أسماءُ الطِّينِ وأوصافُه

عن الأئمة

إذا كانَ حُرًّا يابِسًا فهوَ الصَّلْصَالُ. فإذا كانَ مَطْبُوخًا فهوَ الفَخَّارُ. فإذا كانَ عَلِكًا لاصِقًا فهوَ اللَّازِبُ. فإذا غَيَّرَه الماءُ وأفْسَدَه فهوَ الحَمَأُ. وقَدْ نطقَ بهذه الأسماءِ الأربعةِ القرآنُ. فإذا كانَ رَطْبًا فهوَ الثَّأْطةُ، وفي المَثَل: «ثَأْطةٌ مُدَّتْ بماءٍ»، يُضْرَبُ للأمْرِ الفاسدِ يَزْدَادُ فسادًا. فإذا كانَ رَقيقًا فهوَ الرِّدَاغُ. فإذا كانَ تَرْتَطِمُ فيه الدَّوابُّ فهوَ الوَحَلُ. وأشَدُّ مِنْه: الرَّدَغةُ والرَّزَغةُ. وأشَدُّ مِنْهما: الوَرْطةُ، تقعُ فيها الغَنَمُ فلا تَقْدِرُ علَى التَّخلُّصِ مِنْها، ثُمَّ صارَتْ مَثَلًا لكلِّ شِدَّةٍ يقعُ فيها الإنسانُ. فإذا كانَ حُرًّا طَيِّبًا عَلِكًا وفيه خُضْرةٌ فهوَ الغَضْراءُ. فإذا كانَ مَخلُوطًا بالتِّبْنِ فهوَ السِّياعُ. فإذا جُعِلَ بينَ اللَّبِنِ فهوَ المِلاطُ.

• الحُرُّ منَ الطِّين: الخالصُ لا يَشُوبُه غيرُه.
• الطِّينُ العَلِكُ: هو اللَّزِجُ.
• ارتطمَ في الوَحَل: وقعَ فيه فتخبَّطَ.
• اللَّبِنُ: ج اللَّبِنة؛ وهي قالَبُ البناءِ (الطُّوبة).
التوثيق

أصولُ الانتقاد

مصطفى الغلاييني

السَّعيُ وراءَ الحقائقِ دَأَبُ كلِّ عاقلٍ يَرْبَأُ بنَفْسِه أنْ يَرِدَ مَوارِدَ الأوهامِ والظُّنون، وشِنْشِنةُ المَرْءِ الَّذي لا يُهِمُّه إلَّا التَّنقيبُ عمَّا هو حقيقةٌ راهِنةٌ لا تَقْبَلُ الإيهام؛ فمعرفةُ الحقيقةِ واسْتِطلاعُ شُؤونِها غايةُ ما يَتطلَّبُه العُقَلاء، ومُنتهىٰ ما يسعىٰ لأجلِه الأُدَباء.

غيرَ أنَّ معرفةَ هذه الحقيقةِ صعبةٌ علىٰ مَنْ لم يَحْلُبِ الدَّهرَ أشْطُرَه، ويَعْرِفْ حُلْوَه ومُرَّه؛ لأنَّ تحصيلَ هذه المعرفةِ يتوقَّفُ علىٰ إذْكاءِ نارِ الجِدِّ، وإيقادِ جَذْوةِ الطَّلبِ والاجتهاد، والمباحثةِ والمذاكَرة، والرَّدِّ والاعْتِراض، والمناقشةِ والانتقاد.

فوائدُ الانتقاد

الانتقادُ يُمَحِّصُ الحقائقَ، ويُثِيرُ الأذهانَ ، ويُوَسِّعُ نِطاقَ العُقول، ويُبْرِزُ الحقيقةَ مِن خفايا الوجودِ بأبهىٰ حُلَلِها، وأجملِ بُرُودِها، تَتَجلَّىٰ للرَّائينَ كالغَزالةِ عندَ الطُّلُوع؛ فتَعْشُو عندَ ذلك عُيونُ المكابِرِين؛ فيَرْتَدُّ بَصَرُهم خاسِئًا وهو حَسِير.

