التجارة الرابحة

الموفَّق بن قُدامة

اعْلَمْ ـ رَحِمَكَ اللهُ ـ أنَّ هذه الدُّنيا مَزْرَعةُ الآخِرة، ومَتْجَرُ أرباحِها، وموضِعُ تحصيلِ الزَّادِ منها والبضائعِ الرَّابحة؛ بها بَرَزَ السَّابقون، وفازَ المتَّقون، وأفلحَ الصَّادقون، ورَبِحَ العامِلون، وخَسِرَ المُبْطِلون.

أنَّ هذه الدَّارَ أُمْنِيَّةُ أهلِ الجنَّةِ وأهلِ النَّار، وأنَّ أهلَ القُبورِ أُمْنِيَّةُ أحَدِهم أنْ يُسبِّحَ تسبيحةً تَزيدُ في حسناتِه، أو يَقْدِرَ علىٰ توبةٍ مِن بعضِ سيِّئاتِه، أو رَكْعةٍ تَرْفَعُ في درجاتِه. فاغْتَنِمْ ـ رَحِمَكَ اللهُ ـ حياتَكَ النَّفِيسة، واحْتَفِظْ بأوقاتِكَ العَزِيزة.

اعْلَمْ أنَّ مُدَّةَ حياتِكَ مَحْدودة، وأنفاسَكَ مَعْدودة؛ فكلُّ نَفَسٍ يَنْقُصُ به جزءٌ منك، والعُمْرُ كلُّه قصير، والباقي منه هو اليَسِير، وكلُّ جزءٍ منه جوهرةٌ نَفِيسةٌ لا عِدَّ لها، ولا خَلَفَ لها؛ فإنَّ بهذه الحياةِ اليسيرةِ خُلودَ الأبدِ في النَّعيم، أوِ العذابِ الأليم. فلا تُضَيِّعْ جواهرَ عُمْرِكَ النَّفِيسةَ بغيرِ عَمَل، ولا تُذْهِبْها بغيرِ عِوَض.

اجْتَهِدْ ألَّا يَخلُوَ نَفَسٌ مِن أنفاسِكَ إلَّا في عملِ طاعة، أو قُرْبةٍ تتقرَّبُ بها؛ فإنَّكَ لو كانَ معكَ جوهرةٌ مِن جواهرِ الدُّنيا فضاعَتْ منك، لَحزِنْتَ عليها حزنًا شديدًا، بل لو ضاعَ منكَ دينارٌ لَساءَك، فكيفَ تُفَرِّطُ في ساعاتِك وأوقاتِك؟! وكيفَ لا تَحْزَنُ علىٰ عُمْرِك الذَّاهبِ بغيرِ عِوَض؟!

اعْلَمْ أنَّ اللهَ تعالىٰ ناظرٌ إليك، مُطَّلِعٌ عليك، فقُلْ لنَفْسِك: لو كانَ رَجلٌ مِن صالِحِي قومي يَراني لاستحَيْتُ منه، فكيفَ لا أستحي مِن ربِّي ، ثمَّ لا آمَنُ تعجيلَ عقوبتِه وكَشْفَ سِتْرِه؟!

اعْلَمْ أنَّك لا تَقْدِرُ علىٰ معصيتِه إلَّا بنعمتِه؛ فكم لهُ عليكَ مِن نعمةٍ في يدِكَ الَّتي مَدَدْتَها إلىٰ معصيتِه، وكم مِن نعمةٍ في عينِكَ الَّتي نظرْتَ بها إلىٰ ما حَرَّمَ عليك، وفي لسانِكَ الَّذي نطقْتَ به بما لا يَحِلُّ لك، وليسَ مِن شُكْرِ إنعامِه أنْ تَستعينَ به علىٰ مَعاصِيه! ولو لم يَكُنْ مِن نِعَمِه عليكَ في معصيتِكَ إلَّا سَتْرُها عليكَ لَكفىٰ؛ فلَوِ اطَّلعَ النَّاسُ عليكَ لانْهَتَكْتَ.

اعْلَمْ أنَّ مَنْ هو في البحرِ علىٰ لَوْح، ليسَ هو بأحْوَجَ إلى اللهِ تعالىٰ وإلىٰ لُطْفِه ممَّنْ هو في بيتِه، وبينَ أهلِه ومالِه؛ فإنَّ الأسبابَ الَّتي ظهرَتْ له بيَدِ اللهِ تعالىٰ، كما أنَّ أسبابَ نجاةِ هذا الغريقِ بيَدِه. فإذا حقَّقْتَ هذا في قلبِك، فاعتمِدْ على اللهِ تعالىٰ اعتمادَ الغريقِ الَّذي لا يَعْلمُ له سببَ نجاةٍ غيرَ اللهِ تعالىٰ.

