في منهج الاختيار (1)

مصطفى لطفي المنفلوطي

عَرَفْتُ حاجتَكَ يا بُنيَّ ـ أعزَّكَ اللهُ ـ إلىٰ كتابٍ يَجْمَعُ لكَ مِن جيِّدِ منظومِ العربِ ومنثورِها؛ في حاضرِها وماضِيها، وفي كلِّ فَنٍّ وغَرَضٍ مِن فُنونِها وأغراضِها، ما تَسْتَعينُ باسْتِظْهارِه أو تَرْدِيدِ النَّظرِ فيهِ علىٰ تهذيبِ بيانِك، وتقويمِ لسانِك.

وعَلِمْتُ أنَّكَ لنْ تستطيعَ أنْ تَجِدَ طَلِبَتَكَ هذهِ في مُخْتارٍ مِن مُخْتاراتِ المُتقدِّمين، ولا في مجموعةٍ مِن مجموعاتِ المُعاصِرين.

أمَّا المُتقدِّمونَ فهُمْ بينَ:

 نَحْوِيٍّ لا يُعْجِبُهُ منَ الكلامِ إلَّا ما يَجِدُ فيهِ مَذاقَ شواهدِ العِلْمِ الَّذي يُعالِجُه، ولا تَسْكُنُ نَفْسُه إلَّا إلى البيتِ الَّذي يَرىٰ فيهِ عُقْدةً يتفصَّحُ بحَلِّها، أو خَطْأةً يَتَفَكَّهُ بتأْويلِها، أو نادرةً مِن نوادرِ الإعرابِ والبناء؛ يؤيِّدُ بها رأيًا، أو يُساجِلُ بها خَصْمًا.

 ولُغَويٍّ مُولَعٍ بما يَشْتمِلُ على الغريبِ النَّادرِ مِن مُفْرداتِ اللُّغةِ وتراكيبِها؛ فلا يكادُ يَعْدِلُ بشِعْرِ الجاهليةِ وما جرىٰ مَجْراهُ شِعْرَ طبَقةٍ منَ الطَّبَقات، ولا يَرىٰ غيرَ كلامِهم كلامًا، ولا مَذْهَبِهم مَذْهبًا.

 وراويةٍ همُّه في حياتِه أنْ يَدُورَ بيدِه لَيْلَه ونهارَه في زوايا رأسِه؛ عَلَّهُ يَعْثُرُ ببَيْتٍ لا يَعْرِفُه غيرُه، منسوبًا إلىٰ قائلٍ لا يَعْرِفُ نِسْبَتَه إليه سِواه، ثمَّ لا يُبالي بعدَ ذلكَ أحْسَنَ أمْ أساءَ؛ فهوَ بالمؤرِّخِ أشْبَهُ منهُ بالأديب.

 وأديبٍ جَمعَ ما جَمعَهُ لعصرٍ غيرِ عصرِك، وقَوْمٍ غيرِ قَوْمِك، وحالٍ ومجتمَعٍ غيرِ حالِكَ ومجتمَعِك؛ فإنْ أفادَكَ قليلُه، لا يَنْفَعْكَ كثيرُه.

 وبينَ مُطِيلٍ قدْ خَلَطَ جيِّدَهُ برَدِيئِه، وغَثَّهُ بسَمِينِه؛ فلا تَصِلُ يدُكَ إلىٰ ما في مَنْجَمِه مِن ذَرَّاتِ التِّبْر، حتَّىٰ تَنْبُشَ عنها ما لا قِبَلَ لكَ باحتِمالِه مِن حقائبِ الرَّمْل!

 ومُقصِّرٍ يَخْتَصُّ بالاختيارِ عَصْرًا دونَ عَصْر، أو فردًا دونَ فرد، أو قَوْمًا دونَ قَوْم، أو بابًا مِن أبوابِ البيانِ دونَ باب، وهوَ يَعْلمُ أنَّ المُتأدِّبَ ـ شاعرًا كانَ أو كاتبًا ـ لا يَكْمُلُ أدَبُه، ولا تَصْفُو قَرِيحَتُه، ولا تَلْمَعُ صَفْحةُ بيانِه، ولا تَنْحَلُّ عُقْدةُ لسانِه، إلَّا إذا تمهَّلَ في رَوْضِ البيان؛ فاقْتَطفَ ألوانَ زَهَراتِه، مِن أنواعِ شَجَراتِه.

