تحنانُ غريب

ابن عُنَيْن

حَنِينٌ إلى الأوطانِ ليسَ يَزُولُ
وقلبٌ عنِ الأشواقِ ليسَ يَحُولُ1
ألا ليتَ شِعْري! هلْ أبِيتَنَّ ليلةً
وظِلُّكِ يا مَقْرَىٰ عليَّ ظَلِيلُ؟2
وهلْ أرَيَنِّي بعدَما شَطَّتِ النَّوىٰ
ولي في رُبا رَوْضٍ هناكَ مَقِيلُ؟3
دِمَشْقُ.. فبِي شَوْقٌ إليها مُبَرِّحٌ
وإنْ لَجَّ واشٍ أوْ ألَحَّ عَذُولُ4
وفي كَبِدِي مِنْ قاسِيُونَ حَزازةٌ
تَزُولُ رَواسِيهِ وليسَ تَزُولُ5
دِيارٌ بها الحَصْباءُ دُرٌّ، وتُرْبُها
عَبِيرٌ، وأنفاسُ الشَّمالِ شَمُولُ6
فلِلهِ أيَّامي وغُصْنُ الصِّبا بها
وَرِيقٌ، وإذْ وَجْهُ الزَّمانِ صَقِيلُ7
هيَ الغَرَضُ الأقصىٰ وإنْ لمْ يَكُنْ بها
صَدِيقٌ، ولم يُصْفِ الوِدادَ خَلِيلُ8
وكمْ قائلٍ: في الأرضِ للحُرِّ مَذْهبٌ
إِذا جارَ دهرٌ واستحالَ مَلُولُ9
وما نافِعي أنَّ المياهَ سَوائحٌ
عِذابٌ، ولم يُنْقَعْ بهِنَّ غَلِيلُ؟!10
فَقَدْتُ الصِّبا والأهلَ والدَّارَ والهوىٰ
فلِلهِ صَبْري إنَّهُ لَجميلُ!
وَواللهِ ما فارَقْتُها عنْ مَلالةٍ
سِوايَ عنِ العهدِ القديمِ يَحُولُ
ولكنْ أبَتْ أنْ تَحمِلَ الضَّيْمَ هِمَّتي
ونَفْسٌ لها فوقَ السِّماكِ حُلُولُ11
فإِنَّ الفتىٰ يَلْقَى المَنايا مُكَرَّمًا
ويَكْرَهُ طُولَ العُمْرِ وهْوَ ذليلُ12
تَعافُ الوُرُودَ الحائماتُ معَ القَذىٰ
وللقَيْظِ في أكْبادِهنَّ صَلِيلُ13
سألْثَمُ إنْ وافَيْتُها ذلكَ الثَّرىٰ
وهَيْهاتَ.. حالَتْ دُونَ ذاكَ حُؤُولُ14
يُعانِدُني صَرْفُ الزَّمانِ كأنَّما
عليَّ لأحداثِ الزَّمانِ ذُحُولُ!15

شرح الغريب (1-15)