ليسَ مِن أُمَّةٍ حَطَّتْ عنها أعباءَ الكسل، ورَمَتْ بإهمالِها إلىٰ أقصىٰ مكان، إلَّا كانَ الانتقادُ هو الدَّاعيَ الأكبر، والسَّببَ الأقوىٰ في تقدُّمِها؛ ولذلكَ نرىٰ أنَّ مِقدارَ ارْتِقائِها إلىٰ أَوْجِ السَّعادةِ في المعرفةِ والمَدَنيَّةِ بكثرةِ عَددِ المنتقِدينَ فيها، واقتدارِهم علىٰ معرفةِ مواضعِ النَّقدِ لِيُظْهِرُوها، وحِذْقِهم بمَحالِّ العِلَّةِ فيُخْرِجُوها.

وما المنتقِدونَ إلَّا كالأطبَّاء؛ يَرَوْنَ العِلَلَ وأسبابَها، فيَعملُونَ علىٰ تطهيرِ البدنِ منها، وإراحةِ الجسمِ مِن أذاها… [و] لولا الانتقادُ لَمَا بَعَثَ اللهُ الأنبياء، وعَلَّمَ العُلماء، وأمرَ النَّاسَ باتِّباعِهم، والاستماعِ لنصائحِهم؛ إذِ الغايةُ مِن إرسالِ الرُّسُلِ انتقادُ العاداتِ والأخلاق؛ ليَرْجِعَ النَّاسُ عمَّا ألِفُوه منَ الباطل، واتَّبَعُوه منَ العقائدِ الفاسدة، والأخلاقِ الكاسدة.

مشاربُ المنتقِدين

مَشارِبُ المنتقِدينَ شتَّىٰ؛ تختلفُ باختلافِ أخلاقِهم، وتبايُنِ أذواقِهم:

 فمِنهم مَنْ يَستعمِلُ التُّؤَدةَ والتَّأنِّي، ولا يَتَسرَّعُ في الانتقادِ إلَّا بعدَ أنْ يَخْبُرَ المنتقَدَ عليه خِبرةً تامَّة، ويفكِّرَ فيما قالَه تفكيرًا، ثمَّ بعدَ ذلك يَشْرَعُ في نقدِ قولِه أو فعلِه، متسلِّحًا بالأدبِ التامِّ واللَّطافةِ في التَّعبير، عادِلًا عنِ الألفاظِ الَّتي تُنَفِّرُ المنتقَدَ عليه، وغايتُه مِن ذلك إظهارُ الحقِّ ليسَ إلَّا… وبذلك تَتِمُّ الفائدةُ المرغوبة، وتَحصُلُ النَّتيجةُ المطلوبة.

 ومنهم مَنْ إذا رأىٰ هَفْوةً مِن أحَد، أرْغىٰ وأزْبَد، وتسرَّعَ في النَّقد، وسَلَقَ الخصمَ بألسنةٍ حِداد، ورماه بصخورٍ منَ الحِدَّةِ شِداد. سلاحُه بَذاءةُ اللِّسان، وحِدَّةُ القلم، وغيرُ ذلك منَ الوسائلِ الَّتي تضيعُ معها الحقيقة، وتَجعلُ المنتقَدَ عليه لا يُقِرُّ بالخَطاءِ وإنْ كانَ مخطئًا. وكثيرٌ مِن هؤلاءِ ليسَ قَصْدُهم إظهارَ الحقِّ، بلْ إبداءَ عُيُوبِ الخَلْق!