وأمَّا المُعاصِرونَ فهُمْ:

 إمَّا تابعٌ متأثِّرٌ يَعتمِدُ في اخْتيارِ ما يَختارُ علىٰ نباهةِ النَّابِه، وفي اطِّراحِ ما يَطَّرِحُ علىٰ خُمولِ الخامِل، ويَعْتَبِرُ التَّقدُّمَ في الزَّمنِ شافِعًا يَشْفَعُ في إساءةِ المُسِيء، والتَّأخُّرَ فيهِ ذنْبًا يَذْهبُ بإحسانِ المُحْسِن.

 وإمَّا خابِطٌ مُتَقَمِّمٌ يَعتمِدُ في الاختيارِ علىٰ يَدِه لا علىٰ بَصَرِه؛ فيأْخُذُ مِن كلِّ كتابٍ صَفْحة، ومِن كلِّ ديوانٍ ورقة، ثمَّ يَعْرِضُ على الأنظارِ كتابًا غريبًا في اخْتلافِ ألوانِه، وتَزايُلِ أَوْصالِه.

 وإمَّا عالِمٌ أديبٌ قدْ حالَ بَيْنَه وبينَ انتفاعِ المُتأدِّبينَ بعِلْمِه وفَضْلِه، وسلامةِ ذَوْقِه وصفاءِ قَرِيحَتِه، أنَّهُ يبالِغُ في سُوءِ الظَّنِّ بأفهامِهم، ويَذْهبُ في تقديرِ مَدارِكِهم مَذاهبَ ما كانَ لمِثْلِه أنْ يَذْهبَ إلىٰ مِثْلِها؛ فتَراهُ يَعْمِدُ في اخْتيارِ ما يَختارُ إلىٰ ما يَزْعُمُ أنَّهُ القريبُ إلىٰ أذهانِهم، اللَّاصِقُ بعقولِهم، غيرُ المُلْتَوِي عليهم، ولا المُتَعَثِّرِ بهم؛ فَيَتَبَذَّلُ كلَّ التَّبَذُّل، ويُسِفُّ كلَّ الإسْفاف، ويُوْرِدُ في كتابِه مِن قِطَعِ الشِّعْر، وجُمَلِ النَّثْر، ما يُشْبِهُ أنْ يكونَ مادَّةً للطِّفلِ في هِجائِه، لا مادَّةً للأديبِ في بيانِه.

للمقـال تتمة

ترجمة المنفلوطي:
المنفلوطي
مصطفى لطفي بن محمد لطفي المنفلوطي (ت 1343ھ/ 1924م): نابغة في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته وكتبه، وله شعر جيد فيه رقة وعذوبة. ولد في منفلوط بمصر، وابتدأت شهرته تعلو بما كان ينشره في جريدة (المؤيد) من المقالات الأسبوعية تحت عنوان: (النظرات). له من الكتب: النظرات، العبرات، في سبيل التاج، الشاعر، مجدولين، مختارات المنفلوطي.

الألفاظُ توابعُ المعاني

أبو عثمان الجاحظ

مَنْ قرأَ كُتبَ البُلَغاء، وتصفَّحَ دواوينَ الحكماء؛ ليستفيدَ المعانيَ، فهو علىٰ سبيلِ صوابٍ، ومَنْ نظرَ فيها ليستفيدَ الألفاظَ، فهو علىٰ سبيلِ الخطأ، والخُسْرانُ ها هنا في وزنِ الرِّبحِ هناك؛ لأنَّ مَنْ كانتْ غايتُه انتزاعَ الألفاظ، حَمَلَه الحِرْصُ عليها والاسْتِهتارُ بها إلىٰ أنْ يستعملَها قبْلَ وقتِها، ويَضَعَها في غيرِ مكانِها.