  1. يحولُ عنها: يَرجِعُ عنها، يتغيَّرُ.
  2. ليتَ شِعري: ليتني أعْلَمُ. مَقْرى: قريةٌ دمشقيةٌ قديمة، كانت تقعُ شرقيَّ الصالِحيَّة. ظليل: دائمُ الظلِّ.
  3. شطَّتْ: بَعُدَتْ. النَّوى: الدار، والناحيةُ يُذهَبُ إليها. المَقِيل: الاستراحةُ نصفَ النهار، وموضع القيلولة.
  4. مبرِّح: شديد. لجَّ: تمادى. العَذول: اللائم.
  5. قاسِيون: الجبلُ المُطلُّ على دمشق. الحَزازة: الهمُّ يَحُزُّ القلبَ. الرَّواسي: الثابتة الراسخة؛ أي: صخوره وحجارته.
  6. الحَصْباء: صغارُ الحجارة. العبير: أخْلاطٌ من الطِّيبِ تُجمَعُ بالزَّعفران. الشَّمال: ريحٌ تهبُّ من جهةِ الشَّمال. الشَّمول: الخمر.
  7. الوَريق: كثيرُ الوَرَق. الصَّقيل: المَجْلوُّ الناعم.
  8. أصفاه الوِدادَ: أخلَصَه له.
  9. جارَ: ظلمَ. استحالَ: تغيَّرَ، واعوجَّ بعدَ استواء.
  10. السوائح: ج السائحة؛ وهي السائلة الجارية. نَقَعَ الماءُ العطشَ: سكَّنَه وأذهبَه. الغليل: شدَّةُ العطش.
  11. الضَّيم: الظُّلم والإذلال. السِّماك: نجمٌ نيِّر؛ وهما سِماكان: الأعزلُ والرامِح.
  12. المَنايا: ج المَنِيَّة؛ وهي الموت.
  13. تعافُ: تَكْرهُ. الوُرود: حضورُ الماءِ للشرب. الحائمات: العِطاش. القذى: ما يسقطُ في الشراب من الأذى. القيظ: حرارة الصيف. الصَّليل: صوتٌ كالبُحَّة؛ يُسمَعُ من الجوفِ إذا جفَّ من شدَّةِ العطش.
  14. لَثِمَه يَلْثَمُه: قبَّلَه. هيهاتَ: اسمُ فعلٍ بمعنى البُعد. حالتْ: اعترضَتْ. الحُؤول: السِّنون (ج الحَوْل).
  15. صَرْفُ الزمان: نوائبُه. الذُّحُول: ج الذَّحْل؛ وهو الثأر، والحقد.
ترجمة ابن عنين:
محمد بن نصر الله بن مكارم بن الحسن بن عنين الدمشقي الأنصاري (ت 630ھ): أعظم شعراء عصره، مولده ووفاته في دمشق، كان يقول: إن أصله من الكوفة، من الأنصار. وكان هجّاء، قلّ من سلم من شره في دمشق؛ حتى السلطان صلاح الدين والملك العادل. ونفاه صلاح الدين، فذهب إلى العراق والجزيرة وأذربيجان وخراسان والهند واليمن ومصر، وعاد إلى دمشق بعد وفاة صلاح الدين، فمدح الملك العادل وتقرب منه. وكان وافر الحرمة عند الملوك.
التوثيق

كِلاهما وتَمْرًا

مثلٌ عربي

أوَّلُ مَنْ قالَ ذلكَ عَمْرُو بنُ حُمْرانَ الجَعْدِيُّ، وكانَ حُمْرانُ رَجُلًا لَسِنًا ماردًا، وإنَّه خَطَبَ صَدُوفَ؛ وهي امرأةٌ كانتْ تُؤَيِّدُ الكلامَ، و[تَسْجَعُ] في المَنْطِق، وكانتْ ذاتَ مالٍ كثير، وقدْ أتاها قومٌ يَخطُبُونَها فرَدَّتْهم، وكانتْ تَتَعَنَّتُ خُطَّابَها في المسألة، وتقولُ: لا أتزوَّجُ إلَّا مَنْ يَعْلَمُ ما أسألُه عنه، ويُجيبُني بكلامٍ على حَدِّه لا يَعْدُوه.

خبرُ الأب

فلمَّا انتهىٰ إليها حُمْرانُ قامَ قائمًا لا يَجْلِس، وكانَ لا يأتِيها خاطِبٌ إلَّا جلسَ قبْلَ إذْنِها، فقالتْ: ما يمنعُكَ منَ الجلوس؟ قال: حتَّىٰ يُؤْذَنَ لي. قالتْ: وهلْ عليكَ أمِير؟ قال: رَبُّ المنزلِ أحقُّ بفِنائِه، ورَبُّ الماءِ أحقُّ بسِقائِه، وكُلٌّ له ما في وِعائِه. فقالتْ: اجْلِسْ. فجَلَس.