شروطُ الانتقاد

للانتقادِ شروطٌ وآدابٌ ينبغي للمُنتقِدِ مُراعاتُها والسَّيْرُ في جادَّتِها، وللمُنتقَدِ عليه شروطٌ كذلك. فمتىٰ راعىٰ كلٌّ منهما ما وجبَ عليه منَ الأصولِ الَّتي يَلْزَمُه اتِّباعُها، ظَهَرَ الحقُّ ووَضَحَ الأمْر، وبَطَلَ قولُ زَيْدٍ وعَمْرو؛ فكانَ كلٌّ منهما راتِعًا في بُحْبُوحةِ الصَّواب، آمِنًا منَ العِثارِ في عَقَباتِ الأكدار، والنُّزُوعِ لحُسامِ العداوةِ والأحقاد.

وإنَّا ذاكِرُونَ شيئًا مِن تلك الآدابِ والقواعد، الَّتي يَجْدُرُ بالمنتقِدِ والمنتقَدِ عليه أنْ يَجْعَلاها نُصْبَ أعْيُنِهما، ولا يُغْفِلاها طَرْفةَ عَيْن:

الأوَّل: مُناظِرُك نَظِيرُك؛ فلا يجوزُ احتقارُه ولا الازْدِراءُ برأيِه، مهما كانَ سافلًا أو خطأً، بلْ يجبُ أنْ تُلاطِفَه وتُجامِلَه، إلىٰ أنْ تَفْرِيَ ببُرهانِك القاطعِ رأسَ رأيِه الفاسد، وتُنِيرَ بدَليلِك السَّاطعِ غَياهِبَ فِكْرِه المظلِم. إذْ ليسَ المرادُ منَ الانتقادِ نَقْدَ الشَّخصِ نَفْسِه، أو إظهارَ أنَّه فاسدٌ مِن حيثُ إنَّه فاسد، وإنَّما القَصْدُ تبيينُ الصَّوابِ وإظهارُ الحقِّ، وإرشادُ مَنْ حادَ بفكرِه عنْ منهجِ السَّداد، أو أسقَطَه رأيُه عنْ مِنَصَّاتِ الرَّشاد. وإذا كانَ الغرضُ كذلك، فالازْدِراءُ بالمُناظِرِ والحَطُّ مِن كرامتِه يَحُولانِ دونَ الوُصولِ إلى المطلوب، ويَمْنعانِ الخصمَ منَ الاعترافِ بالحقِّ؛ أيًّا كانَ المُحِقُّ.

الثَّاني: كلُّ دعوىٰ لم تَكُنْ مُقترِنةً بالدَّليل، فهي ساقطةٌ عنْ درجةِ الاعتبار؛ فلا تَدَّعِ دعوىٰ قبْلَ أنْ تَقْتُلَ البُرهانَ عِلْمًا.

الثَّالث: لا تَستَعمِلِ الحِدَّةَ في كلامِك، وإنْ كنتَ أديبًا في ألفاظِك؛ فالحِدَّةُ لا تُنْتِجُ المقصودَ، بلْ رُبَّما أذهَبَتِ المطلوبَ.

الرَّابع: يقولُ علماءُ الجَدَلِ وآدابِ البحثِ والمُناظَرة: «إنْ كنتَ مُدَّعيًا فالدَّليلَ، أو ناقِلًا فالصِّحَّةَ»؛ أيْ: إنْ كانَ كلامُك دعوىٰ مِن قِبَلِ نَفْسِك؛ فاجْعَلِ البُرهانَ سِياجًا لها يَمنَعُ الدَّاخِل، ومِجَنًّا يَدفَعُ نِبالَ المُناظِرِ وسيفَ المُجادِل. وإنْ كنتَ ناقِلًا لكلامِكَ عنْ كتاب، فأَثْبِتْ ذلك النَّقلَ وصَحِّحْ ما نَقَلْتَ.

تلك أصولٌ أربعة، إذا اعتصمَ بها المُناظِرانِ وتَمَسَّكا بأهدابِها، وَصَلَ كلٌّ منهما إلىٰ ما يريدُه مِن إظهارِ الحقِّ.