وسماعُ الألفاظِ ضارٌّ ونافع:

فالوجهُ الضارُّ

أنْ يتحفَّظَ ألفاظًا بعينِها ـ مِنْ كتابٍ بعينِه، أو مِنْ لفظِ رجُلٍ ـ ثمَّ يريدَ أنْ يُعِدَّ لتلكَ الألفاظِ قِسْمَها منَ المعاني؛ فهذا لا يكونُ إلَّا بخيلًا فقيرًا، وحائفًا سَرُوقًا، ولا يكونُ إلَّا مُسْتَكْرِهًا لألفاظِه، متكلِّفًا لمَعانيه، مُضطرِبَ التأليف، مُنقطِعَ النِّظام. فإذا مرَّ كلامُه بنُقَّادِ الألفاظِ وجَهابِذةِ المعاني، استخفُّوا عقلَه، وبَهْرَجُوا عِلْمَه.

والوجهُ النافعُ

أنْ يدورَ [اللَّفظُ] في مسامعِه، ويَغِبَّ في قلبِه، ويَختمِرَ في صدرِه، فإذا طالَ مُكْثُها تناكحَتْ، ثمَّ تلاقحَتْ؛ فكانتْ نتيجتُها أكرمَ نتيجة، وثمرتُها أطيبَ ثمرة؛ لأنَّها حينئذٍ تَخرُجُ غيرَ مُسترَقة، ولا مُختلَسةٍ ولا مُغتصَبة، ولا دالَّةٍ علىٰ فَقْر؛ إذْ لم يكنِ القصدُ إلىٰ شيءٍ بعينِه، والاعتمادِ عليه دونَ غيرِه.

وبَيْنَ الشَّيءِ إذا عشَّشَ في الصَّدرِ ثمَّ باضَ، ثمَّ فرَّخَ ثمَّ نَهَضَ، وبَيْنَ أنْ يكونَ الخاطرُ مختارًا، واللَّفظُ اعتسافًا واغتصابًا= فَرْقٌ بَيِّنٌ.

التوثيق

أصولُ البلاغة

بِشْر بن المُعتمِر

خُذْ مِنْ نَفْسِكَ ساعةَ نشاطِكَ وفراغِ بالِكَ وإجابتِها إيَّاك؛ فإنَّ قليلَ تلكَ السَّاعةِ أكْرَمُ جَوْهَرًا، وأشْرَفُ حَسَبًا، وأحْسَنُ في الأسماع، وأحلىٰ في الصُّدُور، وأسْلَمُ مِن فاحشِ الخَطَاء، وأجْلَبُ لكلِّ عَيْنٍ وغُرَّة؛ مِن لفظٍ شريف، ومعنًى بديع.

واعلَمْ أنَّ ذلكَ أجْدىٰ عليكَ ممَّا يُعْطِيكَ يومُكَ الأطْوَل، بالكَدِّ والمُطاوَلةِ والمجاهَدة، وبالتَّكلُّفِ والمعاوَدة، ومهما أخْطَأكَ لم يُخْطِئْكَ أنْ يكونَ مقبولًا قَصْدًا، وخفيفًا على اللِّسانِ سهلًا، وكما خرجَ مِن يَنْبُوعِه، ونَجَمَ مِن مَعْدِنِه.

وإيَّاكَ والتَّوَعُّرَ؛ فإنَّ التَّوَعُّرَ يُسْلِمُكَ إلى التَّعْقيد، والتَّعْقيدُ هوَ الَّذي يَسْتَهْلِكُ معانِيَك، ويَشِيْنُ ألفاظَك، ومَنْ أراغَ معنًى كريمًا فلْيَلْتَمِسْ لهُ لفظًا كريمًا؛ فإنَّ حَقَّ المعنى الشَّريفِ اللَّفْظُ الشَّريف، ومِن حقِّهما أنْ تَصُونَهما عمَّا يُفْسِدُهما ويُهَجِّنُهما، وعمَّا تعودُ مِن أجْلِه أنْ تكونَ أسْوَأَ حالًا منكَ قبْلَ أنْ تلْتَمِسَ إظْهارَهما، وتَرْتَهِنَ نَفْسَك بمُلابَسَتِهما وقضاءِ حقِّهما.