قالتْ له: ما أرَدْتَ؟ قال: حاجة، ولمْ آتِكِ [لَجَاجة]. قالتْ: تُسِرُّها أمْ تُعْلِنُها؟ قال: تُسَرُّ وتُعْلَن. قالتْ: فما حاجتُك؟ قال: قضاؤُها هَيِّن، وأمرُها بَيِّن، وأنتِ بها أخْبَر، وبنُجْحِها أبْصَر. قالتْ: فأخْبِرْني بها. قال: قدْ عَرَّضْتُ، وإنْ شِئْتِ بَيَّنْتُ.

قالتْ: مَنْ أنتَ؟ قال: أنا بَشَر؛ وُلِدْتُ صغيرًا، ونشأْتُ كبيرًا، ورأيْتُ كثيرًا. قالتْ: فما اسمُك؟ قال: مَنْ شاءَ أحْدَثَ اسمًا، وقالَ ظُلْمًا، ولم يَكُنِ الاسمُ عليه حَتْمًا. قالتْ: فمَنْ أبُوك؟ قال: والدِي الَّذي وَلَدَني، ووالدُه جَدِّي، فلمْ يَعِشْ بَعْدِي. قالتْ: فما مالُك؟ قال: بعضُه وَرِثْتُه، وأكثرُه اكْتَسَبْتُه.

قالتْ: [فمِمَّنْ] أنتَ؟ قال: مِن بَشَرٍ كثيرٍ عَدَدُه، معروفٍ وَلَدُه، قليلٍ صَعَدُه، يُفْنِيه أبَدُه. قالتْ: ما وَرَّثَكَ أبُوكَ عنْ أوَّلِيه؟ قال: حُسْنَ الهِمَم. قالتْ: فأينَ تَنْزِل؟ قال: علىٰ بساطٍ واسع، في بلدٍ شاسع، قريبُه بعيد، وبعيدُه قريب. قالتْ: فمَنْ قومُك؟ قال: الَّذينَ أنتمي إليهم، وأجْنِي عليهم، ووُلِدْتُ لديهم.

قالتْ: فهلْ لكَ امرأة؟ قال: لو كانَ لي لم أطْلُبْ غيرَها، ولم أُضَيِّعْ خيرَها. قالتْ: كأنَّكَ ليستْ لكَ حاجة! قال: لو لم تَكُنْ لي حاجةٌ لم أُنِخْ ببابِك، ولم أتعرَّضْ لجوابِك، وأتعلَّقْ بأسبابِك. قالتْ: إنَّكَ لَحُمْرانُ بنُ الأقرعِ الجَعْدِيُّ؟! قال: إنَّ ذلك لَيُقال! فأنْكَحَتْه نَفْسَها، وفوَّضَتْ إليه أمرَها.

خبرُ الابن

ثمَّ إنَّها وَلَدَتْ له غلامًا، فسمَّاه عَمْرًا، فنشأَ ماردًا مُفَوَّهًا، فلمَّا أدْرَكَ جعلَه أبُوه راعيًا يَرْعىٰ له الإبل، فبينما هو يومًا إذْ رُفِعَ إليه رَجُلٌ قدْ أضَرَّ به العطشُ والسُّغُوب، وعَمْرٌو قاعد، وبينَ يدَيْه زُبْدٌ وتمرٌ وتامِك، فدَنا منه الرَّجلُ فقال: أطْعِمْني مِن هذا الزُّبْدِ والتَّامِك. فقالَ عَمْرٌو: نَعَمْ، كِلاهما وتَمْرًا. فأطْعَمَ الرَّجلَ حتَّى انتهىٰ، وسَقاه لبنًا حتَّىٰ رَوِي، وأقامَ عندَه أيَّامًا. فذهبَتْ كلمتُه مثلًا.

فائدةٌ نَحْويَّة

 ورفعَ «كِلاهما»؛ أي: لكَ كِلاهما، ونصبَ «تمرًا» علىٰ معنىٰ: أزيدُك تمرًا. ومَنْ روىٰ: «كِلَيْهما» فإنَّما نصبَه علىٰ معنىٰ: أُطْعِمُكَ كِلَيْهما وتمرًا.

