أصدقاءُ بالاسم!

ابن الرومي

ولي أصدقاءُ كثيرُو السَّلامِ
عليَّ، وما فيهمُ نافعُ
إذا أنا أدْلَجْتُ في حاجةٍ
لها مَطْلَبٌ نازِحٌ شاسِعُ1
فلي أبدًا معَهمْ وَقْفةٌ
وتسليمةٌ وقتُها ضائعُ
وفي مَوْقفِ المَرْءِ عنْ حاجةٍ
تَيَمَّمَها شاغلٌ قاطعُ2
تَرىٰ كلَّ غَثٍّ كثيرِ الفُضُو
لِ، مُصْحَفُه مُصْحَفٌ جامعُ3
يقولُ الضَّميرُ لهُ طالِعًا:
ألَا قُبِّحَ الرَّجُلُ الطالعُ!
يُحَدِّثُني مِنْ أحاديثِهِ
بما لا يَلَذُّ بهِ السَّامعُ
أحاديثُ هُنَّ كمِثْلِ الضَّرِيـ
ـعِ آكِلُهُ أبدًا جائعُ4
غَدَوْتُ وفي الوقتِ لي فُسْحةٌ
فضاقَ بيَ المَهَلُ الواسعُ5
تَقدَّمْتُ فاعْتَاقَني أسْرُهُ
إلىٰ أنْ تَقدَّمَني التَّابعُ6
وفاتَتْ بلُقْيانِهِ حاجتي
ألَا هكذا النَّكِدُ البارعُ!7
أولئكَ لا حَيُّهمْ مُؤْنِسٌ
صديقًا، ولا مَيْتُهمْ فاجعُ!

شرح الغريب (1-7)

  1. أدلجَ: سارَ ليلًا. النازح والشاسع: البعيد.
  2. تيمَّمَ الحاجةَ: قصدَها.
  3. الغثُّ: الرديءُ الفاسد. المصحفُ الجامعُ: الذي يجمعُ سُوَرَ القرآنِ كلَّها، أو الذي يجمعُ عدَّةَ قراءات.
  4. الضريع: نبتٌ له شوك. يشير إلى قوله تعالى في أهل النار: ﴿لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ ٦ لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ ٧ [الغاشية].
  5. الفُسْحة: السَّعَة. المَهَل: التُّؤَدَة والرِّفْق.
  6. اعتاقَه عن الشيء: عاقَه؛ أي: منعَه منه، وشغلَه عنه.
  7. اللُّقْيان: اللِّقاء. النَّكِد: قليلُ النفع.
التوثيق
دراسة حالة

(الطبيعة) وما إليها

مجلة المنار

من القضايا المسلَّمة أنه لا مشاحّة في الاصطلاح، ولا مَنْدُوحة عن مراعاة ما يتواطؤ عليه الجمهور، ومجاراة الناس على ما يصطلحون عليه في كل زمان ومكان. وقد انطلقت ألسنة أهل هذا العصر وجرت أقلامهم بألفاظ؛ يريدون بها من المعاني غير ما تدلّ عليه في أصل اللغة أو في عرف العصور السالفة، ولهم ألفاظ أخرى جاءتهم من الفنون الحادثة والاكتشافات الجديدة، والكثير منها مما لم تستعمله العرب… [فمن ذلك]: لفظ الطبيعة، والطبيعي، والنواميس الطبيعية، وقوى الطبيعة.

أما لفظ (الطبيعة) فقد كان فيما مضى مما لا يكاد يستعمله إلا الأطباء والصوفية والفلاسفة، وأكثر من كان يستعمله الأطباء، ويطلق لفظ الطبيعة عندهم على عدة معان: على الهيئة التركيبية، وعلى المزاج الخاص بالبدن، وعلى القوة المدبِّرة، وعلى حركة النفس، وربما أُطلقت الطبيعة على النفس الناطقة باعتبار تدبيرها للبدن. وكان يطلق لقب الطبيعي على فرقة تعبد الطبائع الأربع، وعلى من ينسب كل شيء للطبيعة، كما يطلق على صاحب العلم الطبيعي.

