أحاديثُ المسجديِّين (3)

أبو عثمان الجاحظ

قالَ شيخٌ منهم: لمْ أرَ في وَضْعِ الأُمورِ مَواضِعَها، وفي تَوْفِيَتِها غايةَ حُقوقِها، كمُعاذةَ العَنْبَرِيَّة. قالُوا: وما شأنُ مُعاذةَ هذه؟

قال: أهدىٰ إليها العامَ ابنُ عمٍّ لها أُضْحِيَّةً، فرأيْتُها كَئِيبةً حَزِينة، مُفَكِّرةً مُطْرِقة، فقلتُ لها: ما لكِ يا مُعاذة؟ قالت: أنا امرأةٌ أرْمَلة، وليسَ لي قَيِّمٌ، ولا عَهْدَ لي بتدبيرِ لحمِ الأَضاحِيِّ، وقدْ ذهبَ الَّذينَ كانُوا يُدبِّرُونَه ويقُومُونَ بحَقِّه، وقدْ خِفْتُ أنْ يَضِيعَ بعضُ هذه الشَّاة، ولستُ أعرِفُ وَضْعَ جميعِ أجزائِها في أماكنِها. وقدْ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ لمْ يَخْلُقْ فيها ولا في غيرِها شيئًا لا مَنْفَعةَ فيه، ولكنَّ المرْءَ يَعْجِزُ لا مَحالة! ولستُ أخافُ مِن تضييعِ القليل؛ إلَّا أنَّه يَجُرُّ تضييعَ الكثير.

وُجوهُ الانتفاع

 أمَّا القَرْنُ فالوَجْهُ فيه معروفٌ؛ وهو أنْ يُجْعَلَ منه كالخُطَّاف، ويُسَمَّرَ في جِذْعٍ مِن أجذاعِ السَّقْف، فيُعَلَّقَ عليه الزُّبُلُ و[الكِيزانُ]، وكلُّ ما خِيفَ عليه منَ الفأرِ والنَّملِ والسَّنانِيرِ وبناتِ وَرْدانَ والحَيَّاتِ وغيرِ ذلك.

 وأمَّا المُصْرانُ فإنَّه لِأوتارِ المِنْدَفة، وبِنا إلىٰ ذلك أعظَمُ الحاجة.

 وأمَّا قِحْفُ الرَّأسِ واللَّحْيانِ وسائرُ العِظام، فسَبِيلُه أنْ يُكْسَرَ بعدَ أنْ يُعْرَق، ثمَّ يُطْبَخ؛ فما ارتفعَ من الدَّسَمِ كانَ للمِصْباحِ وللإدامِ وللعَصِيدةِ ولغيرِ ذلك، ثمَّ تُؤْخَذُ تلك العِظامُ فيُوقَدُ بها، فلمْ يَرَ النَّاسُ وَقُودًا قَطُّ أصْفىٰ ولا أحْسَنَ لَهَبًا [منها]، وإذا كانتْ كذلك فهي أسرَعُ في القِدْر؛ لقِلَّةِ ما يُخالِطُها منَ الدُّخان.

 وأمَّا الإهابُ فالجِلْدُ نَفْسُه جِراب، وللصُّوفِ وُجُوهٌ لا تُعَدُّ.

 وأمَّا الفَرْثُ والبَعْرُ فحَطَبٌ إذا جُفِّفَ عجيبٌ.

ثمَّ قالت: بقيَ الآنَ علينا الانتفاعُ بالدَّم، وقدْ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ لمْ يُحَرِّمْ منَ الدَّمِ المَسْفُوحِ إلَّا أكْلَه وشُرْبَه، وأنَّ له مَواضِعَ يجوزُ فيها ولا يُمْنَعُ منها، وإنْ أنا لمْ أقَعْ علىٰ عِلْمِ ذلك حتَّىٰ يُوضَعَ مَوْضِعَ الانتفاعِ به، صارَ كَيَّةً في قلبي، وقَذًى في عيني، وهَمًّا لا يزالُ يَعُودُني.