اعْلَمْ أنَّ اللهَ تعالىٰ إذا نظرَ إليك، وعَلِمَ أنَّك قدْ جَعَلْتَه مُعتمَدَكَ ومَلْجأَك، وأفرَدْتَه بحَوائجِكَ دونَ خَلْقِه، أعطاكَ أفضلَ ما سألْتَه، وأكرمَكَ بأكثرَ ممَّا أردْتَه؛ فإنْ عجَّلَ لكَ الإجابةَ فقدْ جَمَعَ لكَ بينَ قضاءِ الحاجةِ وخيرِ الدُّنيا والآخرة، وإنْ لم يُجِبْكَ عاجلًا فقدْ عوَّضَكَ عنْ ذلك خيرًا منه؛ فأنتَ علىٰ خيرٍ في الحالَيْن.

ترجمة ابن قدامة:
عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي، موفق الدين (ت 620ھ): عالم أهل الشام في زمانه، كان إمامًا في التفسير والحديث، إمامًا في الفقه وأصوله، إمامًا في علم الخلاف، إمامًا في الفرائض، إمامًا في النحو والحساب والمواقيت، وكان من بحور العلم وأذكياء العالم، جامعًا بين حسن الخَلق والخُلق، لا يكاد يراه أحد إلا متبسمًا، ولا يناظر أحدًا إلا وهو يتبسم. من تصانيفه: (المغني) في الفقه المقارن، (العمدة) و(المقنع) و(الكافي) في الفقه الحنبلي، (روضة الناظر) في أصول الفقه، (مختصر منهاج القاصدين) في التزكية.
التوثيق

العهد الجديد

جبران خليل جبران

في الشَّرقِ اليومَ فِكْرتانِ مُتصارِعتان: فكرةٌ قديمة، وفكرةٌ جديدة. أمَّا الفكرةُ القديمةُ فستُغلَبُ علىٰ أمْرِها؛ لأنَّها مَنْهُوكةُ القُوىٰ، مَحْلُولةُ العَزْم.

وفي الشَّرقِ يَقَظةٌ تُراوِدُ النَّومَ، واليَقَظةُ قاهرةٌ؛ لأنَّ الشَّمسَ قائدُها، والفَجْرَ جيشُها.

وفي حقولِ الشَّرقِ ـ ولقدْ كانَ الشَّرقُ بالأمسِ جَبَّانةً واسعةَ الأرجاءِ ـ يَقِفُ اليومَ فتى الرَّبيعِ مُناديًا سُكَّانَ الأجْداث؛ لِيَهُبُّوا ويَسيرُوا معَ الأيَّام. وإذا ما أنْشَدَ الرَّبيعُ أُغنِيَّتَه بُعِثَ مَصْرُوعُ الشِّتاء، وخَلَعَ أكفانَه ومشىٰ!

وفي فضاءِ الشَّرقِ اهتزازاتٌ حيَّة؛ تنمو وتتمدَّدُ وتتوسَّع، وتتناولُ النُّفوسَ المتنبِّهةَ الحسَّاسةَ فتَضُمُّها إليها، وتحيطُ بالقلوبِ الأبيَّةِ الشَّاعرةِ لتكتسِبَها.

سيِّدان.. ومَوْكِبان

وللشَّرقِ اليومَ سيِّدان: سيِّدٌ يأمرُ ويَنهىٰ ويُطاع، ولكنَّه شيخٌ يُحْتَضَر، وسيِّدٌ ساكتٌ بسكوتِ النَّوامِيسِ والأنظمة، هادئٌ بهدوءِ الحقِّ، ولكنَّه جبَّارٌ مفتولُ السَّاعِدَيْن، يَعرِفُ عَزْمَه، ويَثِقُ بكِيانِه، ويؤمِنُ بصَلاحِيَتِه.

[… و] في الشّرقِ مَوْكِبان: مَوْكِبٌ مِن عجائزَ مُحْدَوْدِبِي الظُّهور، يَسِيرونَ مُتوكِّئينَ على العِصِيِّ العَوْجاء، ويَلْهَثُونَ مَنْهُوكِين، معَ أنَّهم ينحَدِرُونَ منَ الأعالي إلى المُنْخَفضات! ومَوْكِبٌ مِن فِتْيانٍ يتراكَضُونَ كأنَّ في أرجُلِهم أجْنِحةً، ويُهَلِّلُونَ كأنَّ في حَناجِرِهم أوتارًا، ويَنْتَهِبُونَ العَقَباتِ كأنَّ في جَبَهاتِ الجبالِ قوَّةً تَجْذِبُهم، وسِحْرًا يَخْتَلِبُ ألْبابَهم.

أبناءُ الأمس

أقولُ لك: إنَّ أبناءَ الأمسِ يَمشُونَ في جِنازةِ العهدِ الَّذي أوجَدَهم وأوجَدُوه.

أقولُ: إنهم يَشُدُّونَ بحَبْلٍ أَوْهَتِ الأيَّامُ خُيُوطَه، فإذا ما انقطعَ ـ وعمَّا قريبٍ ينقطعُ ـ هبطَ مَنْ تعلَّقَ به إلىٰ حُفْرةِ النِّسيان.