وأما لفظ (الطبيعة) اليوم فهو كثير الدوران على ألسنة جميع الكتاب في الفنون العلمية والأدبية، حتى الشعراء والمترسِّلين، ويُجرونه على معناه اللغوي؛ وهو المخلوقات، أو الحالة التي هي عليها. وبيان ذلك: أن (الطبيعة) في اللغة بمعنى الخِلْقة والخليقة والفطرة؛ فخلقَ اللهُ الأشياءَ وفطرَها وطبعَها بمعنًى واحد، وإذا قلنا: إن هذا الشيء تقتضيه طبيعة الاجتماع الإنساني، فهو كما إذا قلنا: تقتضيه فطرة الله التي فطر الناس عليها، بلا فرق. وحاصل القول: أن لفظ (الطبيعة) حيث أُطلق فالمراد به الحالة التي طبعَ اللهُ الموجوداتِ عليها؛ أي: خلَقَهم، وتطلق على الموجودات أنفسها؛ فيقال: تأمّلْ محاسنَ الطبيعة؛ أي: المخلوقات.

وأما (الطبيعي) فهو المنسوب للطبيعة؛ كالخِلْقي نسبة للخِلْقة، ويستعمل في مقابلة (الصناعي)؛ فيراد به ما لا صُنع للبشر فيه؛ أي: في هيئته التركيبية؛ كالأشجار والبحار، ويطلق على العالِم بالفنون الطبيعية وإن كان متدينًا، ولا يطلق على الملحد من حيث إنه ملحد، وإن نسب الأشياء للطبيعة، واعتقد أنها موجدة لها ومؤثِّرة فيها من دون الله تعالى، بل يطلقون على من هذا شأنه لفظ: (الكافر) و(الدَّهْري) و(المادّي)؛ لأنه ينكر ما وراء المادة، فلا يعتقد بالإله ولا بالعالَم الآخر… وأكثر عامة بلادنا لايفهمون من لفظ الطبيعي إذا أطلق على إنسان إلا هذا المعنى الأخير.

ويدور هذا اللفظ على الألسنة كثيرًا في المحاورات المتعلقة بسائر الشؤون، ويراد به مجرّد التأكيد والتحقيق، أو أن هذا الشيء ظاهر بالبداهة؛ تراهم عند سماع شيء من المسلَّمات يقولون: «هذا طبيعي»؛ يعنون أنه بديهي أو محقَّق لا نزاع فيه، وأما العلماء والكتّاب فيعنون بقولهم: «هذا شيء طبيعي»: أن له سببًا طبيعيًّا يعلَّل به.

وأما (النواميس الطبيعية) فالمراد من الناموس: الطريقة الثابتة المطَّردة التي يحكم الله تعالى بها على الكون، وهو محرَّف عن لفظ (نومُس) اليوناني؛ ومعناه: الشريعة، وكثيرًا ما يدور على ألسنة الطبيعيين: «شريعة الطبيعة» و«الشرائع الطبيعية»، ويستعمله كتاب العربية في المقالات الأدبية والسياسية؛ مجاراة لهم وعملًا باصطلاحهم، وكان الأولى أن يترجَم لفظ (نومُس) بالسُّنَّة؛ فيقال: سُنَّة الطبيعة، والسُّنَن الطبيعية… وقد نعتاض عنه أحيانًا بقولنا: سُنَّة الكون، والسُّنَن الإلهية، وسُنَّة الله في خلقه.

وأما (القوى الطبيعية) فهي عبارة عما تُسند إليه الآثار الطارئة على الأجسام من حركة أو سكون؛ ومنها ما هو حقيقيٌّ كالقوة البخارية والكهربائية، وما هو فَرْضيٌّ كالجاذبية؛ فإن تعليل سقوط نحوِ الحجر من الهواء على الأرض بأنه سقط بقوة الجاذبية التي في مركز الأرض، يوهم أن هناك شيئًا موجودًا له هذا الفعل، وأنهم اطَّلعوا عليه وسمَّوه بهذا الاسم، وليس كذلك، بل إن هذه القوة مفروضة، والتسمية اصطلاحية، ولما كان الفعل الذي نُسب إليها يصدر عنها باطّراد، صحَّ إطلاق لفظ (الناموس) عليها؛ فقالوا: «ناموس جاذبية الثقل». ومثل هذا كثير.