ترجمة الغلاييني:
مصطفى الغلاييني
مصطفى بن محمد سليم الغلاييني (ت 1364ھ/ 1944م): شاعر، من الكتاب الخطباء، مولده ووفاته ببيروت، تعلم بها وبمصر، وتتلمذ للشيخ محمد عبده. عين خطيبًا للجيش الرابع العثماني في الحرب العامة الأولى، وبعد الحرب أقام مدة في دمشق، وتطوع للعمل في جيشها العربي. من كتبه: جامع الدروس العربية، نظرات في اللغة والأدب، عظة الناشئين، أريج الزهر، رجال المعلقات العشر، ديوان الغلاييني.
التوثيق

طبائعُ الدنيا الدنيَّة

أبو الطيب المتنبي

فؤادٌ ما تُسَلِّيهِ المُدامُ
وعُمْرٌ مِثْلُ ما تَهَبُ اللِّئامُ1
ودهرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ
وإنْ كانتْ لهمْ جُثَثٌ ضِخامُ!
وما أنا منهمُ بالعَيْشِ فيهمْ
ولكنْ مَعْدِنُ الذَّهبِ الرَّغامُ2
أرانبُ غيرَ أنَّهمُ مُلُوكٌ
مُفَتَّحةٌ عُيُونُهمُ نِيامُ!
بأجسامٍ يَحَرُّ القَتْلُ فيها
وما أقْرانُها إلَّا الطَّعامُ!3
وخَيْلٍ ما يَخِرُّ لها طَعِينٌ
كأنَّ قَنا فَوارسِها ثُمامُ!4
خَلِيلُكَ أنتَ لا مَنْ قُلْتَ: خِلِّي،
وإنْ كَثُرَ التَّجَمُّلُ والكلامُ5
ولَوْ حِيزَ الحِفاظُ بغيرِ عَقْلٍ
تَجَنَّبَ عُنْقَ صَيْقَلِهِ الحُسامُ6
وشِبْهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إليهِ
وأشْبَهُنا بدُنْيانا الطَّغامُ!7
ولَوْ لَمْ يَعْلُ إلَّا ذُو مَحَلٍّ
تَعالَى الجيشُ وانْحَطَّ القَتامُ!8
ولَوْ لَمْ يَرْعَ إلَّا مُسْتَحِقٌّ
لرُتْبتِهِ، أَسامَهمُ المُسامُ!9
ومَنْ خَبَرَ الغَواني فالغَواني
ضِياءٌ في بَواطنِهِ ظَلامُ10
إذا كانَ الشَّبابُ السُّكْرَ، والشَّيْـ
ـبُ هَمًّا، فالحياةُ هيَ الحِمامُ11
وما كلٌّ بمَعْذُورٍ ببُخْلٍ
ولا كلٌّ علىٰ بُخْلٍ يُلامُ!12

شرح الغريب (1-12)