أقولُ: إنَّهم يَسْكُنُونَ منازلَ مُتَداعِيةَ الأركان، فإذا ما هَبَّتِ العاصفةُ ـ وهي علىٰ وَشْكِ الهُبُوبِ ـ انهدَمَتْ تلكَ المنازلُ علىٰ رؤوسِهم، وكانتْ لهم قُبُورًا!

أبناءُ الغد

أمَّا أبناءُ الغدِ فهمُ الَّذينَ نادَتْهمُ الحياة، فاتَّبَعُوها بأقدامٍ ثابتةٍ ورؤوسٍ مرفوعة، هم فَجْرُ عهدٍ جديد؛ فلا الدُّخانُ يَحْجُبُ أنوارَهم، ولا قَلْقَلةُ السَّلاسلِ تَغْمُرُ أصواتَهم، ولا نَتْنُ المستنقَعاتِ يتغلَّبُ علىٰ طِيبِهم.

هم طائفةٌ قليلةُ العَدَدِ بينَ طوائفَ كَثُرَ عَدَدُها، ولكنَّ في الغُصْنِ المُزْهِرِ ما ليسَ في غابةٍ يابسة، وفي حَبَّةِ القمحِ ما ليسَ في رابيةٍ منَ التِّبْن!

ترجمة جبران:
 جبران خليل جبران
جبران بن خليل بن مخائيل الماروني اللبناني (ت 1349ھ/ 1931م): نابغة الكتّاب المعاصرين في المهجر الأمريكي، وأوسعهم خيالًا. أصله من دمشق، وتعلّمه ببيروت، ووفاته في نيويورك. امتاز بسعة في خياله، وعمق في تفكيره، وهو شاعر في نثره لا في نظمه، وكان يجيد الإنجليزية ككتّابها، وله فيها كتب ترجمت إلى العربية ونشرت بها. من كتبه: دمعة وابتسامة، الأرواح المتمردة، الأجنحة المتكسرة، العواصف.
التوثيق

قصة المعارف والغراب

علي الطنطاوي

زَعَمُوا أنَّه كانَ بمدينةِ كَذا جماعةٌ منَ المَعارِف، وكانَ عليهنَّ وزيرٌ منهنَّ، وكُنَّ قدْ شَدَدْنَ وَكْرَهنَّ إلىٰ شَرِيعةٍ ولغةٍ قائمتَيْنِ علىٰ ضِفَّةِ نهرٍ جارٍ، فعِشْنَ فيه دهرًا علىٰ خيرِ ما عِيشة، حتَّىٰ نزلَ بهنَّ ذاتَ يومٍ غرابٌ جائعٌ اسْمُه (رَوْجَة)، فَشَفِقْنَ عليه ورَأفْنَ به؛ فأطْعَمْنَه وسَقَيْنَه.

جزاءُ الإحسان

فلمَّا شَبِعَ ورَوِيَ رأىٰ ما عندهنَّ منَ الحَبِّ؛ فطَمِعَ بهنَّ، فقامَ فيهنَّ خطيبًا؛ فقال: إنَّكنَّ قدْ أحْسَنْتُنَّ إليَّ، وإنِّي مُكافِئُكنَّ علىٰ إحسانِكنَّ؛ اعْلَمْنَ أنِّي آتٍ مِن بلدٍ أرقىٰ مِن بلدِكنَّ، وعِندي منَ العِلْمِ ما ليسَ عِندَكنَّ، فاتَّبِعْنَني واتَّخِذْنَني مُسْتشارًا لوزيرتِكنَّ، أنْهَضْ بكُنَّ؛ فتَصِرْنَ أُمَّةً منَ الإوَزِّ!

فقُلْنَ له: أنْظِرْنا حتَّىٰ نرىٰ رأْيَنا. وانْتَحَيْنَ ناحيةً يتشاوَرْنَ، فقالَتْ حكيمتُهنَّ: إنَّ هذا الغرابَ يُفسِدُ عليكنَّ أمرَكنَّ، وعاملٌ علىٰ إهلاكِكنَّ بقطعِكنَّ عنْ أصلِكنَّ، فقُمْنَ إليه فافْقَأْنَ عَيْنَيْه، واعْلَمْنَ أنَّه مَنْ صادقَ ما ليسَ مِن طَبْعِه، أصابَه ما أصابَ البيتَ منَ النَّار. قُلْنَ: وكيفَ كانَ ذلك؟

مَثَلُ البيتِ والنَّار

قالَتْ: إنَّهُ كانَ في رَوْضةٍ غَنَّاءَ بيتٌ جميلٌ أمامَ نهرٍ جارٍ، وإنَّه لَبِثَ ما شاءَ اللهُ أنْ يَلْبَثَ، ثمَّ بَدا له فقالَ: ما أشقَّ الحياةَ بلا رفيقٍ ولا أنيس! وما أشقىٰ مَنْ يُقِيمُ وَحْدَه؛ لا يَجِدُ مَنْ يُشاطِرُه سَرَّاءَه وضَرَّاءَه! وإنِّي مُنطَلِقٌ فمُبْتَغٍ لي صديقًا. ولكنَّه لم يَجِدْ إلَّا النَّارَ، فخالَلَها، وباتَا متعانقَيْنِ، فلم يُصبِحا حتَّىٰ أصبحَ رمادًا!