التوثيق
زيادة بيان:

استبقاءُ الصاحب

الشريف الرضي

وكَمْ صاحِبٍ كالرُّمْحِ زاغَتْ كُعُوبُهُ
أبىٰ بعدَ طُولِ الغَمْزِ أنْ يتقَوَّما1
تقبَّلْتُ منهُ ظاهرًا مُتبَلِّجًا
وأدْمَجَ دُوني باطنًا مُتجَهِّما2
فأبْدىٰ كرَوْضِ الحَزْنِ [رَفَّتْ] فُرُوعُهُ
وأضْمرَ كاللَّيلِ الخُدارِيِّ مُظْلِما3
ولَوْ أنَّني كَشَّفْتُهُ عنْ ضَميرِهِ
أقمْتُ علىٰ ما بَيْنَنا اليومَ مَأْتَما4
فلا باسِطًا بالسُّوءِ إنْ ساءَني يدًا
ولا فاغِرًا بالذَّمِّ إنْ رابَني فَما5
كعُضْوٍ رَمَتْ فيهِ اللَّيالي بفادِحٍ
ومَنْ حَمَلَ العُضْوَ الأليمَ تألَّما6
إذا أمرَ الطَّبُّ اللَّبيبُ بقَطْعِهِ
أقولُ: عسىٰ ـ ضَنًّا بهِ ـ ولَعَلَّما!7
صَبَرْتُ علىٰ إيلامِهِ خَوْفَ نَقْصِهِ
ومَنْ لامَ مَنْ لا يَرْعَوِي كانَ ألْوَما!8
هيَ الكَفُّ مَضٌّ تَرْكُها بعدَ دائِها
وإنْ قُطِعَتْ شانَتْ ذِراعًا ومِعْصَما9
أراكَ علىٰ قَلْبي ـ وإنْ كنْتَ عاصِيًا ـ
أعَزَّ منَ القَلْبِ المُطيعِ وأكْرَما
حملْتُكَ حَمْلَ العَيْنِ لَجَّ بها القَذىٰ
ولا تَنْجَلي يومًا ولا تَبْلُغُ العَمىٰ!10
دَعِ المَرْءَ مَطْوِيًّا علىٰ ما ذَمَمْتَهُ
ولا تَنْشُرِ الدَّاءَ العُضالَ فتَنْدَما11
إذا العُضْوُ لمْ يُؤْلِمْكَ إلَّا قَطَعْتَهُ
علىٰ مَضَضٍ، لمْ تُبْقِ لحمًا ولا دَما!12
ومَنْ لمْ يُوَطِّنْ للصَّغيرِ منَ الأذىٰ
تَعرَّضَ أنْ يَلْقىٰ أجَلَّ وأعْظَما13

شرح الغريب (1-13)

  1. زاغَتْ: مالَتْ. الكُعوب: ج الكَعْب؛ وهو العقدةُ بين الأنبوبتين. الغَمْز: العَصْرُ باليدِ والتليين؛ كأنه يحاولُ بذلك تقويمَ الرمح.
  2. المتبلِّج: الواضحُ المُشرِق. أدمجَ: أضمرَ. المتجهِّم: الكالحُ العابس.
  3. الحَزْن: ما غَلُظَ من الأرض، والروضُ في الحَزْنِ أحسنُ منه في السهل. رَفَّتْ: اهتزَّتْ وتنعَّمَتْ وتلألأتْ. الخُداريّ: الليلُ المظلم. في الديوان: «رقَّتْ»، تصحيف.
  4. كشَّفَه عن الأمر: أكرهَه على إظهاره.
  5. فاغرًا: فاتحًا. رابَني: عرفْتُ منه الرِّيبة.
  6. الفادح: الأمرُ الثقيل.
  7. الطَّبُّ: الحاذقُ الماهر.
  8. يرعوي: يكفُّ ويرتدعُ.
  9. المَضُّ: الألم والحُرْقة.
  10. لَجَّ بها: تمادى وأبى الانصرافَ عنها. القذى: ما يقعُ في العينِ من الأذى. تنجلي: تنكشفُ؛ أي: يزولُ عنها القذى.
  11. العُضال: الشديدُ المُعْجِز.
  12. على مَضَضٍ: أيْ كارهًا متألِّمًا؛ والمَضَض: وجعُ المصيبة.
  13. وطَّنَ نفسَه للأمر: مهَّدَها، وحملَها عليه.
التوثيق

التجارة الرابحة

الموفَّق بن قُدامة

اعْلَمْ ـ رَحِمَكَ اللهُ ـ أنَّ هذه الدُّنيا مَزْرَعةُ الآخِرة، ومَتْجَرُ أرباحِها، وموضِعُ تحصيلِ الزَّادِ منها والبضائعِ الرَّابحة؛ بها بَرَزَ السَّابقون، وفازَ المتَّقون، وأفلحَ الصَّادقون، ورَبِحَ العامِلون، وخَسِرَ المُبْطِلون.

