نفسُ عصامٍ سوَّدَتْ عصامَا

مثلٌ عربي

قيلَ إنَّه عِصامُ بنُ شَهْبَرٍ، حاجبُ النُّعمانِ بنِ المُنْذِر، الَّذي قالَ له النَّابغةُ الذُّبْيانيُّ ـ حينَ حَجَبَه عنْ عِيادةِ النُّعمانِ ـ مِن قصيدةٍ له:

فإنِّي لا ألُومُكَ في دُخُولٍ
ولكنْ ما وراءَكَ يا عِصامُ؟

يُضرَبُ في نَباهةِ الرَّجُلِ مِن غيرِ قَدِيم، وهو الَّذي تُسمِّيه العربُ: «الخارِجِيَّ»؛ تعني أنَّه خَرَجَ بنَفْسِه مِن غيرِ أوَّلِيَّةٍ كانتْ له. قالَ كُثَيِّر:

أبا مَرْوانَ لَسْتَ بخارِجِيٍّ
ولَيْسَ قَدِيمُ مَجْدِكَ بانْتِحالِ

وفي المَثَل: كُنْ عِصامِيًّا، ولا تَكُنْ عِظامِيًّا. وقيل:

نَفْسُ عِصامٍ سَوَّدَتْ عِصامَا
وعَلَّمَتْهُ الكَرَّ والإقْدامَا
وصَيَّرَتْهُ مَلِكًا هُمَامَا
[حتَّىٰ عَلَا وجاوزَ الأقوامَا]

عِصاميٌّ وعِظاميٌّ!

يُقال: إنَّه وُصِفَ عندَ الحَجَّاجِ رَجُلٌ بالجهل، وكانتْ له إليه حاجةٌ، فقالَ في نَفْسِه: لَأَخْتَبِرَنَّه. ثمَّ قالَ له حينَ دخلَ عليه: أعِصاميٌّ أنتَ أمْ عِظاميٌّ؟ يريدُ: أشَرُفْتَ أنتَ بنَفْسِك، أمْ تَفْخَرُ بآبائِك الَّذينَ صارُوا عِظامًا؟ فقالَ الرَّجُل: أنا عِصاميٌّ عِظاميٌّ. فقالَ الحَجَّاج: هذا أفضلُ النَّاس! وقَضىٰ حاجتَه وزادَه.

ومَكَثَ عندَه مُدَّةً، ثمَّ فاتَشَه فوجدَه أجْهَلَ النَّاس، فقالَ له: تَصْدُقُني أو لَأَقْتُلَنَّك. قالَ له: قُلْ ما بَدا لكَ أصْدُقْك. قال: كيفَ أجَبْتَني بما أجَبْتَ لمَّا سألْتُكَ عمَّا سألْتُك؟ قالَ له: واللهِ لمْ أعلَمْ أعِصاميٌّ خيرٌ أمْ عِظاميٌّ، فخَشِيتُ أنْ أقولَ أحدَهما فأُخْطِئَ؛ فقلْتُ: أقولُ: كِلاهما؛ فإنْ ضَرَّني أحدُهما نَفَعَني الآخَرُ!!

وكانَ الحَجَّاجُ ظَنَّ أنَّه أراد: أفْتَخِرُ بنَفْسِي لِفَضْلي، وبآبائي لشَرَفِهم. فقالَ الحَجَّاجُ عندَ ذلك: المَقادِيرُ تُصَيِّرُ العَيَّ خَطِيبًا. فذهبَتْ مَثَلًا.

التوثيق

إنَّ أخاك مَنْ آساك

مثلٌ عربي

يقالُ: آسَيْتُ فُلانًا بمالي أو غيرِه؛ إذا جَعلْتَه أُسْوةً لك، و(واسَيْتُ) لغةٌ فيه ضعيفةٌ، بَنَوْها علىٰ (يُواسِي). ومعنى المَثَل: إنَّ أخاك حقيقةً مَنْ قدَّمَك وآثرَك علىٰ نَفْسِه. يُضرَبُ في الحَثِّ علىٰ مُراعاةِ الإخوان.