وإنِّي خائفةٌ عليكنَّ صُحْبةَ هذا الغراب؛ فأطِعْنَني اليومَ، واعْصِينَني آخِرَ الدَّهر.

عاقبةُ المَعارِف

فأبَيْنَ ذلكَ عليها، وأعرَضْنَ عنها، وذهبْنَ إلىٰ (رَوْجَةَ) فاتَّخَذْنَه مُسْتشارًا. فقالَ لهنَّ: «المُسْتشارُ مُؤْتَمَنٌ»، وأنا واضعٌ لكُنَّ بَرْنامَجًا، إذا أنتُنَّ عَمِلْتُنَّ به صَيَّرَكنَّ أُمَّةً راقيةً منَ الإوَزِّ! فقُمْنَ إلىٰ هذه الأسبابِ الَّتي تَرْبِطُكنَّ بهذه اللُّغةِ وهذه الشَّريعةِ فاصْرِمْنَها، واتْرُكْنَ وَكْرَكنَّ يَسْبَحْ بالماء؛ فإنَّه لا ينتهي النَّهرُ إلىٰ مَصَبِّه حتَّىٰ ينتهيَ أمرُكنَّ إلىٰ ما أرَدْتُنَّ.

فأطَعْنَه، وفعلْنَ ما أرادَ لهنَّ، فما شَعَرْنَ إلَّا وهنَّ يتخبَّطْنَ في الماء، والغرابُ ناجٍ بما اخْتَزَنَّ منَ الحَبِّ!!

ترجمة الطنطاوي:
علي الطنطاوي
علي بن مصطفى بن أحمد الطنطاوي (ت 1420ھ/ 1999م): فقيه الأدباء، وأديب الفقهاء، نابغة في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي سهل ممتنع في مقالاته وكتبه؛ فكان من كبار أمراء البيان في هذا العصر. نسبته إلى طنطا بمصر، ومولده ونشأته في دمشق، ووفاته في مكة المكرمة. من مؤلفاته: ذكريات علي الطنطاوي، رجال من التاريخ، قصص من التاريخ، صور وخواطر، فكر ومباحث، هتاف المجد.
التوثيق
زيادة بيان:

قد يَشجُعُ الجبان!

ابن قتيبة

كانَ بالبَصْرةِ شيخٌ مِن بَني نَهْشَل؛ يُقالُ له: عُرْوةُ بنُ مَرْثَد، ويُكْنىٰ أبا الأغَرِّ، يَنْزِلُ في بَني أختٍ له في سِكَّةِ بَني مازن، وبَنُو أختِه مِن قُرَيْش، فخرجَ رجالُهم إلىٰ ضِياعِهم في شهرِ رمضان، وخرجَ النِّساءُ يُصَلِّينَ في مسجدِهم، فلم يَبْقَ في الدَّارِ إلَّا الإماءُ، فدخلَ كلبٌ يَعْتَسُّ، فرأىٰ بيتًا مفتوحًا فدَخَلَه، فانْصَفَقَ البابُ عليه، فسَمِعَ الحركةَ بعضُ الإماء، فظَنُّوا أنَّ لِصًّا دخلَ الدَّار، فذهبَتْ إحداهنَّ إلىٰ أبي الأغرِّ ـ وليسَ في الحيِّ رجلٌ غيرُه ـ فأخبرَتْه، فقالَ أبو الأغرِّ: ما يَبتغي اللِّصُّ منَّا؟!

الخطة (أ):

ثمَّ أخذَ عَصاه وجاء، فوقفَ علىٰ بابِ البيتِ وقال: إيهِ يا مَلْأَمانُ، أمَا واللهِ إنَّكَ بي لَعارِف، وإنِّي بكَ أيضًا لَعارِف؛ فهل أنتَ إلَّا مِن لصوصِ بَني مازن؟! شَرِبْتَ حامِضًا خبيثًا، حتَّىٰ إذا دارتِ [الأقداحُ] في رأسِكَ مَنَّتْكَ نَفْسُكَ الأمانيَّ؛ وقلتَ: أطْرُقُ دُورَ بَني عَمْرٍو والرِّجالُ خُلُوفٌ، والنِّساءُ يصلِّينَ في مسجدِهم، فأسْرِقُهم. سَوْءَةً لك! واللهِ ما يفعلُ هذا ولدُ الأحرار، وَايْمُ اللهِ لَتَخْرُجَنَّ، أو لَأَهْتِفَنَّ هَتْفةً مشؤومةً عليك، يلتقي فيها الحَيَّانِ: عَمْرٌو وحَنْظَلة، وتَجِيءُ سَعْدٌ بعَدَدِ الحصىٰ، وتسيلُ عليكَ الرِّجالُ مِن هاهنا ومِن هاهنا، ولئنْ فعلْتُ لَتكُونَنَّ أشْأمَ مولود.