أنَّ هذه الدَّارَ أُمْنِيَّةُ أهلِ الجنَّةِ وأهلِ النَّار، وأنَّ أهلَ القُبورِ أُمْنِيَّةُ أحَدِهم أنْ يُسبِّحَ تسبيحةً تَزيدُ في حسناتِه، أو يَقْدِرَ علىٰ توبةٍ مِن بعضِ سيِّئاتِه، أو رَكْعةٍ تَرْفَعُ في درجاتِه. فاغْتَنِمْ ـ رَحِمَكَ اللهُ ـ حياتَكَ النَّفِيسة، واحْتَفِظْ بأوقاتِكَ العَزِيزة.

اعْلَمْ أنَّ مُدَّةَ حياتِكَ مَحْدودة، وأنفاسَكَ مَعْدودة؛ فكلُّ نَفَسٍ يَنْقُصُ به جزءٌ منك، والعُمْرُ كلُّه قصير، والباقي منه هو اليَسِير، وكلُّ جزءٍ منه جوهرةٌ نَفِيسةٌ لا عِدَّ لها، ولا خَلَفَ لها؛ فإنَّ بهذه الحياةِ اليسيرةِ خُلودَ الأبدِ في النَّعيم، أوِ العذابِ الأليم. فلا تُضَيِّعْ جواهرَ عُمْرِكَ النَّفِيسةَ بغيرِ عَمَل، ولا تُذْهِبْها بغيرِ عِوَض.

اجْتَهِدْ ألَّا يَخلُوَ نَفَسٌ مِن أنفاسِكَ إلَّا في عملِ طاعة، أو قُرْبةٍ تتقرَّبُ بها؛ فإنَّكَ لو كانَ معكَ جوهرةٌ مِن جواهرِ الدُّنيا فضاعَتْ منك، لَحزِنْتَ عليها حزنًا شديدًا، بل لو ضاعَ منكَ دينارٌ لَساءَك، فكيفَ تُفَرِّطُ في ساعاتِك وأوقاتِك؟! وكيفَ لا تَحْزَنُ علىٰ عُمْرِك الذَّاهبِ بغيرِ عِوَض؟!

اعْلَمْ أنَّ اللهَ تعالىٰ ناظرٌ إليك، مُطَّلِعٌ عليك، فقُلْ لنَفْسِك: لو كانَ رَجلٌ مِن صالِحِي قومي يَراني لاستحَيْتُ منه، فكيفَ لا أستحي مِن ربِّي ، ثمَّ لا آمَنُ تعجيلَ عقوبتِه وكَشْفَ سِتْرِه؟!

اعْلَمْ أنَّك لا تَقْدِرُ علىٰ معصيتِه إلَّا بنعمتِه؛ فكم لهُ عليكَ مِن نعمةٍ في يدِكَ الَّتي مَدَدْتَها إلىٰ معصيتِه، وكم مِن نعمةٍ في عينِكَ الَّتي نظرْتَ بها إلىٰ ما حَرَّمَ عليك، وفي لسانِكَ الَّذي نطقْتَ به بما لا يَحِلُّ لك، وليسَ مِن شُكْرِ إنعامِه أنْ تَستعينَ به علىٰ مَعاصِيه! ولو لم يَكُنْ مِن نِعَمِه عليكَ في معصيتِكَ إلَّا سَتْرُها عليكَ لَكفىٰ؛ فلَوِ اطَّلعَ النَّاسُ عليكَ لانْهَتَكْتَ.

اعْلَمْ أنَّ مَنْ هو في البحرِ علىٰ لَوْح، ليسَ هو بأحْوَجَ إلى اللهِ تعالىٰ وإلىٰ لُطْفِه ممَّنْ هو في بيتِه، وبينَ أهلِه ومالِه؛ فإنَّ الأسبابَ الَّتي ظهرَتْ له بيَدِ اللهِ تعالىٰ، كما أنَّ أسبابَ نجاةِ هذا الغريقِ بيَدِه. فإذا حقَّقْتَ هذا في قلبِك، فاعتمِدْ على اللهِ تعالىٰ اعتمادَ الغريقِ الَّذي لا يَعْلمُ له سببَ نجاةٍ غيرَ اللهِ تعالىٰ.