وأوَّلُ مَنْ قالَ ذلك خُزَيْمُ بنُ نَوْفلٍ الهَمْدانيُّ؛ وذلك أنَّ النُّعمانَ بنَ ثَوابٍ العَبْديَّ كانَ له بَنُونَ ثلاثةٌ: سَعْدٌ وسَعِيدٌ وساعِدةُ، وكانَ أبُوهم ذا شَرفٍ وحِكْمة، وكانَ يُوصِي بَنِيه ويَحْمِلُهم علىٰ أدبِه.

 أمَّا ابنُه سَعْدٌ فكانَ شُجاعًا بطلًا، مِن شياطينِ العرب، لا يُقامُ لسَبِيلِه، ولمْ تَفُتْه طَلِبَتُه قَطُّ، ولمْ يَفِرَّ عنْ قِرْن.

 وأمَّا سعيدٌ فكانَ يُشْبِهُ أباه في شَرفِه وسُؤْدَدِه.

 وأمَّا ساعِدةُ فكانَ صاحِبَ شَرابٍ ونَدَامىٰ وإخْوان.

وصايا الأبِ لأبنائِه

 فلمَّا رأىٰ الشَّيخُ حالَ بَنِيه، دعا سَعْدًا ـ وكانَ صاحِبَ حربٍ ـ فقال: يا بُنَيَّ، إنَّ الصَّارِمَ يَنْبُو، والجَوادَ يَكْبُو، والأثَرَ يَعْفُو، [والحليمَ يَهْفُو]، فإذا شَهِدْتَ حربًا؛ فرأيْتَ نارَها تَسْتَعِرُ، وبَطلَها يَخْطِرُ، وبحرَها يَزْخَرُ، وضَعِيفَها يُنْصَرُ، وجَبانَها يَجْسُرُ، فأقْلِلِ المُكْثَ والانتظار، فإنَّ الفِرارَ غيرُ عار، إذا لمْ تَكُنْ طالِبَ ثار؛ فإنَّما يُنْصَرُونَ هُمْ، وإيَّاكَ أنْ تكونَ صَيْدَ رِماحِها، ونَطِيحَ نِطاحِها.

 وقالَ لابْنِه سعيدٍ ـ وكانَ جَوادًا ـ: يا بُنَيَّ، لا يَبْخَلُ الجَواد، فابْذُلِ الطَّارِفَ والتِّلاد، وأقْلِلِ التَّلاح، تُذْكَرْ عندَ السَّماح، وابْلُ إخوانَك فإنَّ وَفِيَّهم قليل، واصْنَعِ المعروفَ عندَ مُحْتَمِلِه.

 وقالَ لابْنِه ساعِدةَ ـ وكانَ صاحِبَ شرابٍ ـ: يا بُنَيَّ، إنَّ كَثْرةَ الشَّرابِ تُفسِدُ القَلْب، وتُقَلِّلُ الكَسْب، وتُجِدُّ اللَّعْب، فأبْصِرْ نَدِيمَك، واحْمِ حَرِيمَك، وأعِنْ غَرِيمَك، واعلَمْ أنَّ الظَّمأَ القامِح، خيرٌ منَ الرِّيِّ الفاضِح، وعليكَ بالقَصْدِ فإنَّ فيه بَلاغًا.