فكُنْ في [إحدىٰ] ثلاثِ منازِل:

٭ المنزلة الأولى

فإنَّ أُوْلى الثَّلاثِ أنْ يكونَ لفظُكَ رشيقًا عَذْبًا، وفَخْمًا سهلًا، ويكونَ معناكَ ظاهرًا مكشوفًا، وقريبًا معروفًا؛ إمَّا عندَ الخاصَّةِ إنْ كنتَ للخاصَّة قصَدْت، وإمَّا عندَ العامَّةِ إنْ كنتَ للعامَّةِ أرَدْت.

والمعنىٰ ليسَ يَشْرُفُ بأنْ يكونَ مِن معاني الخاصَّة، وكذلك ليسَ يَتَّضِعُ بأنْ يكونَ مِن معاني العامَّة؛ وإنَّما مدارُ الشَّرفِ على الصَّوابِ وإحرازِ المنفعة، معَ موافقةِ الحال، وما يجبُ لكُلِّ مقامٍ منَ المقال، وكذلكَ اللَّفظُ العامِّيُّ والخاصِّيُّ. فإنْ أمكنَكَ أنْ تَبْلُغَ مِن بيانِ لِسَانِك، وبلاغةِ قلَمِك، ولُطْفِ مَدَاخِلِك، واقْتدارِكَ علىٰ نَفْسِك، إلىٰ أنْ تُفْهِمَ العامَّةَ معانيَ الخاصَّة، وتَكْسُوَها الألفاظَ الواسِطَةَ الَّتي لا تَلْطُفُ عنِ الدَّهْماء، ولا تَجْفُو عنِ الأكْفَاء= فأنتَ البليغُ التَّامُّ.

٭ المنزلة الثانية

فإنْ كانتِ المنْزِلةُ الأُولىٰ لا تُواتِيكَ ولا تَعْتَرِيك، ولا [تَسْنَحُ] لكَ عندَ أوَّلِ نَظَرِك، وفي أوَّلِ تَكَلُّفِك، وتجدُ اللَّفظةَ لم تَقَعْ مَوْقِعَها، ولم تَصِرْ إلىٰ قَرارِها، وإلىٰ حقِّها مِن أماكنِها المقسومةِ لها، والقافيةَ لم تَحُلَّ في مَرْكَزِها وفي نِصابِها، ولم تتَّصِلْ بشَكْلِها، وكانت قلِقةً في مكانِها، نافرةً مِن موضعِها= فلا تُكْرِهْها على اغتصابِ الأماكن، والنُّزولِ في غيرِ أوطانِها.

فإنَّكَ إذا لم تتعاطَ قَرْضَ الشِّعْرِ الموزون، ولم تتكلَّفِ اختيارَ الكلامِ المنثور، لم يَعِبْكَ بتَرْكِ ذلكَ أحد، فإنْ أنتَ تكلَّفْتَهُما، ولم تَكُنْ حاذقًا مطبوعًا، ولا مُحْكِمًا لشَأْنِك، بصيرًا بما عليكَ وما لك، عابَكَ مَنْ أنتَ أقلُّ عيبًا منه، ورأىٰ مَنْ هو دُونَكَ أنَّهُ فوقَك.

فإنِ ابْتُلِيتَ بأنْ تتكلَّفَ القول، وتتعاطى الصَّنْعَة، ولم تَسْمَحْ لكَ الطِّباعُ في أوَّلِ وَهْلة، و[تَعَصَّىٰ] عليكَ بعدَ إجالةِ الفكرة، فلا تعْجَلْ ولا تضْجَرْ، ودَعْهُ بياضَ يومِك، وسوادَ ليلتِك، وعاوِدْهُ عندَ نشاطِكَ وفراغِ بالِك، فإنَّكَ لا تَعْدَمُ الإجابةَ والمُواتاةَ إنْ كانتْ هناكَ طبيعة، أو جَرَيْتَ منَ الصِّناعةِ على عِرْق.

