُثِيرُ الأذهانَ ، ويُوَسِّعُ نِطاقَ العُقول، ويُبْرِزُ الحقيقةَ مِن خفايا الوجودِ بأبهىٰ حُلَلِها، وأجملِ بُرُودِها، تَتَجلَّىٰ للرَّائينَ كالغَزالةِ عندَ الطُّلُوع؛ فتَعْشُو عندَ ذلك عُيونُ المكابِرِين؛ فيَرْتَدُّ بَصَرُهم خاسِئًا وهو حَسِير.

ليسَ مِن أُمَّةٍ حَطَّتْ عنها أعباءَ الكسل، ورَمَتْ بإهمالِها إلىٰ أقصىٰ مكان، إلَّا كانَ الانتقادُ هو الدَّاعيَ الأكبر، والسَّببَ الأقوىٰ في تقدُّمِها؛ ولذلكَ نرىٰ أنَّ مِقدارَ ارْتِقائِها إلىٰ أَوْجِ السَّعادةِ في المعرفةِ والمَدَنيَّةِ بكثرةِ عَددِ المنتقِدينَ فيها، واقتدارِهم علىٰ معرفةِ مواضعِ النَّقدِ لِيُظْهِرُوها، وحِذْقِهم بمَحالِّ العِلَّةِ فيُخْرِجُوها.

وما المنتقِدونَ إلَّا كالأطبَّاء؛ يَرَوْنَ العِلَلَ وأسبابَها، فيَعملُونَ علىٰ تطهيرِ البدنِ منها، وإراحةِ الجسمِ مِن أذاها… [و] لولا الانتقادُ لَمَا بَعَثَ اللهُ الأنبياء، وعَلَّمَ العُلماء، وأمرَ النَّاسَ باتِّباعِهم، والاستماعِ لنصائحِهم؛ إذِ الغايةُ مِن إرسالِ الرُّسُلِ انتقادُ العاداتِ والأخلاق؛ ليَرْجِعَ النَّاسُ عمَّا ألِفُوه منَ الباطل، واتَّبَعُوه منَ العقائدِ الفاسدة، والأخلاقِ الكاسدة.

مشاربُ المنتقِدين

مَشارِبُ المنتقِدينَ شتَّىٰ؛ تختلفُ باختلافِ أخلاقِهم، وتبايُنِ أذواقِهم:

 فمِنهم مَنْ يَستعمِلُ التُّؤَدةَ والتَّأنِّي، ولا يَتَسرَّعُ في الانتقادِ إلَّا بعدَ أنْ يَخْبُرَ المنتقَدَ عليه خِبرةً تامَّة، ويفكِّرَ فيما قالَه تفكيرًا، ثمَّ بعدَ ذلك يَشْرَعُ في نقدِ قولِه أو فعلِه، متسلِّحًا بالأدبِ التامِّ واللَّطافةِ في التَّعبير، عادِلًا عنِ الألفاظِ الَّتي تُنَفِّرُ المنتقَدَ عليه، وغايتُه مِن ذلك إظهارُ الحقِّ ليسَ إلَّا… وبذلك تَتِمُّ الفائدةُ المرغوبة، وتَحصُلُ النَّتيجةُ المطلوبة.

 ومنهم مَنْ إذا رأىٰ هَفْوةً مِن أحَد، أرْغىٰ وأزْبَد، وتسرَّعَ في النَّقد، وسَلَقَ الخصمَ بألسنةٍ حِداد، ورماه بصخورٍ منَ الحِدَّةِ شِداد. سلاحُه بَذاءةُ اللِّسان، وحِدَّةُ القلم، وغيرُ ذلك منَ الوسائلِ الَّتي تضيعُ معها الحقيقة، وتَجعلُ المنتقَدَ عليه لا يُقِرُّ بالخَطاءِ وإنْ كانَ مخطئًا. وكثيرٌ مِن هؤلاءِ ليسَ قَصْدُهم إظهارَ الحقِّ، بلْ إبداءَ عُيُوبِ الخَلْق!

شروطُ الانتقاد

للانتقادِ شروطٌ وآدابٌ ينبغي للمُنتقِدِ مُراعاتُها والسَّيْرُ في جادَّتِها، وللمُنتقَدِ عليه شروطٌ كذلك. فمتىٰ راعىٰ كلٌّ منهما ما وجبَ عليه منَ الأصولِ الَّتي يَلْزَمُه اتِّباعُها، ظَهَرَ الحقُّ ووَضَحَ الأمْر، وبَطَلَ قولُ زَيْدٍ وعَمْرو؛ فكانَ كلٌّ منهما راتِعًا في بُحْبُوحةِ الصَّواب، آمِنًا منَ العِثارِ في عَقَباتِ الأكدار، والنُّزُوعِ لحُسامِ العداوةِ والأحقاد.