سعيدٌ يَبْلُو إخوانَه

ثمَّ إنَّ أباهمُ النُّعمانَ بنَ ثَوابٍ تُوُفِّي، فقالَ ابنُه سعيدٌ ـ وكانَ جَوادًا سيِّدًا ـ: لَآخُذَنَّ بوَصِيَّةِ أبي، ولَأَبْلُوَنَّ إخواني وثِقاتي في نَفْسِي. فعَمَدَ إلىٰ كَبْشٍ فذَبَحَه، ثمَّ وَضَعَه في ناحيةِ خِبائِه، وغَشَّاه ثَوْبًا، ثمَّ دَعا بعضَ ثِقاتِه فقال: يا فُلانُ، إنَّ أخاك مَنْ وَفىٰ لك بعَهْدِه، وحاطَك برِفْدِه، ونَصَرَك بوُدِّه. قال: صَدَقْتَ، فهلْ حَدَثَ أمْرٌ؟ قال: نَعَمْ، إنِّي قَتلْتُ فُلانًا، وهو الَّذي تَراه في ناحيةِ الخِباء، ولا بُدَّ منَ التَّعاونِ عليه حتَّىٰ يُوارىٰ، فما عِنْدَك؟ قال: يا لَها سَوْءَةً وَقَعْتَ فيها! قال: فإنِّي أريدُ أنْ تُعِينَني عليه حتَّىٰ أُغَيِّبَه. قال: لستُ لكَ في هذا بصاحِب. فتَرَكَه وخَرَج.

فبَعَثَ إلىٰ آخَرَ مِن ثِقاتِه، فأخْبَرَه بذلك وسألَه مَعُونتَه، فرَدَّ عليه مِثْلَ ذلك، حتَّىٰ بَعَثَ إلىٰ عددٍ منهم؛ كلُّهم يَرُدُّ عليه مِثْلَ جوابِ الأوَّل، ثمَّ بَعَثَ إلىٰ رجُلٍ مِن إخوانِه يقالُ له: خُزَيْمُ بنُ نَوْفَل، فلمَّا أتاه قالَ له: يا خُزَيْمُ، ما لي عِنْدَك؟ قال: ما يَسُرُّك، وما ذاك؟ قال: إنِّي قتلْتُ فُلانًا، وهو الَّذي تَراه مُسَجًّى. قال: أيْسَرُ خَطْبٍ! فتريدُ ماذا؟ قال: أريدُ أنْ تُعِينَني حتَّىٰ أُغَيِّبَه. قال: هانَ ما فَزِعْتَ فيه إلىٰ أخِيك!

رُبَّ جِدٍّ جَرَّه اللَّعِبُ!

[ثمَّ قالَ له خُزَيْمٌ] ـ وغلامٌ لسعيدٍ قائمٌ معهما ـ: هلِ اطَّلَعَ علىٰ هذا الأمرِ أحدٌ غيرُ غُلامِك هذا؟ قال: لا. قال: انْظُرْ ما تقولُ! قال: ما قُلتُ إلَّا حقًّا. فأهْوىٰ خُزَيْمٌ إلىٰ غلامِه؛ فضَرَبَه بالسَّيفِ فقتلَه، وقال: «ليسَ عَبْدٌ بأخٍ لك»! فأرْسَلَها مَثلًا.

وارتاعَ سعيدٌ وفَزِعَ لقَتْلِ غلامِه، فقال: وَيْحَك!! ما صَنَعْتَ؟! وجَعلَ يَلُومُه، فقالَ خُزَيْم: «إنَّ أخاك مَنْ آساك»، فأرْسَلَها مَثلًا. قالَ سعيد: فإنِّي أردْتُ تَجْرِبتَك.. ثمَّ كَشَفَ له عنِ الكَبْش، وخَبَّرَه بما لَقِيَ مِن إخوانِه وثِقاتِه وما رَدُّوا عليه، فقالَ خُزَيْم: «سَبَقَ السَّيفُ العَذَلَ»! فذهبَتْ مَثلًا.