فتحٌ مُبِين!

قال: فلمْ ألْبَثْ أنْ رأيْتُها قدْ [تَطَلَّقَتْ] وتَبَسَّمَتْ. فقلتُ: يَنْبَغي أنْ يكونَ قدِ انْفَتحَ لكِ بابُ الرَّأيِ في الدَّم. قالت: أجَلْ، ذَكَرْتُ أنَّ عِنْدي قُدُورًا شامِيَّةً جُدُدًا، وقدْ زَعَمُوا أنَّه ليسَ شيءٌ أدْبَغَ ولا أزْيَدَ في قُوَّتِها منَ التَّلْطِيخِ بالدَّمِ الحارِّ الدَّسِم، وقدِ استرحْتُ الآنَ؛ إذْ وَقَعَ كلُّ شيءٍ مَوْقِعَه.

قال: ثمَّ لقِيْتُها بعدَ سِتَّةِ أشْهُر، فقلتُ لها: كيفَ كانَ قَدِيدُ تلكِ الشَّاة؟ قالت: بأبي أنتَ! لمْ يَجِئْ وقتُ القَدِيدِ بَعْدُ؛ لنا في الشَّحْمِ والأَلْيَةِ والجُنُوبِ والعَظْمِ المُعَرَّقِ وفي غيرِ ذلكَ مَعاشٌ، ولكلِّ شيءٍ إبَّانٌ.

عَوْدٌ علىٰ بَدْء

فقَبَضَ صاحبُ الحِمارِ والماءِ العَذْبِ قَبْضةً مِن حَصًى، ثمَّ ضَرَبَ بها الأرضَ، ثمَّ قال: لا تَعْلَمُ أنَّكَ منَ المُسْرِفِين، حتَّىٰ تَسْمَعَ بأخبارِ الصَّالحِين!

تمَّت الأحاديث

التوثيق

ضالَّةُ المؤمن

أبو إسحاق الحُصْري

قالَبعضُ الحُكَماء: الحِكْمةُ مُوقِظةٌ للقلوبِ مِن سِنَةِ الغَفْلة، ومُنقِذةٌ للبَصائرِ مِن سَكْرةِ الحَيْرة، ومُحْيِيةٌ لها مِن موتِ الجَهالة، ومُستخرِجةٌ لها مِن ضِيقِ الضَّلالة. والعِلْمُ دواءٌ للقلوبِ العَلِيلة، ومِشْحَذٌ للأذهانِ الكَلِيلة، ونُورٌ في الظُّلْمة، وأُنْسٌ في الوَحْشة، وصاحبٌ في الوَحْدة، وسَمِيرٌ في الخَلْوة، ووُصْلةٌ في المَجْلِس، ومادَّةٌ للعقل، وتَلْقِيحٌ للفَهْم، ونافٍ للعِيِّ المُزْرِي بأهلِ الأحساب، المُقَصِّرِ بذوي الألباب.

أنطقَ اللهُ سبحانَه أهلَه بالبيانِ الَّذي جعلَه صفةً لكلامِه في تنزيلِه، وأيَّدَ به رُسُلَه إيضاحًا للمُشْكِلات، وفَصْلًا بينَ الشُّبُهات، شَرَّفَ به الوضيعَ، وأعزَّ به الذَّلِيلَ، وسَوَّدَ به المَسُودَ، مَنْ تَحلَّىٰ بغيرِه فهو مُعَطَّل، ومَنْ تَعَطَّلَ منه فهو مُغَفَّل، لا تُبْلِيه الأيَّام، ولا تَخْتَرِمُه الدُّهور، يتجدَّدُ على الابْتِذال، ويَزْكُو على الإنفاق، للهِ علىٰ ما مَنَّ به علىٰ عبادِه الحمدُ والشُّكر.