الخطة (ب):

فلمَّا رأىٰ أنَّه لا يُجِيبُه أحدٌ، أخَذَ باللِّينِ فقال: اخْرُجْ ـ بأبي وأُمِّي! ـ أنتَ مَسْتُور، إنِّي واللهِ ما أُراكَ تَعْرِفُني، ولو عَرَفْتَني لَقَنِعْتَ بقَوْلي، واطمأْنَنْتَ إليَّ. أنا ـ فَدَيْتُكَ!  ـ أبو الأغرِّ النَّهْشَليُّ، وأنا خالُ القومِ وجِلْدةُ ما بينَ أعْيُنِهم، لا يَعْصُونَني في أمر، ولنْ تُضارَّ اللَّيلةَ، فاخْرُجْ؛ فأنتَ في ذِمَّتي، وعندي قَوْصَرَّتانِ أهْدَاهما إليَّ ابنُ أختي البارُّ الوَصُول، فخُذْ إحداهما فانْتَبِذْها حلالًا منَ اللهِ ورسولِه!

الخطة (ج):

وكانَ الكلبُ إذا سَمِعَ الكلامَ أطْرَقَ، وإذا سكتَ أبو الأغرِّ وثبَ يُرِيغُ المَخْرجَ، فتَهانَفَ أبو الأغرِّ، ثمَّ تَضاحَكَ وقال: يا ألأمَ النَّاسِ وأوْضَعَهم، لا أرىٰ إلَّا أنِّي لكَ اللَّيلةَ في وادٍ، وأنتَ لي في وادٍ؛ إذا قلتُ لكَ السَّوداءَ والبيضاءَ تُصِيخُ وتُطْرِق، وإذا سَكَتُّ عنكَ وَثَبْتَ تُرِيغُ المَخْرجَ، واللهِ لَتَخْرُجَنَّ أو لَأَلِجَنَّ عليكَ البيت.

فلمَّا طالَ وُقُوفُه، جاءتْ إحدى الإماءِ فقالت: أعرابيٌّ مجنون! واللهِ ما أرىٰ في البيتِ شيئًا. فدَفعَتِ البابَ، فخرجَ الكلبُ شَدَّا، وحادَ عنه أبو الأغرِّ ساقِطًا علىٰ قفاه، ثمَّ قال: تاللهِ ما رأيْتُ كاللَّيلةِ هذه! واللهِ ما أراه إلا كلبًا، أمَا واللهِ لو عَلِمْتُ بحالِه لَوَلَجْتُ عليه.

حديثٌ آخَر

وشبيهٌ بهذا حديثٌ لأبي حَيَّةَ النُّمَيْريِّ، وكانَ له سيفٌ ليسَ بينَه وبينَ الخَشَبةِ فَرْقٌ، وكانَ يُسمِّيه (لُعابَ المَنِيَّة)!!

قالَ جارٌ له: أشْرَفْتُ عليه ليلةً وقدِ انْتَضاه، وشَمَّرَ وهو واقفٌ ببابِ بيتٍ في دارِه ـ وقدْ سَمِعَ منه حِسًّا ـ وهو يقول: أيُّها المغتَرُّ بنا والمجترِئُ علينا، بئسَ واللهِ ما اخترْتَ لنَفْسِك؛ خيرٌ قليل، وسيفٌ صَقِيل؛ لُعابُ المَنِيَّةِ الذي سَمِعْتَ به، [مشهورةٌ] ضَرْبَتُه، لا تُخافُ نَبْوَتُه. اخْرُجْ بالعفوِ عنك، وإلَّا دخلْتُ بالعقوبةِ عليك، إنِّي واللهِ إنْ أدْعُ قَيْسًا تَمْلَأِ الأرضَ عليكَ خَيْلًا ورَجْلًا. يا سبحانَ الله! ما أكثرَها وأطيبَها!

ثم فُتِحَ البابُ، فإذا كلبٌ قدْ خَرَج، فقال: الحمدُ للهِ الَّذي مَسَخَكَ كَلْبًا، وكفاني حَرْبًا!!

التوثيق
زيادة بيان:

في منهج الاختيار (2)

مصطفى لطفي المنفلوطي

الجزء الأول

وسبيلُ كُتبِ المُخْتاراتِ الَّتي يُرادُ منها غَرْسُ مَلَكَةِ البيانِ في نَفْسِ المُتأدِّب، غيرُ سبيلِ كُتبِ العِلْمِ الَّتي لا يُرادُ منها غيرُ حُصولِ ما تَشْتَمِلُ عليهِ مِن قواعدِ العُلومِ ومسائِلِها في ذِهْنِ المُتعلِّم، ولنْ تستقِرَّ مَلَكَةُ البيانِ في النَّفْسِ حتَّىٰ يَقِفَ المُتأدِّبُ بطائفةٍ مِن شريفِ القولِ ـ منظومِه ومنثورِه ـ وُقوفَ المُسْتَثْبِتِ المُسْتَبْصِر؛ الَّذي يَرَى المعنىٰ بعيدًا فيمشي إليه، أو نازِحًا فيَسْتَدْنِيه، أو مُحلِّقًا فيَصْعدُ إليه، أو مُتغَلْغِلًا فيتمشَّىٰ في أحشائِهِ حتَّىٰ يُصِيبَ لُبَّه، ولا يزالُ يعالِجُ ذلكَ عِلاجًا شديدًا يَنْضَحُ لهُ جَبِينُه، وتَنْبَهِرُ لهُ أنفاسُه، حتَّىٰ تَتَكيَّفَ مَلَكَتُه بالكَيْفيَّةِ الَّتي يريدُها.