التوثيق

كِلاهما وتَمْرًا

مثلٌ عربي

أوَّلُ مَنْ قالَ ذلكَ عَمْرُو بنُ حُمْرانَ الجَعْدِيُّ، وكانَ حُمْرانُ رَجُلًا لَسِنًا ماردًا، وإنَّه خَطَبَ صَدُوفَ؛ وهي امرأةٌ كانتْ تُؤَيِّدُ الكلامَ، و[تَسْجَعُ] في المَنْطِق، وكانتْ ذاتَ مالٍ كثير، وقدْ أتاها قومٌ يَخطُبُونَها فرَدَّتْهم، وكانتْ تَتَعَنَّتُ خُطَّابَها في المسألة، وتقولُ: لا أتزوَّجُ إلَّا مَنْ يَعْلَمُ ما أسألُه عنه، ويُجيبُني بكلامٍ على حَدِّه لا يَعْدُوه.

خبرُ الأب

فلمَّا انتهىٰ إليها حُمْرانُ قامَ قائمًا لا يَجْلِس، وكانَ لا يأتِيها خاطِبٌ إلَّا جلسَ قبْلَ إذْنِها، فقالتْ: ما يمنعُكَ منَ الجلوس؟ قال: حتَّىٰ يُؤْذَنَ لي. قالتْ: وهلْ عليكَ أمِير؟ قال: رَبُّ المنزلِ أحقُّ بفِنائِه، ورَبُّ الماءِ أحقُّ بسِقائِه، وكُلٌّ له ما في وِعائِه. فقالتْ: اجْلِسْ. فجَلَس.

قالتْ له: ما أرَدْتَ؟ قال: حاجة، ولمْ آتِكِ [لَجَاجة]. قالتْ: تُسِرُّها أمْ تُعْلِنُها؟ قال: تُسَرُّ وتُعْلَن. قالتْ: فما حاجتُك؟ قال: قضاؤُها هَيِّن، وأمرُها بَيِّن، وأنتِ بها أخْبَر، وبنُجْحِها أبْصَر. قالتْ: فأخْبِرْني بها. قال: قدْ عَرَّضْتُ، وإنْ شِئْتِ بَيَّنْتُ.

قالتْ: مَنْ أنتَ؟ قال: أنا بَشَر؛ وُلِدْتُ صغيرًا، ونشأْتُ كبيرًا، ورأيْتُ كثيرًا. قالتْ: فما اسمُك؟ قال: مَنْ شاءَ أحْدَثَ اسمًا، وقالَ ظُلْمًا، ولم يَكُنِ الاسمُ عليه حَتْمًا. قالتْ: فمَنْ أبُوك؟ قال: والدِي الَّذي وَلَدَني، ووالدُه جَدِّي، فلمْ يَعِشْ بَعْدِي. قالتْ: فما مالُك؟ قال: بعضُه وَرِثْتُه، وأكثرُه اكْتَسَبْتُه.

قالتْ: [فمِمَّنْ] أنتَ؟ قال: مِن بَشَرٍ كثيرٍ عَدَدُه، معروفٍ وَلَدُه، قليلٍ صَعَدُه، يُفْنِيه أبَدُه. قالتْ: ما وَرَّثَكَ أبُوكَ عنْ أوَّلِيه؟ قال: حُسْنَ الهِمَم. قالتْ: فأينَ تَنْزِل؟ قال: علىٰ بساطٍ واسع، في بلدٍ شاسع، قريبُه بعيد، وبعيدُه قريب. قالتْ: فمَنْ قومُك؟ قال: الَّذينَ أنتمي إليهم، وأجْنِي عليهم، ووُلِدْتُ لديهم.

قالتْ: فهلْ لكَ امرأة؟ قال: لو كانَ لي لم أطْلُبْ غيرَها، ولم أُضَيِّعْ خيرَها. قالتْ: كأنَّكَ ليستْ لكَ حاجة! قال: لو لم تَكُنْ لي حاجةٌ لم أُنِخْ ببابِك، ولم أتعرَّضْ لجوابِك، وأتعلَّقْ بأسبابِك. قالتْ: إنَّكَ لَحُمْرانُ بنُ الأقرعِ الجَعْدِيُّ؟! قال: إنَّ ذلك لَيُقال! فأنْكَحَتْه نَفْسَها، وفوَّضَتْ إليه أمرَها.