اعْلَمْ أنَّ اللهَ تعالىٰ إذا نظرَ إليك، وعَلِمَ أنَّك قدْ جَعَلْتَه مُعتمَدَكَ ومَلْجأَك، وأفرَدْتَه بحَوائجِكَ دونَ خَلْقِه، أعطاكَ أفضلَ ما سألْتَه، وأكرمَكَ بأكثرَ ممَّا أردْتَه؛ فإنْ عجَّلَ لكَ الإجابةَ فقدْ جَمَعَ لكَ بينَ قضاءِ الحاجةِ وخيرِ الدُّنيا والآخرة، وإنْ لم يُجِبْكَ عاجلًا فقدْ عوَّضَكَ عنْ ذلك خيرًا منه؛ فأنتَ علىٰ خيرٍ في الحالَيْن.

ترجمة ابن قدامة:
عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي، موفق الدين (ت 620ھ): عالم أهل الشام في زمانه، كان إمامًا في التفسير والحديث، إمامًا في الفقه وأصوله، إمامًا في علم الخلاف، إمامًا في الفرائض، إمامًا في النحو والحساب والمواقيت، وكان من بحور العلم وأذكياء العالم، جامعًا بين حسن الخَلق والخُلق، لا يكاد يراه أحد إلا متبسمًا، ولا يناظر أحدًا إلا وهو يتبسم. من تصانيفه: (المغني) في الفقه المقارن، (العمدة) و(المقنع) و(الكافي) في الفقه الحنبلي، (روضة الناظر) في أصول الفقه، (مختصر منهاج القاصدين) في التزكية.
التوثيق

أنَفٌ وإباء

الموفَّق الإربِلي

رُبَّ دارٍ [بالغَضىٰ] طالَ بِلاها
عَكَفَ الرَّكْبُ علَيْها فبَكاها1
دَرَسَتْ إلَّا بقايا أسْطُرٍ
سَمَحَ الدَّهرُ بها ثمَّ مَحاها2
كانَ لي فيها زمانٌ وانْقَضىٰ
فسَقَى اللهُ زماني وسَقاها
وقفَتْ فيها الغَوادِي وِقْفةً
ألْصَقَتْ حَرَّ ثَراها بحَشاها3
وبَكَتْ أطْلالَها نائبةً
عنْ جُفُوني، أحْسَنَ اللهُ جَزاها!4
قُلْ لجِيرانٍ مَواثِيقُهمُ
كلَّما أحكَمْتُها رَثَّتْ قُواها:5
كُنْتُ مَشْغُوفًا بكُمْ إذْ كُنْتُمُ
شَجرًا لا يَبْلُغُ الطَّيرُ ذُراها6
لا تَبِيتُ اللَّيْلَ إلَّا حَوْلَها
حَرَسٌ تَرْشَحُ بالموتِ ظُباها7
وإذا مُدَّتْ إلىٰ أغصانِها
كفُّ جانٍ قُطِعَتْ دُونَ جَناها8
فتَراخَى الأمرُ حتَّىٰ أصبحَتْ
هَمَلًا يَطْمعُ فيها مَنْ يَراها9
لا يَراني اللهُ أرْعىٰ رَوْضةً
سهلةَ الأكنافِ مَنْ شاءَ رَعاها10
تُخْصِبُ الأرضُ فلا أقْرَبُها
رائدًا إلَّا إذا عَزَّ حِماها!11

شرح الغريب (1-11)