قالَ بعضُ العُلَماء: العُقولُ لها صُوَرٌ مِثْلُ صُوَرِ الأجسام، فإذا أنتَ لمْ تَسْلُكْ بها سبيلَ الأدبِ حارَتْ وضَلَّتْ، وإنْ بَعَثْتَها في أودِيَتِها كَلَّتْ ومَلَّتْ، فاسْلُكْ بعقلِك شِعابَ المعاني والفَهْم، واسْتَبْقِهِ بالجِمامِ للعِلْم، وارْتَدْ لعقلِك أفضلَ طَبَقاتِ الأدب، وتَوَقَّ عليه آفةَ العَطَب؛ فإنَّ العقلَ شاهدُك على الفَضْل، وحارسُك منَ الجهل.

اعلَمْ أنَّ مَغارِسَ العُقولِ كمَغارِسِ الأشجار؛ فإذا طابَتْ بِقاعُ الأرضِ للشَّجرِ زَكا ثَمَرُها، وإذا كَرُمَتِ النُّفوسُ للعُقولِ طابَ خَيْرُها، فاغْمُرْ نَفْسَك بالكَرَم، تَسْلَمْ منَ الآفةِ والسَّقَم. واعلَمْ أنَّ العقلَ الحسَنَ في النَّفْسِ اللَّئيمة، بمنزلةِ الشَّجرةِ الكريمةِ في الأرضِ الذَّميمة؛ يُنْتَفَعُ بثَمَرِها علىٰ خُبْثِ المَغْرِس، فاجْتَنِ ثَمَرَ العُقولِ وإنْ أتاكَ مِن لِئامِ الأنْفُس.

قالَ النَّبيُّ : «رُبَّ حاملِ فِقْهٍ إلىٰ مَنْ هو [أفْقَهُ منه، ورُبَّ حاملِ فِقْهٍ غيرُ فَقِيه]». وقيل: رُبَّ رَمْيَةٍ مِن غيرِ رامٍ. وقيل: الحكمةُ ضالَّةُ المؤمِن؛ أينما وَجَدَها أخذَها. وسَمِعَ الشَّعْبيُّ الحَجَّاجَ بنَ يوسُفَ وهو على المِنْبَرِ يقول: أمَّا بَعْدُ، فإنَّ اللهَ كَتَبَ على الدُّنيا الفناء، وعلى الآخرةِ البقاء، فلا فناءَ لِمَا كُتِبَ عليه البقاء، ولا بقاءَ لِمَا كُتِبَ عليه الفناء، فلا يَغُرَّنَّكم شاهدُ الدُّنيا عنْ غائبِ الآخرة، وأقْصِرُوا منَ الأمَل؛ لقِصَرِ الأجَل. فقال: كلامُ حِكْمةٍ خَرَجَ مِن قلبٍ خَرابٍ! وأخرجَ ألواحَه فكتبَ.

ترجمة الحصري:
إبراهيم بن علي بن تميم الأنصاري، أبو إسحاق الحصري (ت 453ھ): أديب نقاد، من أهل القيروان، نسبته إلى عمل الحصر. له كتاب (زهر الآداب وثمر الألباب)، و(جمع الجواهر في الملح والنوادر)، وله شعر فيه رقة. وهو ابن خالة الشاعر أبي الحسن الحصري، ناظم «يا ليل الصب متى غده».
التوثيق
زيادة بيان:

مناجاة

أبو حيَّان التوحيدي

بسملة

اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ جِدًّا مَقْرُونًا بالتَّوفيق، وعِلْمًا بريئًا منَ الجهل، وعملًا عَرِيًّا منَ الرِّياء، وقولًا مُوَشَّحًا بالصَّواب، وحالًا دائرةً معَ الحقِّ، وفِطْنةَ عَقْلٍ مَضْروبةً في سلامةِ صَدْر، وراحةَ جِسْمٍ راجعةً إلىٰ رَوْحِ بال، وسُكونَ نَفْسٍ مَوْصولًا بثَباتِ يقين، وصِحَّةَ حُجَّةٍ بعيدةً مِن مرضِ شُبْهة، حتَّىٰ تكونَ غايتي في هذه الدَّارِ مقصودةً بالأمْثَلِ فالأمْثَل، وعاقِبتي عندَكَ محمودةً بالأفْضَلِ فالأفْضَل، معَ حياةٍ طيِّبةٍ أنتَ الواعدُ بها ووعْدُكَ الحقُّ، ونعيمٍ دائمٍ أنتَ المُبلِّغُ إليه.

اللَّهُمَّ فلا تُخيِّبْ رجاءَ مَنْ هو مَنُوطٌ بك، ولا تُصَفِّرْ كَفًّا هي ممدودةٌ إليك، ولا تُذِلَّ نَفْسًا هي عزيزةٌ بمَعْرِفتِك، ولا تَسْلُبْ عَقْلًا هو مُسْتَضِيءٌ بنُورِ هِدايتِك، ولا تُعْمِ عَيْنًا فَتَحْتَها بنِعْمتِك، ولا تَحبِسْ لسانًا عَوَّدْتَه الثَّناءَ عليك، وكما أنتَ أَوْلىٰ بالتَّفضُّلِ فكُنْ أحْرَىٰ بالإحسان. النَّاصِيةُ بيَدِك، والوجهُ عانٍ لك، والخيرُ مُتَوقَّعٌ منك، والمصيرُ علىٰ كلِّ حالٍ إليك.

اللَّهُمَّ ألْبِسْني في هذه الحياةِ البائدةِ ثوبَ العِصْمة، وحَلِّني في تلكَ الدَّارِ الباقيةِ بزِينةِ الأمن، وافْطِمْ نَفْسِي عنْ طلبِ العاجلةِ الزَّائلة، وأجْرِني على العادةِ الفاضِلة، ولا تَجْعَلْني ممَّنْ سَها عنْ باطنِ ما لكَ عليه، بظاهرِ ما لكَ عندَه؛ فالشَّقيُّ مَنْ لم تأخُذْ بيَدِه، ولم تُؤَمِّنْه مِن غدِه، والسَّعيدُ مَنْ آوَيْتَه إلىٰ كَنَفِ نِعْمتِك، ونَقَلْتَه حميدًا إلىٰ مَنازلِ رحمتِك، غيرَ مُناقِشٍ له في الحساب، ولا سائقٍ له إلى العَذاب. فإنَّكَ علىٰ ذلك قَدِير.

ترجمة التوحيدي:
علي بن محمد بن العباس التوحيدي، أبو حيان (ت 400ھ): فيلسوف، متصوف، معتزلي، نعته ياقوت الحموي بشيخ الصوفية وفيلسوف الأدباء، وقال ابن الجوزي: كان زنديقًا (!). ولد في شيراز أو نيسابور، وأقام مدة ببغداد، وانتقل إلى الري، فصحب ابن العميد والصاحب بن عباد، فلم يحمد ولاءهما. ولما انقلبت به الأيام رأى أن كتبه لم تنفعه، وضن بها على من لا يعرف قدرها، فجمعها وأحرقها، فلم يسلم منها غير ما نقل قبل الإحراق؛ ومنها: المقابسات، الصداقة والصديق، الإمتاع والمؤانسة، مثالب الوزيرين.
التوثيق

أحاديثُ المسجديِّين (2)