خبرُ الابن

ثمَّ إنَّها وَلَدَتْ له غلامًا، فسمَّاه عَمْرًا، فنشأَ ماردًا مُفَوَّهًا، فلمَّا أدْرَكَ جعلَه أبُوه راعيًا يَرْعىٰ له الإبل، فبينما هو يومًا إذْ رُفِعَ إليه رَجُلٌ قدْ أضَرَّ به العطشُ والسُّغُوب، وعَمْرٌو قاعد، وبينَ يدَيْه زُبْدٌ وتمرٌ وتامِك، فدَنا منه الرَّجلُ فقال: أطْعِمْني مِن هذا الزُّبْدِ والتَّامِك. فقالَ عَمْرٌو: نَعَمْ، كِلاهما وتَمْرًا. فأطْعَمَ الرَّجلَ حتَّى انتهىٰ، وسَقاه لبنًا حتَّىٰ رَوِي، وأقامَ عندَه أيَّامًا. فذهبَتْ كلمتُه مثلًا.

فائدةٌ نَحْويَّة

 ورفعَ «كِلاهما»؛ أي: لكَ كِلاهما، ونصبَ «تمرًا» علىٰ معنىٰ: أزيدُك تمرًا. ومَنْ روىٰ: «كِلَيْهما» فإنَّما نصبَه علىٰ معنىٰ: أُطْعِمُكَ كِلَيْهما وتمرًا.

 وقالَ قومٌ: مَنْ رفعَ حكىٰ أنَّ الرَّجلَ قال: أنِلْنِي ممَّا بينَ يديك، فقالَ عَمْرٌو: أيُّما أحَبُّ إليكَ: زُبْدٌ أمْ سَنام؟ فقالَ الرَّجلُ: كِلاهما وتمرًا؛ أي: مطلوبي كِلاهما، وأزيدُ معهما تمرًا، أو: وزِدْني تمرًا.

التوثيق

أعجَزُ مِن هِلْباجة!

مثلٌ عربي

هوَ النَّؤُومُ، الكَسْلانُ، العُطْلُ، الجافي… وقدْ سارَ في وصفِ الهِلْباجةِ فَصْلٌ لبعضِ الأعرابِ المُتفصِّحِين، وفَصْلٌ آخَرُ لبعضِ الحَضَرِيِّين.

فأمَّا وصفُ الأعرابيِّ

فإنَّ الأصْمَعيَّ قال: أخبرَني خَلَفٌ الأحمرُ أنَّه سألَ ابنَ أبي كَبْشةَ بنِ القَبَعْثَرىٰ عنِ الهِلْباجة، فتردَّدَ في صَدْرِه مِن خُبْثِ الهِلْباجةِ ما لم يَستطِعْ معه إخراجَ وصفِه في كلمةٍ واحدة! ثمَّ قال: الهِلْباجةُ: الضعيفُ، العاجزُ، الأخْرَقُ، الأحمقُ، الجِلْفُ، الكَسْلانُ، السَّاقطُ، لا مَعْنىٰ فيه، ولا غَناءَ عندَه، ولا كِفايةَ معه، ولا عملَ لَدَيْه، وبلىٰ يُستعمل، وضِرْسُه أشدُّ مِن عملِه! فلا تُحاضِرَنَّ به مَجْلِساً، وبلىٰ فليَحْضُرْ، ولا يتكلَّمَنَّ! [فلمَّا رآني لم أقْنَعْ، قالَ: احْمِلْ عليه منَ الخُبْثِ ما شئتَ!].