  1. الغضى: شجرٌ من الأَثْل (ج الغَضاة)، والمرادُ مكانٌ يكثرُ فيه. البِلى: الفَناء. عكفَ على الشيء: أقبلَ عليه ولَزِمَه. الرَّكْب: ج الراكب.
  2. درسَتْ: ذهبَ أثرُها.
  3. الغوادي: ج الغادية؛ وهي السحابة تُمطِرُ غُدْوةً. الحَشا: ما انضمَّتْ عليه الضلوع؛ والمراد به هنا: الأمطار.
  4. الأطلال: ج الطَّلَل؛ وهو ما بقيَ شاخصًا من آثار الديار.
  5. أحْكَمَ الميثاقَ: وثَّقَه وقوَّاه. رَثَّتْ: بَلِيَتْ. القُوى: ج القُوَّة؛ وهي الطاقةُ من طاقاتِ الحَبْل، واشتهرَ إطلاقُ الحَبْلِ على العهد.
  6. المشغوف: المُولَع.
  7. تَرْشَحُ: تَنْضَحُ وتسيلُ. الظُّبا: ج الظُّبَة؛ وهي حدُّ السيف والسِّنان ونحوِهما.
  8. الجَنى: ما يُجتنى من الشجر.
  9. تراخى: ضَعُفَ وتأخَّرَ. الهَمَل: المُهمَلُ المتروكُ سُدًى.
  10. الأكناف: ج الكَنَف؛ وهو الجانب، أو الظِّلُّ.
  11. الرائد: الذي يُرسَلُ في طلبِ الكَلَأ. الحِمى: الموضعُ فيه كلأٌ يُحمى من الناسِ أنْ يُرعى.
ترجمة الإربلي:
محمد بن يوسف بن محمد البحراني الإربلي، موفق الدين (ت 585ھ): شاعر، من علماء العربية ونقد الشعر والموسيقا. أصله من إربل، ومولده ومنشؤه بالبحرين، كان أبوه يتّجر في اللؤلؤ من مغاصها. ورحل محمد إلى شهرزور ودمشق، ومدح السلطان صلاح الدين، ومات بإربل. له ديوان شعر، ورسائل حسنة.
التوثيق

حديث الزَّمْنى الثلاثة

مسلم بن الحجَّاج

حدثنا شَيْبانُ بنُ فَرُّوخ؛ حدَّثَنا هَمَّام؛ حدَّثَنا إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي طَلْحة؛ حدَّثَني عبدُ الرَّحمٰنِ بنُ أبي عَمْرة؛ أنَّ أبا هُرَيْرةَ حدَّثَه؛ أنَّه سَمِعَ النَّبيَّ يقولُ: «إنَّ ثلاثةً في بَنِي إسرائيلَ: أبْرَصَ وأقْرَعَ وأعْمَىٰ، فأرادَ اللهُ أنْ يَبْتَلِيَهم؛ فبَعَثَ إلَيْهم مَلَكًا، فأتى الأبرصَ فقال: أيُّ شَيْءٍ أحَبُّ إلَيْك؟ قال: لَوْنٌ حَسَنٌ، وجِلدٌ حَسَنٌ، ويَذْهَبُ عنِّي الَّذي قدْ قَذِرَني النَّاسُ. قال: فمَسَحَه، فذهبَ عنه قَذَرُه، وأُعطيَ لَوْنًا حَسَنًا، وجِلدًا حَسَنًا. قال: فأيُّ المالِ أحَبُّ إلَيْك؟ قال: الإبِلُ… قال: فأُعطيَ ناقةً عُشَراءَ، فقال: باركَ اللهُ لكَ فيها.

قالَ فأتى الأقرعَ فقال: أيُّ شَيْءٍ أحَبُّ إلَيْك؟ قال: شَعَرٌ حَسَنٌ، ويَذْهَبُ عنِّي هذا الَّذي قدْ قَذِرَنِي النَّاسُ. قال: فمَسَحَه، فذهبَ عنه، وأُعطيَ شَعَرًا حَسَنًا. قال: فأيُّ المالِ أحَبُّ إلَيْك؟ قال: البقرُ. فأُعطيَ بقرةً حامِلًا، فقال: باركَ اللهُ لكَ فيها.

قالَ فأتى الأعمىٰ فقال: أيُّ شَيْءٍ أحَبُّ إلَيْك؟ قال: أنْ يَرُدَّ اللهُ إليَّ بَصَري؛ فأُبْصِرَ به النَّاس. قال: فمَسَحَه، فرَدَّ اللهُ إلَيْه بَصَرَه. قال: فأيُّ المالِ أحَبُّ إلَيْك؟ قال: الغَنَمُ. فأُعطيَ شاةً والِدًا، [فأَنْتَجَ] هذانِ ووَلَّدَ هذا. قال: فكانَ لهذا وادٍ منَ الإبِل، ولهذا وادٍ منَ البقر، ولهذا وادٍ منَ الغَنَم.