وإنَّا ذاكِرُونَ شيئًا مِن تلك الآدابِ والقواعد، الَّتي يَجْدُرُ بالمنتقِدِ والمنتقَدِ عليه أنْ يَجْعَلاها نُصْبَ أعْيُنِهما، ولا يُغْفِلاها طَرْفةَ عَيْن:

الأوَّل: مُناظِرُك نَظِيرُك؛ فلا يجوزُ احتقارُه ولا الازْدِراءُ برأيِه، مهما كانَ سافلًا أو خطأً، بلْ يجبُ أنْ تُلاطِفَه وتُجامِلَه، إلىٰ أنْ تَفْرِيَ ببُرهانِك القاطعِ رأسَ رأيِه الفاسد، وتُنِيرَ بدَليلِك السَّاطعِ غَياهِبَ فِكْرِه المظلِم. إذْ ليسَ المرادُ منَ الانتقادِ نَقْدَ الشَّخصِ نَفْسِه، أو إظهارَ أنَّه فاسدٌ مِن حيثُ إنَّه فاسد، وإنَّما القَصْدُ تبيينُ الصَّوابِ وإظهارُ الحقِّ، وإرشادُ مَنْ حادَ بفكرِه عنْ منهجِ السَّداد، أو أسقَطَه رأيُه عنْ مِنَصَّاتِ الرَّشاد. وإذا كانَ الغرضُ كذلك، فالازْدِراءُ بالمُناظِرِ والحَطُّ مِن كرامتِه يَحُولانِ دونَ الوُصولِ إلى المطلوب، ويَمْنعانِ الخصمَ منَ الاعترافِ بالحقِّ؛ أيًّا كانَ المُحِقُّ.

الثَّاني: كلُّ دعوىٰ لم تَكُنْ مُقترِنةً بالدَّليل، فهي ساقطةٌ عنْ درجةِ الاعتبار؛ فلا تَدَّعِ دعوىٰ قبْلَ أنْ تَقْتُلَ البُرهانَ عِلْمًا.

الثَّالث: لا تَستَعمِلِ الحِدَّةَ في كلامِك، وإنْ كنتَ أديبًا في ألفاظِك؛ فالحِدَّةُ لا تُنْتِجُ المقصودَ، بلْ رُبَّما أذهَبَتِ المطلوبَ.

الرَّابع: يقولُ علماءُ الجَدَلِ وآدابِ البحثِ والمُناظَرة: «إنْ كنتَ مُدَّعيًا فالدَّليلَ، أو ناقِلًا فالصِّحَّةَ»؛ أيْ: إنْ كانَ كلامُك دعوىٰ مِن قِبَلِ نَفْسِك؛ فاجْعَلِ البُرهانَ سِياجًا لها يَمنَعُ الدَّاخِل، ومِجَنًّا يَدفَعُ نِبالَ المُناظِرِ وسيفَ المُجادِل. وإنْ كنتَ ناقِلًا لكلامِكَ عنْ كتاب، فأَثْبِتْ ذلك النَّقلَ وصَحِّحْ ما نَقَلْتَ.

تلك أصولٌ أربعة، إذا اعتصمَ بها المُناظِرانِ وتَمَسَّكا بأهدابِها، وَصَلَ كلٌّ منهما إلىٰ ما يريدُه مِن إظهارِ الحقِّ.

ترجمة الغلاييني:
مصطفى الغلاييني
مصطفى بن محمد سليم الغلاييني (ت 1364ھ/ 1944م): شاعر، من الكتاب الخطباء، مولده ووفاته ببيروت، تعلم بها وبمصر، وتتلمذ للشيخ محمد عبده. عين خطيبًا للجيش الرابع العثماني في الحرب العامة الأولى، وبعد الحرب أقام مدة في دمشق، وتطوع للعمل في جيشها العربي. من كتبه: جامع الدروس العربية، نظرات في اللغة والأدب، عظة الناشئين، أريج الزهر، رجال المعلقات العشر، ديوان الغلاييني.
التوثيق