لذلكَ لمْ أرَ بُدًّا مِن أنْ أسْتَخِيرَ اللهَ تعالىٰ، في أنْ أجمعَ لكَ يا بُنيَّ في هذا السِّفْرِ مِن جيِّدِ المنظومِ والمنثور، ما أعْلَمُ أنَّه ألْصَقُ بكَ وأدْنَىٰ إليك، وأنفعُ لكَ في تثقيفِ عقلِك، وتقويمِ لسانِك، وتحليلِ ما أسْأَرَتْه الأيَّامُ منَ العُجْمةِ في قلمِكَ ولسانِك؛ فهَزَزْتُ لكَ دَوْحَةَ الأدبِ العربيِّ هَزَّةً تناثرَتْ فيها هذهِ الثَّمَراتُ النَّاضِجةُ الَّتي تَراها بينَ يدَيْك.

مِعْيارُ الاختيار

أمَّا الجيِّدُ فقاعِدَتُه عندي ما يأتي: كلُّ كلامٍ صحيحِ النَّظْمِ والنَّسَق، إذا قرأهُ القارئُ وَجَدَ في نَفْسهِ الأثرَ الَّذي أرادَه الكاتبُ منه، مِن حيثُ لا يَجِدُ فيه مَسْحةً تَدُلُّ علىٰ أنَّ صاحِبَه يحاوِلُ أنْ يكونَ فيه بليغًا= فهو بليغ.

ولا أكْتُمُكَ أنِّي قدِ اسْتَجَزْتُ لنَفْسي ما اسْتَجازَه لأنْفُسِهمُ المُخْتارونَ مِن قَبْلي؛ فتصرَّفْتُ في قليلٍ منَ المختاراتِ بعضَ التَّصرُّف: بالتَّقْديم، والتَّأْخير، والاخْتصار، والتَّلْخيص، والحَذْف. وقدْ لَقِيتُ في هذا السَّبيل ـ وفي كلِّ سبيلٍ سَلَكْتُه إلىٰ جَمْعِ هذه المختاراتِ ـ عناءً كثيرًا، لا أسألُكَ يا بُنيَّ عليه أجْرًا سوىٰ أنْ تَنْتَصِحَ بما أنْصَحُكَ بهِ في كَلِمتي هذه؛ وهيَ أنَّكَ لنْ تستطيعَ أنْ تنتفعَ بهذهِ المختاراتِ إلا بشُروطٍ ثلاثة:

شروطُ الانتفاع

 أوَّلُها: أنْ تملأَ قلبَكَ منَ الثِّقةِ بها والسُّكونِ إليها؛ حتَّىٰ لا يَصْرِفَكَ عنها صارف، ولا يَخدعَكَ عنها خادع.

 وثانيها: أنْ تقِفَ بها وُقوفَ الدَّارسِ المُتعلِّم، لا وُقوفَ المُتنزِّهِ المُتفرِّج؛ فلا يَمْنَعْكَ فَهْمُ ما فَهِمْتَهُ مِن مُعاوَدتِه وترديدِ النَّظرِ فيه؛ حتَّىٰ تَرْشُفَ فيهِ منَ الكأْسِ ثُمالَتَها، ولا تَصَعُّبُ ما تَصَعَّبَ عليكَ مِن مُراجعتِه والاخْتلافِ إليه، والتَّغَلْغُلِ في أحشائهِ؛ فإنَّكَ لا بُدَّ ماخِضٌ زُبْدَتَه، ومُصِيبٌ لُبَّه.

 وثالثُها: أنْ تَحْميَ نَفْسَكَ النَّظرَ في هذهِ المخطوطاتِ المختلفة، الَّتي تتجدَّدُ كلَّ يومٍ أمامَ عينَيْكَ في أسْفارِ هذا العصرِ وصُحُفِه؛ فإنَّ التَّربيةَ الكتابيَّةَ مِثْلُ التَّربيةِ الأخلاقيَّة؛ يَسْرِي فيها الدَّاء، ثمَّ يُعْوِزُ الدَّواء.

فإنْ أخذْتَ بنصيحتي، وعُنِيتَ بها العِنايةَ كُلَّها، وكنتَ ممَّنْ رزقَهمُ اللهُ قَرِيحةً خِصْبةً صالحةً لنَماءِ ما يُغْرَسُ فيها منَ البُذورِ الصَّالحة، بَلَغْتَ ما أردْتُ لكَ إنْ شاءَ اللهُ تعالىٰ.