قالَ ثمَّ إنَّه أتى الأبرصَ في صُورتِه وهَيْئَتِه، فقال: رَجُلٌ مِسْكِين، قَدِ انْقطعَتْ بيَ الحِبالُ في سَفَري، فلا بَلاغَ ليَ اليومَ إلَّا باللهِ ثمَّ بكَ، أسألُكَ ـ بالَّذي أعطاكَ اللَّوْنَ الحسَنَ والجِلدَ الحسَنَ والمالَ ـ بَعِيرًا أتَبَلَّغُ علَيْه في سَفَري. فقال: الحقوقُ كثيرةٌ! فقالَ له: كأنِّي أعْرِفُكَ؛ ألَمْ تَكُنْ أبرصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فقيرًا فأعطاكَ اللهُ؟ فقال: إنَّما وَرِثْتُ هذا المالَ كابِرًا عنْ كابِر! فقال: إنْ كُنْتَ كاذبًا فصَيَّرَكَ اللهُ إلىٰ ما كُنْتَ.

قالَ وأتى الأقرعَ في صُورتِه، فقالَ له مِثْلَ ما قالَ لهذا، ورَدَّ علَيْه مِثْلَ ما رَدَّ علىٰ هذا، فقال: إنْ كُنْتَ كاذبًا فصَيَّرَكَ اللهُ إلىٰ ما كُنْتَ.

قالَ وأتى الأعمىٰ في صُورتِه وهَيْئَتِه، فقال: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وابنُ سَبِيل، انقطعَتْ بيَ الحِبالُ في سَفَري، فلا بَلاغَ ليَ اليومَ إلَّا باللهِ ثُمَّ بكَ، أسألُكَ ـ بالَّذي رَدَّ علَيْكَ بصرَكَ ـ شاةً أتَبَلَّغُ بها في سَفَري. فقال: قدْ كُنْتُ أعمىٰ فرَدَّ اللهُ إليَّ بَصَري، فخُذْ ما شِئْتَ، ودَعْ مَا شِئْتَ، فَوَ اللهِ لا أجْهَدُكَ اليومَ شَيْئًا أخَذْتَه لله. فقال: أمْسِكْ مالَك، فإنَّما ابْتُلِيتُم؛ فقَدْ رُضِيَ عنك، وسُخِطَ علىٰ صاحبَيْك».

التوثيق
زيادة بيان:

تحنانُ غريب

ابن عُنَيْن

حَنِينٌ إلى الأوطانِ ليسَ يَزُولُ
وقلبٌ عنِ الأشواقِ ليسَ يَحُولُ1
ألا ليتَ شِعْري! هلْ أبِيتَنَّ ليلةً
وظِلُّكِ يا مَقْرَىٰ عليَّ ظَلِيلُ؟2
وهلْ أرَيَنِّي بعدَما شَطَّتِ النَّوىٰ
ولي في رُبا رَوْضٍ هناكَ مَقِيلُ؟3
دِمَشْقُ.. فبِي شَوْقٌ إليها مُبَرِّحٌ
وإنْ لَجَّ واشٍ أوْ ألَحَّ عَذُولُ4
وفي كَبِدِي مِنْ قاسِيُونَ حَزازةٌ
تَزُولُ رَواسِيهِ وليسَ تَزُولُ5
دِيارٌ بها الحَصْباءُ دُرٌّ، وتُرْبُها
عَبِيرٌ، وأنفاسُ الشَّمالِ شَمُولُ6
فلِلهِ أيَّامي وغُصْنُ الصِّبا بها
وَرِيقٌ، وإذْ وَجْهُ الزَّمانِ صَقِيلُ7
هيَ الغَرَضُ الأقصىٰ وإنْ لمْ يَكُنْ بها
صَدِيقٌ، ولم يُصْفِ الوِدادَ خَلِيلُ8
وكمْ قائلٍ: في الأرضِ للحُرِّ مَذْهبٌ
إِذا جارَ دهرٌ واستحالَ مَلُولُ9
وما نافِعي أنَّ المياهَ سَوائحٌ
عِذابٌ، ولم يُنْقَعْ بهِنَّ غَلِيلُ؟!10
فَقَدْتُ الصِّبا والأهلَ والدَّارَ والهوىٰ
فلِلهِ صَبْري إنَّهُ لَجميلُ!
وَواللهِ ما فارَقْتُها عنْ مَلالةٍ
سِوايَ عنِ العهدِ القديمِ يَحُولُ
ولكنْ أبَتْ أنْ تَحمِلَ الضَّيْمَ هِمَّتي
ونَفْسٌ لها فوقَ السِّماكِ حُلُولُ11
فإِنَّ الفتىٰ يَلْقَى المَنايا مُكَرَّمًا
ويَكْرَهُ طُولَ العُمْرِ وهْوَ ذليلُ12
تَعافُ الوُرُودَ الحائماتُ معَ القَذىٰ
وللقَيْظِ في أكْبادِهنَّ صَلِيلُ13
سألْثَمُ إنْ وافَيْتُها ذلكَ الثَّرىٰ
وهَيْهاتَ.. حالَتْ دُونَ ذاكَ حُؤُولُ14
يُعانِدُني صَرْفُ الزَّمانِ كأنَّما
عليَّ لأحداثِ الزَّمانِ ذُحُولُ!15