أبو عثمان الجاحظ

قالَ شيخٌ منهم: يا قَوْمُ، لا تَحْقِرُوا صِغارَ الأُمُور؛ فإنَّ أوَّلَ كلِّ كبيرٍ صغيرٌ، ومتىٰ شاءَ اللهُ أنْ يُعظِّمَ صغيرًا عَظَّمَه، وأنْ يُكثِّرَ قليلًا كَثَّرَه. وهلْ بُيوتُ الأموالِ إلَّا دِرهمٌ علىٰ دِرهم؟! وهلِ الدِّرهمُ إلَّا قِيراطٌ إلىٰ جَنْبِ قِيراط؟! أوَ ليسَ كذلك رَمْلُ عالِجٍ وماءُ البحر؟ وهلِ اجْتَمعَتْ أموالُ بُيوتِ الأموالِ إلَّا بدِرهمٍ مِن هاهنا، ودِرهمٍ مِن هاهنا؟!

قدْ رأيْتُ صاحبَ سَقَطٍ قدِ اعْتَقَدَ مئةَ جَرِيبٍ في أرضِ العرب، ولَربَّما رأيْتُه يبيعُ الفُلْفُلَ بقِيراطٍ والحِمِّصَ بقِيراط، فأعْلَمُ أنَّه لم يَربَحْ في ذلك الفُلْفُلِ إلَّا الحَبَّةَ والحَبَّتَيْنِ مِن خشبِ الفُلْفُل، فلمْ يَزَلْ يَجمعُ منَ الصِّغارِ الكِبارَ، حتَّى اجتَمعَ ما اشترىٰ به مئةَ جَرِيب.

 الدَّاءُ والدَّواء

ثمَّ قال: اشتكيْتُ أيَّامًا صَدْري، مِن سُعالٍ كانَ أصابَني، فأمَرَني قومٌ بالفانِيذِ السُّكَّريِّ، وأشارَ عليَّ آخَرونَ [بالحَرِيرةِ] تُتَّخَذُ منَ [النَّشاسْتَجِ] والسُّكَّرِ ودُهْنِ اللَّوزِ، وأشباهِ ذلك. فاستَثْقَلْتُ المَؤُونةَ، وكَرِهْتُ الكُلْفةَ، ورَجَوْتُ العافيةَ.

فبَيْنا أنا أُدافِعُ الأيَّامَ، إذْ قالَ لي بعضُ المُوَفَّقِين: عليكَ بماءِ النُّخالة؛ فاحْسُه حارًّا. فحَسَوْتُ، فإذا هو طيِّبٌ جِدًّا، وإذا هو يَعْصِمُ؛ فما جُعْتُ ولا اشتَهَيْتُ الغَداءَ في ذلك اليومِ إلى الظُّهر. ثمَّ ما فَرَغْتُ مِن غَدائي وغَسْلِ يدَيَّ حتَّىٰ قاربْتُ العَصْر، فلمَّا قَرُبَ وقتُ غَدائي مِن وقتِ عَشائي، طَوَيْتُ العَشاءَ، وعَرفْتُ قَصْدي.

بابٌ منَ الاقتصاد!

فقلتُ للعَجُوز: لِمَ لا تَطبُخِينَ لعِيالِنا في كلِّ غَداةٍ نُخالةً؟ فإنَّ ماءَها جِلاءٌ للصَّدْر، وقُوتَها غِذاءٌ وعِصْمةٌ، ثمَّ تُجفِّفِينَ بَعْدُ النُّخالةَ فتعودُ كما كانتْ، فتَبِيعِينَه إذا اجتمعَ بمِثْلِ الثَّمنِ الأوَّل، ونكونُ قدْ رَبِحْنا فَضْلَ ما بينَ الحالَيْن.

فقالتْ: أرجو أنْ يكونَ اللهُ قدْ جَمعَ لكَ بهذا السُّعالِ مَصالِحَ كثيرةً؛ لِمَا فَتحَ اللهُ لكَ بهذه النُّخالةِ الَّتي فيها صلاحُ بَدَنِك، وصلاحُ مَعاشِك.

وما أشُكُّ أنَّ تلك المَشُورةَ كانتْ منَ التَّوفيق!