 وقالَ قومٌ: مَنْ رفعَ حكىٰ أنَّ الرَّجلَ قال: أنِلْنِي ممَّا بينَ يديك، فقالَ عَمْرٌو: أيُّما أحَبُّ إليكَ: زُبْدٌ أمْ سَنام؟ فقالَ الرَّجلُ: كِلاهما وتمرًا؛ أي: مطلوبي كِلاهما، وأزيدُ معهما تمرًا، أو: وزِدْني تمرًا.

التوثيق

مراتبُ الحُبِّ وتفصيلُه

عن الأئمة

أوَّلُ مراتبِ الحبِّ: الهوىٰ. ثمَّ العَلاقةُ: وهي الحبُّ اللَّازمُ للقلب. ثمَّ الكَلَفُ: وهو شِدَّةُ الحبِّ. ثمَّ العِشْقُ: وهو اسمٌ لِمَا فَضَلَ عنِ المِقْدارِ الَّذي اسمُه الحبُّ. ثمَّ الشَّعَفُ: وهو إحراقُ الحبِّ القلبَ معَ لذَّةٍ يَجِدُها، وكذلك اللَّوْعةُ واللَّاعِجُ؛ فإنَّ [هذينِ] حُرْقةُ الهوىٰ، وهذا هو الهوىٰ المُحْرِق. ثمَّ الشَّغَفُ: وهو أنْ يَبْلُغَ الحبُّ شَغَافَ القلب؛ وهي جِلْدةٌ دُونَه. ثمَّ الجَوىٰ: وهو الهوى الباطن. ثمَّ التَّيْمُ: وهو أنْ يَستَعْبِدَه الحبُّ، ومنه سُمِّيَ «تَيْمُ اللهِ»؛ أي: عبدُ الله، ومنه: «رَجُلٌ مُتَيَّم». ثمَّ التَّبْلُ: وهو أنْ يُسْقِمَه الهوىٰ، ومنه: «رَجُلٌ مَتْبُول». ثمَّ التَّدْلِيهُ: وهو ذهابُ العقلِ منَ الهوىٰ، ومنه: «رَجُلٌ مُدَلَّه». ثمَّ الهُيُومُ: وهو أنْ يَذهَبَ علىٰ وَجْهِه لغَلَبةِ الهوىٰ عليه، ومنه: «رَجُلٌ هائِم».

التوثيق

مولدُ الهدىٰ

العباس بن عبد المطلب

قالَ يمدحُ ابنَ أخيه محمَّدَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطَّلِبِ ، مُنْصَرَفَه مِن غزوةِ تَبُوكَ في السَّنةِ التَّاسعةِ للهجرة، وهي مِن أبلغِ ما قيلَ في المديحِ النَّبويِّ وأصدقِه:

مِنْ قَبْلِها طِبْتَ في الظِّلالِ وفي
مُسْتَوْدَعٍ حيثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ1
ثُمَّ هَبَطْتَ البِلادَ لا بَشَرٌ
أنتَ ولا مُضْغةٌ ولا عَلَقُ2
بَلْ نُطْفةٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وقدْ
أَلْجَمَ نَسْرًا وأهْلَهُ الغَرَقُ3
[وَرَدْتَ نارَ الخَلِيلِ مُكْتَتَمًا
في صُلْبِهِ أنتَ، كيفَ يَحتَرِقُ؟!]4
تُنْقَلُ مِنْ صَالِبٍ إلى رَحِمٍ
إذا مَضىٰ عالَمٌ بَدا طَبَقُ5
حتَّى احْتَوَىٰ بَيتُكَ المُهَيْمِنُ مِنْ
خِنْدِفَ عَلْياءَ تَحْتَها النُّطُقُ6
وأنتَ لمَّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الْـ
ـأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ7
فنحنُ في ذلكَ الضِّياءِ وفي النْـ
ـنُورِ، وسُبْلَ الرَّشادِ نَخْتَرِقُ