شرح الغريب (1-15)

  1. يحولُ عنها: يَرجِعُ عنها، يتغيَّرُ.
  2. ليتَ شِعري: ليتني أعْلَمُ. مَقْرى: قريةٌ دمشقيةٌ قديمة، كانت تقعُ شرقيَّ الصالِحيَّة. ظليل: دائمُ الظلِّ.
  3. شطَّتْ: بَعُدَتْ. النَّوى: الدار، والناحيةُ يُذهَبُ إليها. المَقِيل: الاستراحةُ نصفَ النهار، وموضع القيلولة.
  4. مبرِّح: شديد. لجَّ: تمادى. العَذول: اللائم.
  5. قاسِيون: الجبلُ المُطلُّ على دمشق. الحَزازة: الهمُّ يَحُزُّ القلبَ. الرَّواسي: الثابتة الراسخة؛ أي: صخوره وحجارته.
  6. الحَصْباء: صغارُ الحجارة. العبير: أخْلاطٌ من الطِّيبِ تُجمَعُ بالزَّعفران. الشَّمال: ريحٌ تهبُّ من جهةِ الشَّمال. الشَّمول: الخمر.
  7. الوَريق: كثيرُ الوَرَق. الصَّقيل: المَجْلوُّ الناعم.
  8. أصفاه الوِدادَ: أخلَصَه له.
  9. جارَ: ظلمَ. استحالَ: تغيَّرَ، واعوجَّ بعدَ استواء.
  10. السوائح: ج السائحة؛ وهي السائلة الجارية. نَقَعَ الماءُ العطشَ: سكَّنَه وأذهبَه. الغليل: شدَّةُ العطش.
  11. الضَّيم: الظُّلم والإذلال. السِّماك: نجمٌ نيِّر؛ وهما سِماكان: الأعزلُ والرامِح.
  12. المَنايا: ج المَنِيَّة؛ وهي الموت.
  13. تعافُ: تَكْرهُ. الوُرود: حضورُ الماءِ للشرب. الحائمات: العِطاش. القذى: ما يسقطُ في الشراب من الأذى. القيظ: حرارة الصيف. الصَّليل: صوتٌ كالبُحَّة؛ يُسمَعُ من الجوفِ إذا جفَّ من شدَّةِ العطش.
  14. لَثِمَه يَلْثَمُه: قبَّلَه. هيهاتَ: اسمُ فعلٍ بمعنى البُعد. حالتْ: اعترضَتْ. الحُؤول: السِّنون (ج الحَوْل).
  15. صَرْفُ الزمان: نوائبُه. الذُّحُول: ج الذَّحْل؛ وهو الثأر، والحقد.
ترجمة ابن عنين:
محمد بن نصر الله بن مكارم بن الحسن بن عنين الدمشقي الأنصاري (ت 630ھ): أعظم شعراء عصره، مولده ووفاته في دمشق، كان يقول: إن أصله من الكوفة، من الأنصار. وكان هجّاء، قلّ من سلم من شره في دمشق؛ حتى السلطان صلاح الدين والملك العادل. ونفاه صلاح الدين، فذهب إلى العراق والجزيرة وأذربيجان وخراسان والهند واليمن ومصر، وعاد إلى دمشق بعد وفاة صلاح الدين، فمدح الملك العادل وتقرب منه. وكان وافر الحرمة عند الملوك.
التوثيق
الصفحة 2 من 8