قالَ القَوم: صَدَقْتَ؛ مِثْلُ هذا [لا] يُكتسَبُ بالرَّأي، ولا يكونُ إلَّا سَماوِيًّا!

 مُعْضِلةٌ باهِظة

ثمَّ أقْبَلَ عليهم شيخٌ آخَرُ؛ فقال: كُنَّا نَلْقىٰ منَ الحُرَّاقِ والقَدَّاحةِ جَهْدًا؛ لأنَّ الحِجارةَ كانتْ إذا انكسرَتْ حُروفُها واستدارَتْ، كَلَّتْ ولمْ تَقْدَحْ قَدْحَ خَيْرٍ، وأصْلَدَتْ فلمْ تُورِ، ورُبَّما أعْجَلَنا المطرُ والوَكْف.

وقدْ كانَ الحجَرُ أيضًا يأخذُ مِن حُروفِ القَدَّاحةِ حتَّىٰ يَدَعَها كالقَوْس، فكنتُ أشتري المَرْقَشِيثا بالغَلاء، والقَدَّاحةَ الغَليظةَ بالثَّمنِ المُوجِع. وكانَ علينا أيضًا في صَنْعةِ الحُرَّاقِ وفي مُعالَجةِ العُطْبةِ مُؤْنةٌ، وله رِيحٌ كَرِيهة. والحُرَّاقُ لا يَجِيءُ منَ الخِرَقِ المَصْبُوغة، ولا منَ الخِرَقِ الوَسِخة، ولا منَ الكَتَّان، ولا منَ الخُلْقان؛ فكُنَّا نَشْتريه بأغلى الثَّمن.

القَدَّاحةُ العجيبة!

فتَذاكَرْنا منذُ أيَّامٍ أهلَ البَدْوِ والأعْرابَ، وقَدْحَهمُ النَّارَ بالمَرْخِ والعَفَار، فزَعَمَ لنا صديقُنا الثَّوْريُّ، وهو ـ ما عَلِمْتُ ـ أحدُ المُرْشَدِين: أنَّ عَراجِينَ الأعْذاقِ تَنُوبُ عنْ ذلك أجْمَعَ، وعلَّمَني كيفَ تُعالَجُ. ونحنُ نُؤْتىٰ بها مِن أرضِنا بلا كُلْفة، فالخادمُ اليومَ لا تَقْدَحُ ولا تُورِي إلَّا بالعُرْجُون.

قالَ القَوم: قدْ مرَّتْ بنا اليومَ فوائدُ كثيرة؛ ولهذا ما قالَ الأوَّلُ: «مُذاكَرةُ الرِّجالِ تُلَقِّحُ الألْبابَ»!

التوثيق

أصولُ الانتقاد

مصطفى الغلاييني

السَّعيُ وراءَ الحقائقِ دَأَبُ كلِّ عاقلٍ يَرْبَأُ بنَفْسِه أنْ يَرِدَ مَوارِدَ الأوهامِ والظُّنون، وشِنْشِنةُ المَرْءِ الَّذي لا يُهِمُّه إلَّا التَّنقيبُ عمَّا هو حقيقةٌ راهِنةٌ لا تَقْبَلُ الإيهام؛ فمعرفةُ الحقيقةِ واسْتِطلاعُ شُؤونِها غايةُ ما يَتطلَّبُه العُقَلاء، ومُنتهىٰ ما يسعىٰ لأجلِه الأُدَباء.

غيرَ أنَّ معرفةَ هذه الحقيقةِ صعبةٌ علىٰ مَنْ لم يَحْلُبِ الدَّهرَ أشْطُرَه، ويَعْرِفْ حُلْوَه ومُرَّه؛ لأنَّ تحصيلَ هذه المعرفةِ يتوقَّفُ علىٰ إذْكاءِ نارِ الجِدِّ، وإيقادِ جَذْوةِ الطَّلبِ والاجتهاد، والمباحثةِ والمذاكَرة، والرَّدِّ والاعْتِراض، والمناقشةِ والانتقاد.