  1. المُدام: الخمر. «مثلُ ما تهبُ اللِّئامُ»: كنايةٌ عن قِلَّتِه. يقول: إنَّ فؤادَه لا يتسلَّى بالخمرِ واللَّهوِ عن طلبِ المعالي؛ فإنَّ العمرَ أقصرُ من أنْ يتَّسعَ لذلك.
  2. المَعدِن: موضعُ استخراجِ الجوهر. الرَّغام: التراب. يقول: إنني لا أعُدُّ نفسي من هؤلاء الناسِ وإنْ عِشْتُ بينهم؛ كالذهبِ الذي يكون بين الترابِ ولا يُحسَبُ منه.
  3. يَحَرُّ: يشتدُّ. الأقران: ج القِرْن؛ وهو الكُفْءُ في الحرب. يقول: يقتلُهم الطعامُ؛ فيموتون بالتُّخَمةِ من كثرةِ الأكل.
  4. يَخِرُّ: يسقطُ. القَنا: الرِّماح. الثُّمام: نبتٌ ضعيف. أيْ أنَّ طعْنَهم لا يؤثِّرُ في المطعونِ لضعفِهم؛ فكأنهم يَطْعُنون بالثُّمام.
  5. يقول: لا خليلَ لأحدٍ على الحقيقةِ إلا نفسُه؛ فلا يثقِ الإنسانُ بصداقةِ أحد، وإن كان كثيرَ التملُّق.
  6. حِيزَ: مُلِكَ. الحِفاظ: المحافظةُ على الحقوق. الصَّيْقل: الذي يعملُ السيوفَ. الحسام: السيفُ القاطع. أي: لو أمكنَ أن يحافِظَ على المودَّةِ والوفاءِ ما لا عقلَ له، لكانَ السيفُ ينبو عن عنقِ صانعِه. والمعنى: أنهم لا عقولَ لهم؛ فلا يوثَقُ منهم بذِمام.
  7. الطَّغام: الأرذال والأوغاد. يقول: إن الشيءَ يميلُ إلى شِبْهه، والدنيا خسيسة؛ فهي لذلك تميلُ إلى الخِساس من الناس.
  8. المَحَلُّ: المكانةُ الرفيعة. القَتام: الغبار. يقول: إنَّ علوَّهم في الدنيا لا يدلُّ على فضيلتِهم واستحقاقِهم؛ فإنَّ الغبارَ يرتفعُ فوق الجيش، وهو مما تثيرُه الأقدامُ والحوافر.
  9. يَرْعَ: من الرعاية؛ بمعنى السياسة. المُسام: المالُ المُرسَلُ في مَراعيه، وأسامَه صاحبُه: إذا أرسلَه. يقول: هؤلاء شرٌّ من البهائم، فلو كانتِ الولايةُ بالاستحقاقِ لكانَ الراعي لهم البهائم؛ لأنها أشرفُ منهم وأعقل!
  10. خَبَرَ الشيءَ: بَلاه وامتحنَه، وعرفَ خبرَه على حقيقتِه. الغواني: النساءُ الحِسان.
  11. الحِمام: الموت. يقول: إذا كان الإنسانُ في شبيبتِه غائصًا في سُكْرٍ من اللَّهو والصِّبا، وعند مشيبِه غارقًا في بحرٍ من الهمّ، فحياتُه أشْبَهُ بالممات.
  12. لتفسيره وجهان؛ أحسنُهما: أنَّ الذي لا يُعذَرُ في بخلِه مَنْ وَلَدَتْه الكرام، والذي لا يلامُ على بخلِه مَنْ كان آباؤه لئامًا بُخلاء، ولم يتعلَّمْ غيرَ البخل، ولم يرَ في آبائه الجودَ والكرم.
التوثيق
زيادة بيان:
صورة

بيت القصيد/ 1

ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ

قالَ رسولُ اللهِ : «أصدقُ كلمةٍ قالَها شاعرٌ كلمةُ لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ» [متفق عليه]. وفي لفظٍ آخرَ عندَ مسلم: «أشعرُ كلمةٍ تكلَّمَتْ بها العربُ كلمةُ لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ».

أمْسِ وغدًا

أحمد أمين

كانَ لِسَرِيٍّ مَصانعُ ومَتاجِرُ؛ كأفخمِ ما يكونُ مِن مَصانعَ ومَتاجِر، أصابَتْها النَّارُ فأتَتْ عليها، وقُدِّرَتِ الخسائرُ بالأُلوف. وكانَ هذا السَّرِيُّ في السِّنينَ الأخيرةِ مِن عُمُرِه؛ ليسَ له قُوَّةُ الشَّباب، ولا أملُ الشَّباب، وكانتْ ثَرْوتُه الضَّائعةُ ثَرْوةَ العُمُر، ومجهودَ العُمُر.