طبائعُ الدنيا الدنيَّة

أبو الطيب المتنبي

فؤادٌ ما تُسَلِّيهِ المُدامُ
وعُمْرٌ مِثْلُ ما تَهَبُ اللِّئامُ1
ودهرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ
وإنْ كانتْ لهمْ جُثَثٌ ضِخامُ!
وما أنا منهمُ بالعَيْشِ فيهمْ
ولكنْ مَعْدِنُ الذَّهبِ الرَّغامُ2
أرانبُ غيرَ أنَّهمُ مُلُوكٌ
مُفَتَّحةٌ عُيُونُهمُ نِيامُ!
بأجسامٍ يَحَرُّ القَتْلُ فيها
وما أقْرانُها إلَّا الطَّعامُ!3
وخَيْلٍ ما يَخِرُّ لها طَعِينٌ
كأنَّ قَنا فَوارسِها ثُمامُ!4
خَلِيلُكَ أنتَ لا مَنْ قُلْتَ: خِلِّي،
وإنْ كَثُرَ التَّجَمُّلُ والكلامُ5
ولَوْ حِيزَ الحِفاظُ بغيرِ عَقْلٍ
تَجَنَّبَ عُنْقَ صَيْقَلِهِ الحُسامُ6
وشِبْهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إليهِ
وأشْبَهُنا بدُنْيانا الطَّغامُ!7
ولَوْ لَمْ يَعْلُ إلَّا ذُو مَحَلٍّ
تَعالَى الجيشُ وانْحَطَّ القَتامُ!8
ولَوْ لَمْ يَرْعَ إلَّا مُسْتَحِقٌّ
لرُتْبتِهِ، أَسامَهمُ المُسامُ!9
ومَنْ خَبَرَ الغَواني فالغَواني
ضِياءٌ في بَواطنِهِ ظَلامُ10
إذا كانَ الشَّبابُ السُّكْرَ، والشَّيْـ
ـبُ هَمًّا، فالحياةُ هيَ الحِمامُ11
وما كلٌّ بمَعْذُورٍ ببُخْلٍ
ولا كلٌّ علىٰ بُخْلٍ يُلامُ!12

شرح الغريب (1-12)

  1. المُدام: الخمر. «مثلُ ما تهبُ اللِّئامُ»: كنايةٌ عن قِلَّتِه. يقول: إنَّ فؤادَه لا يتسلَّى بالخمرِ واللَّهوِ عن طلبِ المعالي؛ فإنَّ العمرَ أقصرُ من أنْ يتَّسعَ لذلك.
  2. المَعدِن: موضعُ استخراجِ الجوهر. الرَّغام: التراب. يقول: إنني لا أعُدُّ نفسي من هؤلاء الناسِ وإنْ عِشْتُ بينهم؛ كالذهبِ الذي يكون بين الترابِ ولا يُحسَبُ منه.
  3. يَحَرُّ: يشتدُّ. الأقران: ج القِرْن؛ وهو الكُفْءُ في الحرب. يقول: يقتلُهم الطعامُ؛ فيموتون بالتُّخَمةِ من كثرةِ الأكل.
  4. يَخِرُّ: يسقطُ. القَنا: الرِّماح. الثُّمام: نبتٌ ضعيف. أيْ أنَّ طعْنَهم لا يؤثِّرُ في المطعونِ لضعفِهم؛ فكأنهم يَطْعُنون بالثُّمام.
  5. يقول: لا خليلَ لأحدٍ على الحقيقةِ إلا نفسُه؛ فلا يثقِ الإنسانُ بصداقةِ أحد، وإن كان كثيرَ التملُّق.
  6. حِيزَ: مُلِكَ. الحِفاظ: المحافظةُ على الحقوق. الصَّيْقل: الذي يعملُ السيوفَ. الحسام: السيفُ القاطع. أي: لو أمكنَ أن يحافِظَ على المودَّةِ والوفاءِ ما لا عقلَ له، لكانَ السيفُ ينبو عن عنقِ صانعِه. والمعنى: أنهم لا عقولَ لهم؛ فلا يوثَقُ منهم بذِمام.
  7. الطَّغام: الأرذال والأوغاد. يقول: إن الشيءَ يميلُ إلى شِبْهه، والدنيا خسيسة؛ فهي لذلك تميلُ إلى الخِساس من الناس.
  8. المَحَلُّ: المكانةُ الرفيعة. القَتام: الغبار. يقول: إنَّ علوَّهم في الدنيا لا يدلُّ على فضيلتِهم واستحقاقِهم؛ فإنَّ الغبارَ يرتفعُ فوق الجيش، وهو مما تثيرُه الأقدامُ والحوافر.
  9. يَرْعَ: من الرعاية؛ بمعنى السياسة. المُسام: المالُ المُرسَلُ في مَراعيه، وأسامَه صاحبُه: إذا أرسلَه. يقول: هؤلاء شرٌّ من البهائم، فلو كانتِ الولايةُ بالاستحقاقِ لكانَ الراعي لهم البهائم؛ لأنها أشرفُ منهم وأعقل!
  10. خَبَرَ الشيءَ: بَلاه وامتحنَه، وعرفَ خبرَه على حقيقتِه. الغواني: النساءُ الحِسان.
  11. الحِمام: الموت. يقول: إذا كان الإنسانُ في شبيبتِه غائصًا في سُكْرٍ من اللَّهو والصِّبا، وعند مشيبِه غارقًا في بحرٍ من الهمّ، فحياتُه أشْبَهُ بالممات.
  12. لتفسيره وجهان؛ أحسنُهما: أنَّ الذي لا يُعذَرُ في بخلِه مَنْ وَلَدَتْه الكرام، والذي لا يلامُ على بخلِه مَنْ كان آباؤه لئامًا بُخلاء، ولم يتعلَّمْ غيرَ البخل، ولم يرَ في آبائه الجودَ والكرم.
التوثيق
زيادة بيان:
الصفحة 3 من 11