شرح الغريب (1-7)

  1. قَبْلِها: الضميرُ يعودُ على غير مذكور (الدنيا). الظلال: المقصودُ بها ظلالُ الجنَّة. المُستودَع: أرادَ به الموضعَ الذي كان به آدمُ وحوّاءُ من الجنَّة. يُخْصَفُ: يُلْزَقُ، ويُضَمُّ بعضُه إلى بعضٍ. أشارَ إلى قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ[الأعراف: 22]، وأرادَ أنّه كان طيِّبًا في صُلبِ آدم وهو في الجنّة.
  2. البلاد (هنا): الأرض. المُضْغة: قطعةُ لحمٍ بقَدْرِ ما يُمضَغُ. العَلَق: ج العَلَقة؛ وهي قطعةُ الدمِ التي يتكوّنُ منها الجنين.
  3. السَّفين: ج السَّفينة، أو لغةٌ في الواحدة. نَسْرٌ: أحدُ أصنامِ قومِ نوحٍ . ألجمَه الغرقُ: أيْ بلغَ الماءُ فاهُ حتّى صار له كاللِّجام.
  4. الخليل: هو إبراهيم . مُكتَتَمًا: مَخْفيًّا.
  5. الصَّالِب: الصُّلْب. الطَّبَق: القَرْن، الجيلُ من الناس.
  6. المهيمن: الشاهدُ بفَضْلك. خِنْدِفُ: امرأةُ إلياسَ بنِ مُضَرَ؛ أحدِ أجدادِ العرب، يُنسَبُ أولادُه إليها. النُّطُق: أَعْراضٌ مِنْ جبالٍ بعضُها فوقَ بعضٍ (ج النِّطَاق)، شُبِّهت بالنُّطُق الَّتِي تُشَدُّ بها أوساطُ النَّاس. ضَرَبَه مثلًا له في ارتفاعِه وتَوسُّطِه فِي عشيرتِه، وجعلَهم تحته بمنزلةِ أوساطِ الجبال، وأرادَ ببيتِه: شَرَفَه، والمهيمنُ: نَعْتُه. وحاصلُ المعنى: حتّى احْتوى شرفُكَ الشاهدُ على فضلكَ أعلى مكانٍ مِن نَسَبِ خِنْدِفَ.
  7. الأُفُق (هنا): جمعٌ بمعنى الآفاق؛ ولذلك أنَّثَ الفعل، أو أنه أنَّثَ الأُفُقَ ذهابًا إلى معناه؛ وهو الناحية.
التوثيق
اقتباس

﴿أفلَمْ يَنْظُرُوا﴾

والمرادُ مِنْ هذا النَّظرِ التَّفكُّرُ في المعقولات، و[التَّأمُّلُ] في المحسوسات، والبحثُ عن حِكْمتِها وتَصارِيفِها؛ لِتَظهرَ له حقائقُها. وليسَ المرادُ منَ النَّظرِ تقليبَ الحَدَقةِ ونحوِها؛ فإنَّ البهائمَ تُشارِكُ الإنسانَ فيه! ومَنْ لم يَرَ منَ السَّماءِ إلَّا زُرْقَتَها، ومنَ الأرضِ إلَّا غُبْرَتَها، فهو مُشارِكٌ للبهائمِ في ذلك، وأدنىٰ حالًا منها، وأشدُّ غَفْلة!!