جاءَه مَنْ يسألُه عنْ هذه الكارثةِ وأسبابِها ومِقْدارِها، فأجابَه: «لستُ أُفكِّرُ في شيءٍ مِن ذلك، وإنَّما يَملِكُ عليَّ كلَّ فِكْري الآنَ: ماذا أنا صانعٌ غدًا؟».

منهجٌ في التَّفكير

يُعْجِبُني هذا الاتِّجاهُ العمليُّ في التَّفكير؛ فإنَّه دليلُ الحياة، وعنوانُ القُوَّة، ومَبْعَثُ النَّشاط. فما دُمْتَ حيًّا ففَكِّرْ دائمًا في وسائلِ الحياة، ووسائلِ السَّعادةِ في الحياة؛ وتلك كلُّها أمامَك لا خَلْفَك، وفي الغدِ لا في الأمس.

ولأمرٍ ما خَلقَ اللهُ الوجهَ في الأمامِ ولم يَخْلُقْه في الخَلْف، وجَعلَ العينَ تَنظُرُ إلى الأمامِ ولا تَنظُرُ إلى الخَلْف، وأرادَ أنْ يَجعلَ لنا عقلًا يَنظُرُ إلى الأمامِ وإلى الخَلْفِ معًا، وأنْ يكونَ نَظَرُه إلى الخَلْفِ وسيلةً لحُسْنِ النَّظرِ إلى الأمام. فعَكَسَ قومٌ الفِطْرةَ الإنسانيَّة، ونَظَرُوا بعقولِهم إلى الخَلْفِ وَحْدَه، وقَلَبُوا الوضعَ؛ فجَعَلُوا النَّظرَ إلى الخَلْفِ غايةً لا وسيلة.

بينَ ما فات، وما هو آت

خيرٌ لكَ إنْ كنتَ في ظُلْمةٍ أنْ تَأْمُلَ طُلوعَ الشَّمسِ غدًا، مِن أنْ تَذْكُرَ طُلوعَها أمسِ؛ فلِكلٍّ منَ الظَّاهرتينِ أثرٌ نَفْسِيٌّ مُعاكِسٌ للآخَر: ففي تَرَقُّبِك طُلوعَ الشَّمسِ غدًا الأملُ والطُّموحُ إلىٰ ما هو آتٍ؛ وفي هذا معنَى الحياة، وفي تذكُّرِك طُلوعَها أمسِ حَسْرةٌ علىٰ ما فات، وألمٌ مِن خيرٍ كنتَ فيه إلىٰ شرٍّ صِرْتَ فيه؛ وفي ذلك معنَى الفَناء.

وفَرْقٌ كبيرٌ بينَ مَنْ يُلْطَمُ اللَّطمةَ فلا تكونُ له وسيلةٌ إلَّا البُكاء، وتَذكُّرَ اللَّطمةِ ثمَّ البُكاء، ثمَّ تَذكُّرَ اللَّطمةِ ثمَّ البُكاء، وبينَ مَنْ يُلْطَمُ اللَّطمةَ فيَسْتَجْمِعُ قُواه للمُكافَحة. والحياةُ كلُّها لَطَمات، وأعجَزُ النَّاسِ مَنْ خارَتْ قُواه أمامَ أوَّلِ لَطْمةٍ فهَرَب! ولو أنصفَ النَّاسُ لقَوَّمُوا النَّاسَ بمِقْدارِ كِفاحِهم، لا بمِقدارِ [إخفاقِهم] ونجاحِهم.

نظرتان.. ومِنْظاران

شرُّ ما أُلاحِظُ في الشَّرقِ حَنِينُه الشَّديدُ إلى الماضي، لا أمَلُه القويُّ في المستقبل، واعتقادُه أنَّ خيرَ أيَّامِه ما سَلَفَتْ، لا ما أقبلَتْ، وإعجابُه الشَّديدُ بأعمالِ الماضين، وإهمالُ المعاصِرين.