فوائدُ الانتقاد

الانتقادُ يُمَحِّصُ الحقائقَ، ويُثِيرُ الأذهانَ ، ويُوَسِّعُ نِطاقَ العُقول، ويُبْرِزُ الحقيقةَ مِن خفايا الوجودِ بأبهىٰ حُلَلِها، وأجملِ بُرُودِها، تَتَجلَّىٰ للرَّائينَ كالغَزالةِ عندَ الطُّلُوع؛ فتَعْشُو عندَ ذلك عُيونُ المكابِرِين؛ فيَرْتَدُّ بَصَرُهم خاسِئًا وهو حَسِير.

ليسَ مِن أُمَّةٍ حَطَّتْ عنها أعباءَ الكسل، ورَمَتْ بإهمالِها إلىٰ أقصىٰ مكان، إلَّا كانَ الانتقادُ هو الدَّاعيَ الأكبر، والسَّببَ الأقوىٰ في تقدُّمِها؛ ولذلكَ نرىٰ أنَّ مِقدارَ ارْتِقائِها إلىٰ أَوْجِ السَّعادةِ في المعرفةِ والمَدَنيَّةِ بكثرةِ عَددِ المنتقِدينَ فيها، واقتدارِهم علىٰ معرفةِ مواضعِ النَّقدِ لِيُظْهِرُوها، وحِذْقِهم بمَحالِّ العِلَّةِ فيُخْرِجُوها.

وما المنتقِدونَ إلَّا كالأطبَّاء؛ يَرَوْنَ العِلَلَ وأسبابَها، فيَعملُونَ علىٰ تطهيرِ البدنِ منها، وإراحةِ الجسمِ مِن أذاها… [و] لولا الانتقادُ لَمَا بَعَثَ اللهُ الأنبياء، وعَلَّمَ العُلماء، وأمرَ النَّاسَ باتِّباعِهم، والاستماعِ لنصائحِهم؛ إذِ الغايةُ مِن إرسالِ الرُّسُلِ انتقادُ العاداتِ والأخلاق؛ ليَرْجِعَ النَّاسُ عمَّا ألِفُوه منَ الباطل، واتَّبَعُوه منَ العقائدِ الفاسدة، والأخلاقِ الكاسدة.

مشاربُ المنتقِدين

مَشارِبُ المنتقِدينَ شتَّىٰ؛ تختلفُ باختلافِ أخلاقِهم، وتبايُنِ أذواقِهم:

 فمِنهم مَنْ يَستعمِلُ التُّؤَدةَ والتَّأنِّي، ولا يَتَسرَّعُ في الانتقادِ إلَّا بعدَ أنْ يَخْبُرَ المنتقَدَ عليه خِبرةً تامَّة، ويفكِّرَ فيما قالَه تفكيرًا، ثمَّ بعدَ ذلك يَشْرَعُ في نقدِ قولِه أو فعلِه، متسلِّحًا بالأدبِ التامِّ واللَّطافةِ في التَّعبير، عادِلًا عنِ الألفاظِ الَّتي تُنَفِّرُ المنتقَدَ عليه، وغايتُه مِن ذلك إظهارُ الحقِّ ليسَ إلَّا… وبذلك تَتِمُّ الفائدةُ المرغوبة، وتَحصُلُ النَّتيجةُ المطلوبة.

 ومنهم مَنْ إذا رأىٰ هَفْوةً مِن أحَد، أرْغىٰ وأزْبَد، وتسرَّعَ في النَّقد، وسَلَقَ الخصمَ بألسنةٍ حِداد، ورماه بصخورٍ منَ الحِدَّةِ شِداد. سلاحُه بَذاءةُ اللِّسان، وحِدَّةُ القلم، وغيرُ ذلك منَ الوسائلِ الَّتي تضيعُ معها الحقيقة، وتَجعلُ المنتقَدَ عليه لا يُقِرُّ بالخَطاءِ وإنْ كانَ مخطئًا. وكثيرٌ مِن هؤلاءِ ليسَ قَصْدُهم إظهارَ الحقِّ، بلْ إبداءَ عُيُوبِ الخَلْق!