القزويني

زكريا بن محمد القَزْويني
(ت 682ھ)

شكوىٰ

حافظ إبراهيم

لا تَلُمْ كَفِّي إذا السَّيفُ نَبَا
صَحَّ منِّي العَزْمُ والدَّهرُ أبَىٰ1
رُبَّ ساعٍ مُبْصِرٍ في سَعْيِهِ
أخْطَأَ التَّوفيقَ فيما طَلَبَا
مَرْحبًا بالخَطْبِ يَبْلُوني إذا
كانتِ العَلْياءُ فيهِ السَّبَبَا2
عَقَّني الدَّهرُ، ولَوْلا أنَّني
أُوثِرُ الحُسْنىٰ عَقَقْتُ الأدَبَا3
إيهِ يا دُنيا اعْبِسِي أو فابْسِمِي
ما أرىٰ بَرْقَكِ إلَّا خُلَّبَا4
أنا لَوْلا أنَّ لي مِنْ أُمَّتي
خاذِلاً ما بِتُّ أشْكُو النُّوَبَا5
أُمَّةٌ قدْ فَتَّ في ساعِدِها
بُغْضُها الأهْلَ وحُبُّ الغُرَبَا!6
تَعْشَقُ الألقابَ في غيرِ العُلا
وتُفَدِّي بالنُّفُوسِ الرُّتَبَا
وهْيَ والأحداثُ تَسْتَهْدِفُها
تَعْشَقُ اللَّهْوَ وتَهْوَى الطَّرَبَا!
لا تُبالي لَعِبَ القَوْمُ بها
أمْ بها صَرْفُ اللَّيالي لَعِبَا!7

شرح الغريب (1-7)

  1. نَبَا السيفُ: إذا لم يَقطعْ.
  2. الخَطْب: الأمرُ الشديدُ يَنزِلُ. يَبْلُوني: يَخْتبرُني.
  3. عقَّه: تركَ الإحسانَ إليه، ولم يَبَرَّ به. يقول: إنَّ الدهرَ لم يُنصِفْني، والجاني عليَّ هو أدبي، ولولا أني أوثرُ الإحسانَ لهجرتُ الأدبَ الذي كان سببًا في شقائي.
  4. البرقُ الخُلَّبُ: الذي يُومِض حتى يُرجى مطرُه، ثم يُخلِفُ. ويُضرَبُ به المثلُ لمن يَعِدُ ولا يُنجِز.
  5. النُّوَب: ج النائبة؛ وهي المصيبةُ النازلة.
  6. فتَّ في ساعدِها: كنايةٌ عن الإضعافِ وإيهانِ القُوى.
  7. القوم: أراد بهم الإنجليز. صَرْفُ الليالي: نوازلها ومصائبها. أيْ أنها لا تَعْبأُ بحوادثِ الزمان؛ تصيبُها من المحتلّينَ أو من الدهر!
التوثيق

العهد الجديد

جبران خليل جبران

في الشَّرقِ اليومَ فِكْرتانِ مُتصارِعتان: فكرةٌ قديمة، وفكرةٌ جديدة. أمَّا الفكرةُ القديمةُ فستُغلَبُ علىٰ أمْرِها؛ لأنَّها مَنْهُوكةُ القُوىٰ، مَحْلُولةُ العَزْم.

وفي الشَّرقِ يَقَظةٌ تُراوِدُ النَّومَ، واليَقَظةُ قاهرةٌ؛ لأنَّ الشَّمسَ قائدُها، والفَجْرَ جيشُها.

وفي حقولِ الشَّرقِ ـ ولقدْ كانَ الشَّرقُ بالأمسِ جَبَّانةً واسعةَ الأرجاءِ ـ يَقِفُ اليومَ فتى الرَّبيعِ مُناديًا سُكَّانَ الأجْداث؛ لِيَهُبُّوا ويَسيرُوا معَ الأيَّام. وإذا ما أنْشَدَ الرَّبيعُ أُغنِيَّتَه بُعِثَ مَصْرُوعُ الشِّتاء، وخَلَعَ أكفانَه ومشىٰ!

وفي فضاءِ الشَّرقِ اهتزازاتٌ حيَّة؛ تنمو وتتمدَّدُ وتتوسَّع، وتتناولُ النُّفوسَ المتنبِّهةَ الحسَّاسةَ فتَضُمُّها إليها، وتحيطُ بالقلوبِ الأبيَّةِ الشَّاعرةِ لتكتسِبَها.