له مِنْظاران: مِنظارٌ مُكَبِّرٌ يَلْبَسُه إذا نَظرَ إلى الماضي، ومِنظارٌ مُصَغِّرٌ أسْوَدُ يَضَعُه إذا نَظرَ إلى الحاضرِ والمستقبل. يَلَذُّه أنْ يُطِيلَ البُكاءَ على الميِّت، ولا يَلَذُّه أنْ يَتدبَّرَ فيما يجبُ أنْ يَفْعلَه الأحياء. يَسْتَسْهِلُ النَّفقاتِ مهما عَظُمَتْ على الميِّت، ويَسْتَكْثِرُ نَفَقاتِ الطَّبيبِ وأثمانَ الدَّواءِ للمريض.

مِن أمثالِهم تَعرِفُونَهم

يُعجِبُهم أنْ يَتَمثَّلُوا الأمثالَ تَدُلُّ علىٰ عِظَمِ الماضي، ولا يُعجِبُهم أنْ يَتَمثَّلُوا الأمثالَ تَبْعَثُ الأملَ في المستقبل؛ ففي أعماقِ نُفُوسِهم أنَّ قولَ القائل: «ما تَرَكَ الأوَّلُ للآخِر»، خيرٌ منَ القولِ: «كمْ تَرَكَ الأوَّلُ للآخِر»! ويَلُوكُونَ دائمًا: «لا جديدَ تحتَ الشَّمس»، ولا يُعجِبُهم أنْ تقول: إنَّ كلَّ ما تحتَ الشَّمسِ في جِدَّةٍ مستمرَّة، والمستقبلَ مملوءٌ بالجديد.

وإذا رَأَوْا كلمةً في كتابٍ قديمٍ تَدُلُّ ـ ولوْ دَلالةً كاذبةً ـ علىٰ نظريةٍ جديدة، طارُوا بها فرَحًا؛ لأنَّ ذلك يُلائِمُ ما في نُفُوسِهم مِن تعظيمِ الماضي، وتحقيرِ الحاضرِ والمستقبل.

هم يَعيشونَ في أحلام، ولا يريدونَ أنْ يَعيشُوا في حياةٍ واقعة، وحَوْلَ هذه المَعِيشةِ الحالمةِ يَنْسِجُونَ دائمًا ما يُوافِقُها ويُمازِجُها ويُسايِرُها. يَكْتَفُونَ بالأملِ أنْ يَنْعَمُوا بالآخرة، وماذا عليهم لو عَمِلُوا لِيَنْعَمُوا بالدُّنيا والآخرة؟!

ترجمة أحمد أمين:
أحمد أمين
أحمد أمين ابن الشيخ إبراهيم الطباخ (ت 1373ھ/ 1954م): عالم بالأدب، غزير الاطلاع على التاريخ، من كبار الكتاب، مولده ووفاته بالقاهرة. عين مدرسًا بكلية الآداب بالجامعة المصرية، وانتخب عميدًا لها. وهو من أكثر كتاب مصر تصنيفًا وإفاضة، وبلغت مقالاته في المجلات والصحف عشرة مجلدات، جمعها في كتابه (فيض الخاطر)، ومن تآليفه: فجر الإسلام، ضحى الإسلام، ظهر الإسلام، النقد الأدبي، حياتي، إلى ولدي.
التوثيق