التوثيق

في منهج الاختيار (1)

مصطفى لطفي المنفلوطي

عَرَفْتُ حاجتَكَ يا بُنيَّ ـ أعزَّكَ اللهُ ـ إلىٰ كتابٍ يَجْمَعُ لكَ مِن جيِّدِ منظومِ العربِ ومنثورِها؛ في حاضرِها وماضِيها، وفي كلِّ فَنٍّ وغَرَضٍ مِن فُنونِها وأغراضِها، ما تَسْتَعينُ باسْتِظْهارِه أو تَرْدِيدِ النَّظرِ فيهِ علىٰ تهذيبِ بيانِك، وتقويمِ لسانِك.

وعَلِمْتُ أنَّكَ لنْ تستطيعَ أنْ تَجِدَ طَلِبَتَكَ هذهِ في مُخْتارٍ مِن مُخْتاراتِ المُتقدِّمين، ولا في مجموعةٍ مِن مجموعاتِ المُعاصِرين.

حالُ المُتقدِّمين

أمَّا المُتقدِّمونَ فهُمْ بينَ:

 نَحْوِيٍّ لا يُعْجِبُهُ منَ الكلامِ إلَّا ما يَجِدُ فيهِ مَذاقَ شواهدِ العِلْمِ الَّذي يُعالِجُه، ولا تَسْكُنُ نَفْسُه إلَّا إلى البيتِ الَّذي يَرىٰ فيهِ عُقْدةً يتفصَّحُ بحَلِّها، أو خَطْأةً يَتَفَكَّهُ بتأْويلِها، أو نادرةً مِن نوادرِ الإعرابِ والبناء؛ يؤيِّدُ بها رأيًا، أو يُساجِلُ بها خَصْمًا.

 ولُغَويٍّ مُولَعٍ بما يَشْتمِلُ على الغريبِ النَّادرِ مِن مُفْرداتِ اللُّغةِ وتراكيبِها؛ فلا يكادُ يَعْدِلُ بشِعْرِ الجاهليةِ وما جرىٰ مَجْراهُ شِعْرَ طبَقةٍ منَ الطَّبَقات، ولا يَرىٰ غيرَ كلامِهم كلامًا، ولا مَذْهَبِهم مَذْهبًا.

 وراويةٍ همُّه في حياتِه أنْ يَدُورَ بيدِه لَيْلَه ونهارَه في زوايا رأسِه؛ عَلَّهُ يَعْثُرُ ببَيْتٍ لا يَعْرِفُه غيرُه، منسوبًا إلىٰ قائلٍ لا يَعْرِفُ نِسْبَتَه إليه سِواه، ثمَّ لا يُبالي بعدَ ذلكَ أحْسَنَ أمْ أساءَ؛ فهوَ بالمؤرِّخِ أشْبَهُ منهُ بالأديب.

 وأديبٍ جَمعَ ما جَمعَهُ لعصرٍ غيرِ عصرِك، وقَوْمٍ غيرِ قَوْمِك، وحالٍ ومجتمَعٍ غيرِ حالِكَ ومجتمَعِك؛ فإنْ أفادَكَ قليلُه، لا يَنْفَعْكَ كثيرُه.

 وبينَ مُطِيلٍ قدْ خَلَطَ جيِّدَهُ برَدِيئِه، وغَثَّهُ بسَمِينِه؛ فلا تَصِلُ يدُكَ إلىٰ ما في مَنْجَمِه مِن ذَرَّاتِ التِّبْر، حتَّىٰ تَنْبُشَ عنها ما لا قِبَلَ لكَ باحتِمالِه مِن حقائبِ الرَّمْل!

 ومُقصِّرٍ يَخْتَصُّ بالاختيارِ عَصْرًا دونَ عَصْر، أو فردًا دونَ فرد، أو قَوْمًا دونَ قَوْم، أو بابًا مِن أبوابِ البيانِ دونَ باب، وهوَ يَعْلمُ أنَّ المُتأدِّبَ ـ شاعرًا كانَ أو كاتبًا ـ لا يَكْمُلُ أدَبُه، ولا تَصْفُو قَرِيحَتُه، ولا تَلْمَعُ صَفْحةُ بيانِه، ولا تَنْحَلُّ عُقْدةُ لسانِه، إلَّا إذا تمهَّلَ في رَوْضِ البيان؛ فاقْتَطفَ ألوانَ زَهَراتِه، مِن أنواعِ شَجَراتِه.

حالُ المُعاصِرين

وأمَّا المُعاصِرونَ فهُمْ:

 إمَّا تابعٌ متأثِّرٌ يَعتمِدُ في اخْتيارِ ما يَختارُ علىٰ نباهةِ النَّابِه، وفي اطِّراحِ ما يَطَّرِحُ علىٰ خُمولِ الخامِل، ويَعْتَبِرُ التَّقدُّمَ في الزَّمنِ شافِعًا يَشْفَعُ في إساءةِ المُسِيء، والتَّأخُّرَ فيهِ ذنْبًا يَذْهبُ بإحسانِ المُحْسِن.