٭ المنزلة الثالثة

فإنْ تمنَّعَ عليكَ بعدَ ذلكَ مِن غيرِ حادثِ شُغْلٍ عَرَضَ، ومِن غيرِ طُولِ إهْمال، فالمَنْزِلةُ الثَّالثةُ أنْ تتحوَّلَ مِن هذه الصِّناعةِ إلىٰ أشهى الصِّناعاتِ إليك، وأخفِّها عليك؛ فإنَّكَ لم تَشْتَهِه ولم تُنازِعْ إليه إلَّا وبيْنَكُما نَسَبٌ، والشَّيْءُ لا يَحِنُّ إلَّا إلىٰ ما يشاكِلُه، وإنْ كانتِ المشاكلةُ قدْ تكونُ في طَبَقات؛ لأن النُّفوسَ لا تجودُ بمَكْنُونِها معَ الرَّغْبة، ولا تَسْمَحُ بمخْزُونِها معَ الرَّهْبة، كما تجودُ بهِ معَ الشَّهْوَةِ والمحبَّة. فهذا هذا.

ترجمة ابن المعتمر:
بِشْر بن المُعتمِر الهلالي البغدادي (ت 210ھ/ 825م): فقيه معتزلي مناظِر، من أهل الكوفة. قال الشريف المرتضى: «يقال: إن جميع معتزلة بغداد كانوا من مستجيبيه». تُنسب إليه الطائفة البِشْرية منهم، له مصنفات في الاعتزال؛ منها قصيدة في أربعين ألف بيت، رد فيها على جميع المخالفين.
التوثيق

سَعَةُ لسانِ العرب

الإمام الشافعي

قرآن كريم

القُرَانُ يَدُلُّ علىٰ أنْ ليسَ مِن كتابِ اللهِ شيءٌ إلَّا بلسانِ العرب، ولعلَّ مَنْ قالَ: (إنَّ في القُرَانِ غيرَ لسانِ العربِ) وقُبِلَ ذلك منه، ذهبَ إلىٰ أنَّ منَ القُرَانِ خاصًّا يَجهلُ بعضَه بعضُ العرب.

لسانُ العربِ أوسعُ الألسنةِ مَذْهبًا، وأكثرُها ألفاظًا، ولا نَعْلَمُه يحيطُ بجميعِ عِلْمِه إنسانٌ غيرُ نَبِيٍّ، ولكنَّه لا يذهبُ منه شيءٌ علىٰ عامَّتِها، حتَّىٰ لا يكونَ موجودًا فيها مَنْ يَعْرِفُه. والعِلْمُ به عندَ العربِ كالعِلْمِ بالسُّنَّةِ عندَ أهلِ الفِقْه؛ لا نعلمُ رجلًا جمعَ السُّنَنَ فلم يذهبْ منها عليه شيءٌ، فإذا جُمِعَ عِلْمُ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ بها أتىٰ على السُّنَن، وإذا فُرِّقَ عِلْمُ كلِّ واحدٍ منهم ذهبَ عليه الشَّيءُ منها، ثمَّ كانَ ما ذهبَ عليه منها موجودًا عندَ غيرِه.

هم في العِلْمِ طبقاتٌ: منهمُ الجامعُ لأكثرِه وإنْ ذهبَ عليه بعضُه، ومنهمُ الجامعُ لأقلَّ ممَّا جمعَ غيرُه. وليسَ قليلُ ما ذهبَ منَ السُّنَنِ علىٰ مَنْ جمعَ أكثرَها، دليلًا علىٰ أنْ يُطلَبَ عِلْمُه عندَ غيرِ طبقتِه مِن أهلِ العِلْم، بل يُطلَبُ عندَ نُظَرائِه ما ذهبَ عليه، حتَّىٰ يُؤتىٰ علىٰ جميعِ سُنَنِ رسولِ اللهِ ـ بأبي هو وأمِّي ـ فيتفرَّدُ جملةُ العلماءِ بجَمْعِها، وهم درجاتٌ فيما وَعَوْا منها.