العزاءُ الجميل

إبراهيم بن كُنَيْف

تَعَزَّ فإنَّ الصَّبْرَ بالحُرِّ أجْمَلُ
وليسَ علىٰ رَيْبِ الزَّمانِ مُعَوَّلُ1
فلَوْ كانَ يُغْنِي أنْ يُرَى المَرْءُ جازِعًا
لِحادثةٍ أوْ كانَ يُغْنِي التَّذَلُّلُ
لَكانَ التَّعَزِّي عندَ كلِّ مُصِيبةٍ
ونائبةٍ بالحُرِّ أَوْلىٰ وأجْمَلُ2
فكيفَ وكلٌّ ليسَ يَعْدُو حِمامَهُ
وما لامْرِئٍ عمَّا قَضَى اللهُ مَزْحَلُ؟!3
فإنْ تَكُنِ الأيَّامُ فينا تَبَدَّلَتْ
ببُؤْسىٰ ونُعْمىٰ، والحوادثُ تَفْعَلُ4
فما لَيَّنَتْ منَّا قَناةً صَلِيبةً
ولا ذَلَّلَتْنا للَّذي ليسَ يَجْمُلُ5
ولكنْ رَحَلْناها نُفُوسًا كَرِيمةً
تُحَمَّلُ ما لا يُسْتطاعُ فتَحْمِلُ6
وَقَيْنا بحُسْنِ الصَّبْرِ مِنَّا نُفُوسَنا
فصَحَّتْ لنا الأعْراضُ، والنَّاسُ هُزَّلُ7

شرح الغريب (1-7)

  1. تَعَزَّ: تصبَّرْ. رَيْبُ الزمان: حوادثه وصُروفه. المُعَوَّل: المُعتمَد والمُتَّكَل. يريدُ أن الدهرَ متقلِّب؛ فلا يوثَقُ به.
  2. التعزِّي: التصبُّر. النائبة: المصيبة النازلة. يقول: لو كان في الجَزَعِ منفعةٌ لَمَا كان يَحْسُن، وكان الصبرُ أحسنَ منه، فكيف وليسَ فيه منفعة؟! والبيتُ التالي يوضِّحُه.
  3. يعدو: يتجاوزُ. الحِمام: قضاءُ الموتِ وقدَرُه. المَزْحَل: الموضعُ يُزحَلُ إليه؛ أي: يُبعَدُ.
  4. تبدَّلَتْ: تغيَّرَتْ. البُؤسى: البُؤس؛ وهو المشقَّة والفقر. «والحوادثُ تفعلُ»: جملة اعتراضية للتوكيد.
  5. القناة: الرمح، والعصا. الصَّليبة: الشديدة القوية. والعربُ تذكرُ القناةَ وصلابتَها؛ ضاربةً بها المثلَ في الامتناعِ والإباء.
  6. رَحَلْناها: حَمَلْنا عليها، من قولهم: رَحَلَ البعيرَ؛ إذا وضعَ عليه الرَّحْلَ. يقول: حمَّلْنا تلك الحوادثَ نفوسًا؛ تصبرُ كرمًا، ولا تُظهِرُ ألمًا.
  7. صحَّتْ: بَرِئَتْ من كلِّ عيب. أي: وأعراضُ الناسِ هزيلة؛ لقلَّة ِصبرِهم على الشدائد.
ترجمة ابن كُنيف:
إبراهيم بن كنيف النبهاني (ت …؟): شاعر إسلامي مقل، من شعراء (الحماسة)، لا تسعفنا كتب التراجم بشيء من سيرته، اشتهر بأبياته اللامية التي اتفقت مصادر الأدب على نسبتها إليه، وانفرد أبو علي الهجري في (التعليقات والنوادر)؛ فنسبها إلى بكر بن النطاح.
التوثيق
اقتباس

روحُ الغرب

إنَّ روحَ الغربِ صديقٌ وعدوٌّ لنا: صديقٌ إذا تمكَّنَّا منه، وعدوٌّ إذا تمكَّنَ منَّا. صديقٌ إذا فَتَحْنا له قلوبَنا، وعدوٌّ إذا وَهَبْنا له قلوبَنا. صديقٌ إذا أخَذْنا منه ما يوافقُنا، وعدوٌّ إذا وَضَعْنا نفوسَنا في الحالةِ الَّتي توافقُه.

جبران

جبران خليل جبران
(ت 1349ھ)
الصفحة 2 من 10