 وإمَّا خابِطٌ مُتَقَمِّمٌ يَعتمِدُ في الاختيارِ علىٰ يَدِه لا علىٰ بَصَرِه؛ فيأْخُذُ مِن كلِّ كتابٍ صَفْحة، ومِن كلِّ ديوانٍ ورقة، ثمَّ يَعْرِضُ على الأنظارِ كتابًا غريبًا في اخْتلافِ ألوانِه، وتَزايُلِ أَوْصالِه.

 وإمَّا عالِمٌ أديبٌ قدْ حالَ بَيْنَه وبينَ انتفاعِ المُتأدِّبينَ بعِلْمِه وفَضْلِه، وسلامةِ ذَوْقِه وصفاءِ قَرِيحَتِه، أنَّهُ يبالِغُ في سُوءِ الظَّنِّ بأفهامِهم، ويَذْهبُ في تقديرِ مَدارِكِهم مَذاهبَ ما كانَ لمِثْلِه أنْ يَذْهبَ إلىٰ مِثْلِها؛ فتَراهُ يَعْمِدُ في اخْتيارِ ما يَختارُ إلىٰ ما يَزْعُمُ أنَّهُ القريبُ إلىٰ أذهانِهم، اللَّاصِقُ بعقولِهم، غيرُ المُلْتَوِي عليهم، ولا المُتَعَثِّرِ بهم؛ فَيَتَبَذَّلُ كلَّ التَّبَذُّل، ويُسِفُّ كلَّ الإسْفاف، ويُوْرِدُ في كتابِه مِن قِطَعِ الشِّعْر، وجُمَلِ النَّثْر، ما يُشْبِهُ أنْ يكونَ مادَّةً للطِّفلِ في هِجائِه، لا مادَّةً للأديبِ في بيانِه.

للمقـال تتمة

ترجمة المنفلوطي:
المنفلوطي
مصطفى لطفي بن محمد لطفي المنفلوطي (ت 1343ھ/ 1924م): نابغة في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته وكتبه، وله شعر جيد فيه رقة وعذوبة. ولد في منفلوط بمصر، وابتدأت شهرته تعلو بما كان ينشره في جريدة (المؤيد) من المقالات الأسبوعية تحت عنوان: (النظرات). له من الكتب: النظرات، العبرات، في سبيل التاج، الشاعر، مجدولين، مختارات المنفلوطي.

الألفاظُ توابعُ المعاني

أبو عثمان الجاحظ

مَنْ قرأَ كُتبَ البُلَغاء، وتصفَّحَ دواوينَ الحكماء؛ ليستفيدَ المعانيَ، فهو علىٰ سبيلِ صوابٍ، ومَنْ نظرَ فيها ليستفيدَ الألفاظَ، فهو علىٰ سبيلِ الخطأ، والخُسْرانُ ها هنا في وزنِ الرِّبحِ هناك؛ لأنَّ مَنْ كانتْ غايتُه انتزاعَ الألفاظ، حَمَلَه الحِرْصُ عليها والاسْتِهتارُ بها إلىٰ أنْ يستعملَها قبْلَ وقتِها، ويَضَعَها في غيرِ مكانِها.

وسماعُ الألفاظِ ضارٌّ ونافع:

فالوجهُ الضارُّ

أنْ يتحفَّظَ ألفاظًا بعينِها ـ مِنْ كتابٍ بعينِه، أو مِنْ لفظِ رجُلٍ ـ ثمَّ يريدَ أنْ يُعِدَّ لتلكَ الألفاظِ قِسْمَها منَ المعاني؛ فهذا لا يكونُ إلَّا بخيلًا فقيرًا، وحائفًا سَرُوقًا، ولا يكونُ إلَّا مُسْتَكْرِهًا لألفاظِه، متكلِّفًا لمَعانيه، مُضطرِبَ التأليف، مُنقطِعَ النِّظام. فإذا مرَّ كلامُه بنُقَّادِ الألفاظِ وجَهابِذةِ المعاني، استخفُّوا عقلَه، وبَهْرَجُوا عِلْمَه.

والوجهُ النافعُ

أنْ يدورَ [اللَّفظُ] في مسامعِه، ويَغِبَّ في قلبِه، ويَختمِرَ في صدرِه، فإذا طالَ مُكْثُها تناكحَتْ، ثمَّ تلاقحَتْ؛ فكانتْ نتيجتُها أكرمَ نتيجة، وثمرتُها أطيبَ ثمرة؛ لأنَّها حينئذٍ تَخرُجُ غيرَ مُسترَقة، ولا مُختلَسةٍ ولا مُغتصَبة، ولا دالَّةٍ علىٰ فَقْر؛ إذْ لم يكنِ القصدُ إلىٰ شيءٍ بعينِه، والاعتمادِ عليه دونَ غيرِه.

وبَيْنَ الشَّيءِ إذا عشَّشَ في الصَّدرِ ثمَّ باضَ، ثمَّ فرَّخَ ثمَّ نَهَضَ، وبَيْنَ أنْ يكونَ الخاطرُ مختارًا، واللَّفظُ اعتسافًا واغتصابًا= فَرْقٌ بَيِّنٌ.

التوثيق
الصفحة 2 من 3