هكذا لسانُ العربِ عندَ خاصَّتِها وعامَّتِها: لا يذهبُ منه شيءٌ عليها، ولا يُطلَبُ عندَ غيرِها، ولا يَعْلَمُه إلَّا مَنْ قَبِلَه عنها، ولا يَشْرَكُها فيه إلَّا مَنِ اتَّبَعَها في تَعَلُّمِه منها، ومَنْ قَبِلَه منها فهو مِن أهلِ لسانِها، وإنَّما صارَ غيرُهم مِن غيرِ أهلِه بتَرْكِه، فإذا صارَ إليه صارَ مِن أهلِه…

إنما بدأْتُ بما وصفْتُ مِن أنَّ القُرَانَ نزلَ بلسانِ العربِ دونَ غيرِه؛ لأنَّه لا يَعلَمُ مِن إيضاحِ جُمَلِ عِلْمِ الكتابِ أحدٌ جَهِلَ سَعَةَ لسانِ العرب، وكَثْرةَ وجوهِه، وجِماعَ مَعانِيه وتفرُّقَها. ومَنْ عَلِمَه انتفَتْ عنه الشُّبَهُ الَّتي دخلَتْ علىٰ مَنْ جَهِلَ لسانَها.

التوثيق
زيادة بيان:

استهلال

محمد البشير الإبراهيمي

tagra

اللَّهُمَّ باسْمِكَ نَبْتَدي، وبهَدْيِكَ نَهْتَدي، وبكَ يا مُعين، نَسترشِدُ ونستعين، ونسألُكَ أنْ تُكَحِّلَ بنورِ الحقِّ بصائرَنا، وأنْ تجعلَ إلىٰ رضاكَ مصائرَنا، نحمدُكَ علىٰ أنْ سدَّدْتَ في خدمةِ دينكَ خُطُواتِنا، وثَبَّتَّ علىٰ صراطِ الحقِّ أقدامَنا.
ونصلِّي ونسلِّم على نبيِّكَ الَّذي دعا إليكَ علىٰ بَصِيرَة، وتولَّاكَ فكنْتَ وَلِيَّهُ ونَصِيرَه، وعلىٰ آلِه المتَّبِعينَ لسُنَّتِه، وأصحابِه المبيِّنينَ لشريعتِه.
اللَّهُمَّ يا ناصرَ المستضعَفينَ انصُرْنا، وخُذْ بنواصِينا إلى الحقّ، واجعلْ لنا في كلِّ غاشيةٍ منَ الفتنةِ رِدْءًا منَ السَّكينة، وفي كلِّ داهِمةٍ منَ البلاءِ دِرْعًا منَ الصَّبر، وفي كلِّ داجيةٍ منَ الشَّكِّ عِلْمًا منَ اليقين، وفي كلِّ نازلةٍ منَ الفَزَعِ واقيةً منَ الثَّبات، وفي كلِّ ناجِمةٍ منَ الضَّلالِ نورًا منَ الهداية، ومعَ كلِّ طائفٍ منَ الهوىٰ رادِعًا منَ العقل، وفي كلِّ عارضٍ منَ الشُّبْهةِ لائحًا منَ البرهان، وفي كلِّ مُلِمَّةٍ منَ العَجْزِ باعثًا منَ النَّشاط، وفي كلِّ مَجْهَلةٍ منَ الباطلِ مَعالِمَ منَ الحقِّ اليقين، ومعَ كلِّ فِرْعونَ منَ الطُّغاةِ المستبِدِّين، موسىٰ منَ الحُماةِ المقاوِمين.

ترجمة الإبراهيمي:
الإبراهيمي
محمّد بن بشير بن عمر الإبراهيمي (ت 1385ھ/ 1965م): مجاهد جزائري، من ڪبار العلماء، انتُخب رئيسًا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كان من بُلَغاء الڪتَّاب المترسِّلين، ومن خطباء الارتجال المفوَّهين، قضى عمره منافحًا عن قضايا أمته، وجعل قلمه مقصوراً على خدمتها، جمعت آثاره في خمسة مجلدات كبيرة؛ وهي مجموعة مقالاته وخطبه ومحاضراته التي وجدت بعد وفاته، وطُبع منها في حياته ڪتاب (عيون البصائر).
التوثيق
الصفحة 2 من 2