سيِّدان.. ومَوْكِبان

وللشَّرقِ اليومَ سيِّدان: سيِّدٌ يأمرُ ويَنهىٰ ويُطاع، ولكنَّه شيخٌ يُحْتَضَر، وسيِّدٌ ساكتٌ بسكوتِ النَّوامِيسِ والأنظمة، هادئٌ بهدوءِ الحقِّ، ولكنَّه جبَّارٌ مفتولُ السَّاعِدَيْن، يَعرِفُ عَزْمَه، ويَثِقُ بكِيانِه، ويؤمِنُ بصَلاحِيَتِه.

[… و] في الشّرقِ مَوْكِبان: مَوْكِبٌ مِن عجائزَ مُحْدَوْدِبِي الظُّهور، يَسِيرونَ مُتوكِّئينَ على العِصِيِّ العَوْجاء، ويَلْهَثُونَ مَنْهُوكِين، معَ أنَّهم ينحَدِرُونَ منَ الأعالي إلى المُنْخَفضات! ومَوْكِبٌ مِن فِتْيانٍ يتراكَضُونَ كأنَّ في أرجُلِهم أجْنِحةً، ويُهَلِّلُونَ كأنَّ في حَناجِرِهم أوتارًا، ويَنْتَهِبُونَ العَقَباتِ كأنَّ في جَبَهاتِ الجبالِ قوَّةً تَجْذِبُهم، وسِحْرًا يَخْتَلِبُ ألْبابَهم.

أبناءُ الأمس

أقولُ لك: إنَّ أبناءَ الأمسِ يَمشُونَ في جِنازةِ العهدِ الَّذي أوجَدَهم وأوجَدُوه.

أقولُ: إنهم يَشُدُّونَ بحَبْلٍ أَوْهَتِ الأيَّامُ خُيُوطَه، فإذا ما انقطعَ ـ وعمَّا قريبٍ ينقطعُ ـ هبطَ مَنْ تعلَّقَ به إلىٰ حُفْرةِ النِّسيان.

أقولُ: إنَّهم يَسْكُنُونَ منازلَ مُتَداعِيةَ الأركان، فإذا ما هَبَّتِ العاصفةُ ـ وهي علىٰ وَشْكِ الهُبُوبِ ـ انهدَمَتْ تلكَ المنازلُ علىٰ رؤوسِهم، وكانتْ لهم قُبُورًا!

أبناءُ الغد

أمَّا أبناءُ الغدِ فهمُ الَّذينَ نادَتْهمُ الحياة، فاتَّبَعُوها بأقدامٍ ثابتةٍ ورؤوسٍ مرفوعة، هم فَجْرُ عهدٍ جديد؛ فلا الدُّخانُ يَحْجُبُ أنوارَهم، ولا قَلْقَلةُ السَّلاسلِ تَغْمُرُ أصواتَهم، ولا نَتْنُ المستنقَعاتِ يتغلَّبُ علىٰ طِيبِهم.

هم طائفةٌ قليلةُ العَدَدِ بينَ طوائفَ كَثُرَ عَدَدُها، ولكنَّ في الغُصْنِ المُزْهِرِ ما ليسَ في غابةٍ يابسة، وفي حَبَّةِ القمحِ ما ليسَ في رابيةٍ منَ التِّبْن!

ترجمة جبران:
 جبران خليل جبران
جبران بن خليل بن مخائيل الماروني اللبناني (ت 1349ھ/ 1931م): نابغة الكتّاب المعاصرين في المهجر الأمريكي، وأوسعهم خيالًا. أصله من دمشق، وتعلّمه ببيروت، ووفاته في نيويورك. امتاز بسعة في خياله، وعمق في تفكيره، وهو شاعر في نثره لا في نظمه، وكان يجيد الإنجليزية ككتّابها، وله فيها كتب ترجمت إلى العربية ونشرت بها. من كتبه: دمعة وابتسامة، الأرواح المتمردة، الأجنحة المتكسرة، العواصف.
التوثيق
الصفحة 3 من 8