وأمَّا وصفُ الحَضَريِّ

فإنَّ بعضَ بُلَغاءِ الأمصارِ سُئلَ عنِ الهِلْباجة، فقال: هو الَّذي لا يَرْعَوِي لعَذْلِ العاذِل، ولا يُصْغي إلىٰ وَعْظِ الواعظ، يَنظُرُ بعَيْنِ حَسُود، ويُعْرِضُ إعراضَ حَقُود، [يتكلَّمُ مع كلِّ لسان، ويَهُبُّ مع كلِّ ريح، ويَنْفُقُ في كلِّ سُوق]، إنْ سألَ أَلْحَف، وإنْ سُئلَ سَوَّف، وإنْ حدَّثَ حَلَف، وإنْ وَعَدَ أخْلَف، وإنْ زَجَرَ عَنَّف، [وإنْ زُجِرَ أَنِف]، وإنْ قَدَرَ عَسَف، وإنِ احْتَمَلَ أسَفَّ، وإنِ اسْتَغْنىٰ بَطِر، وإنِ افْتَقرَ قَنِط، وإنْ فَرِحَ أَشِر، وإنْ حَزِنَ يَئِس، وإنْ ضَحِكَ زَأَر، وإنْ بكىٰ جَأَر، وإنْ حَكَمَ جارَ، [وإنْ بُدِهَ حارَ، وإنِ ابْتَدأَ غَلِط، وإنِ اقْتَرَحَ سَخِط].

وإنْ قدَّمْتَه تأخَّر، وإنْ أخَّرْتَه تقدَّم، وإنْ أعطاكَ مَنَّ عليك، وإنْ أعطَيْتَه لم يشكُرْك، وإنْ أسْرَرْتَ إليه خانَك، وإن أسَرَّ إليكَ اتَّهَمَك، وإنْ صارَ فوقَكَ قَهَرَك، وإنْ صارَ دُونَكَ حَسَدَك، وإنْ وَثِقْتَ به خانَك، وإنِ انْبسَطْتَ إليه شانَك، وإنْ أكرمْتَه أهانَك، وإنْ غابَ عنه الصَّديقُ سَلَاه، وإنْ حَضَرَهُ قَلَاه، وإنْ فاتَحَه لم يُجِبْه، وإنْ أمْسَكَ عنه لم يَبْدَأْه، [وإنْ صالَ أكْثَر، وإنْ قالَ أهْجَر]، وإنْ بُدِئَ بالوُدِّ هَجَر، وإنْ بُدِئَ بالبِرِّ جَفَا.

وإنْ تكلَّمَ فَضَحَه [الهُجْر، وإنْ سَكَتَ هَتَكَه] العِيُّ، وإنْ عَمِلَ قصَّرَ به الجهل، وإنِ اؤْتُمِنَ غَدَر، وإنْ أجارَ أخْفَر، وإنْ عاهدَ نَكَثَ، وإنْ حَلَفَ حَنِثَ، [يَرَى البُخلَ حَزْمًا، والسَّفاهةَ غُنْمًا، يقولُ قبلَ أنْ يَفْهم، ويَعْزِمُ قبلَ أنْ يُفكِّر، ويَحْمَدُ قبلَ أنْ يُجَرِّب، ويَذُمُّ بعدَ أنْ يَحْمَد، لا ينتهي بالزَّجْر، ولا يكافِئُ علىٰ خيرٍ ولا شرّ]، ولا يَصْدُرُ عنه آمِلٌ إلَّا بخَيْبة، ولا يُضْطَرُّ إليه حُرٌّ إلَّا بمِحْنة، [يتمنَّىٰ جارُه منه الوَحْدة، وتأخُذُ جليسَه منه الوَحْشة، تَوَدُّ أُمُّه ثُكْلَه، وتتمنَّىٰ عِرْسُه فَقْدَه].

[وصفُ أعرابيٍّ آخَر]

قالَ خَلَفٌ الأحمر: سألْتُ أعرابيًّا عنِ الهِلْباجة، فقال: هو الأحمقُ، الضَّخمُ، الفَدْمُ، الأكُولُ، الَّذي.. والَّذي.. ثمَّ جعلَ يَلْقاني بعدَ ذلكَ ويزيدُ في التَّفسيرِ كلَّ مرَّةٍ شيئاً، ثمَّ قالَ لي بعدَ حينٍ ـ وأرادَ الخروجَ ـ : هوَ الَّذي جَمَعَ كلَّ شَرٍّ!!

التوثيق

أجْوَدُ مِنْ حاتِم

مثلٌ عربي

هوَ حاتِمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سَعْدِ بنِ الحَشْرَج، كانَ جواداً شجاعاً شاعراً مُظَفَّراً؛ إذا قاتلَ غَلَب، وإذا غَنِمَ أنْهَب، وإذا سُئِلَ وَهَب، وإذا ضَرَبَ بالقِداحِ سَبَق، وإذا أسَرَ أطْلَق، وإذا أثْرَىٰ أنْفَق، وكانَ أقسمَ باللهِ لا يَقْتُلُ واحدَ أمِّه.

ومِنْ حديثِه

أنَّه خرجَ في الشهرِ الحرامِ يَطلُبُ حاجةً، فلمَّا كانَ بأرضِ عَنَزَةَ ناداهُ أسيرٌ لهم: يا أبا سَفَّانة، أكَلَنِي الإسارُ والقَمْل. فقال: وَيْحَك! ما أنا في بلادِ قومي، وما معيَ شيءٌ، وقد أسَأْتَ بي إذْ نَوَّهْتَ باسْمِي، وما لَكَ مَتْرَك. ثمَّ ساومَ به العَنَزِيِّينَ واشتراهُ منهم، فخلَّاهُ وأقامَ مكانَه في قِدِّه، حتىٰ أتىٰ بفدائه فأدَّاه إليهم.

ومِنْ حديثِه

أنَّ ماوِيَّةَ امرأةَ حاتمٍ حدَّثَتْ: أنَّ النَّاسَ أصابَتْهم سَنَةٌ، فأذهبَتِ الخُفَّ والظِّلْفَ، فبِتْنا ذاتَ لَيْلةٍ بأشدِّ الجوع، فأخذَ حاتمٌ عَدِيًّا وأخذْتُ سَفَّانةَ، فعَلَّلْناهما حتَّى ناما، ثمَّ أخذَ يُعَلِّلُني بالحديثِ لأنام، فرَقَقْتُ له لِمَا به منَ الجَهْد، فأمسكْتُ عن كلامِه لينامَ ويَظُنَّ أنِّي نائمة، فقالَ لي: أنِمْتِ؟ مِرارًا، فلم أُجِبْه، فسكتَ.

ونظرَ مِنْ وراءِ الخِباءِ فإذا شيءٌ قد أقبلَ، فرفعَ رأسَه فإذا امرأةٌ تقول: يا أبا سَفَّانة، أتَيْتُكَ مِنْ عندِ صِبْيةٍ جِياع. فقال: أحْضِرِيني صِبْيانَكِ، فَوَ اللهِ لَأُشْبِعَنَّهم. قالت: فقُمْتُ مُسْرِعةً، فقلتُ: بماذا يا حاتم؟ فَوَ اللهِ ما نامَ صِبْيَانُكَ منَ الجوعِ إلَّا بالتَّعْلِيل! فقامَ إلىٰ فَرَسِه فذَبَحَه، ثمَّ أجَّجَ نارًا ودفعَ إليها شَفْرةً، وقال: اشْتَوِي وكُلِي وأطْعِمِي ولدَك. وقالَ لي: أيْقِظِي صِبْيَتَك. فأيقظْتُهما.

ثمَّ قال: واللهِ إنَّ هذا لَلُؤْمٌ؛ أنْ تأكُلُوا وأهلُ الصِّرْمِ حالُهم كحالِكم. فجَعَلَ يأتي الصِّرْمَ بيتًا بيتًا ويقول: عليكمُ النَّارَ.. فاجتمَعُوا وأكلُوا، وتَقَنَّعَ بكِسائه وقَعَدَ ناحيةً، حتَّىٰ لم يوجَدْ منَ الفَرَسِ على الأرضِ قليلٌ ولا كثير، ولم يَذُقْ منه شيئاً.

التوثيق