شروطُ الانتقاد

للانتقادِ شروطٌ وآدابٌ ينبغي للمُنتقِدِ مُراعاتُها والسَّيْرُ في جادَّتِها، وللمُنتقَدِ عليه شروطٌ كذلك. فمتىٰ راعىٰ كلٌّ منهما ما وجبَ عليه منَ الأصولِ الَّتي يَلْزَمُه اتِّباعُها، ظَهَرَ الحقُّ ووَضَحَ الأمْر، وبَطَلَ قولُ زَيْدٍ وعَمْرو؛ فكانَ كلٌّ منهما راتِعًا في بُحْبُوحةِ الصَّواب، آمِنًا منَ العِثارِ في عَقَباتِ الأكدار، والنُّزُوعِ لحُسامِ العداوةِ والأحقاد.

وإنَّا ذاكِرُونَ شيئًا مِن تلك الآدابِ والقواعد، الَّتي يَجْدُرُ بالمنتقِدِ والمنتقَدِ عليه أنْ يَجْعَلاها نُصْبَ أعْيُنِهما، ولا يُغْفِلاها طَرْفةَ عَيْن:

الأوَّل: مُناظِرُك نَظِيرُك؛ فلا يجوزُ احتقارُه ولا الازْدِراءُ برأيِه، مهما كانَ سافلًا أو خطأً، بلْ يجبُ أنْ تُلاطِفَه وتُجامِلَه، إلىٰ أنْ تَفْرِيَ ببُرهانِك القاطعِ رأسَ رأيِه الفاسد، وتُنِيرَ بدَليلِك السَّاطعِ غَياهِبَ فِكْرِه المظلِم. إذْ ليسَ المرادُ منَ الانتقادِ نَقْدَ الشَّخصِ نَفْسِه، أو إظهارَ أنَّه فاسدٌ مِن حيثُ إنَّه فاسد، وإنَّما القَصْدُ تبيينُ الصَّوابِ وإظهارُ الحقِّ، وإرشادُ مَنْ حادَ بفكرِه عنْ منهجِ السَّداد، أو أسقَطَه رأيُه عنْ مِنَصَّاتِ الرَّشاد. وإذا كانَ الغرضُ كذلك، فالازْدِراءُ بالمُناظِرِ والحَطُّ مِن كرامتِه يَحُولانِ دونَ الوُصولِ إلى المطلوب، ويَمْنعانِ الخصمَ منَ الاعترافِ بالحقِّ؛ أيًّا كانَ المُحِقُّ.

الثَّاني: كلُّ دعوىٰ لم تَكُنْ مُقترِنةً بالدَّليل، فهي ساقطةٌ عنْ درجةِ الاعتبار؛ فلا تَدَّعِ دعوىٰ قبْلَ أنْ تَقْتُلَ البُرهانَ عِلْمًا.

الثَّالث: لا تَستَعمِلِ الحِدَّةَ في كلامِك، وإنْ كنتَ أديبًا في ألفاظِك؛ فالحِدَّةُ لا تُنْتِجُ المقصودَ، بلْ رُبَّما أذهَبَتِ المطلوبَ.

الرَّابع: يقولُ علماءُ الجَدَلِ وآدابِ البحثِ والمُناظَرة: «إنْ كنتَ مُدَّعيًا فالدَّليلَ، أو ناقِلًا فالصِّحَّةَ»؛ أيْ: إنْ كانَ كلامُك دعوىٰ مِن قِبَلِ نَفْسِك؛ فاجْعَلِ البُرهانَ سِياجًا لها يَمنَعُ الدَّاخِل، ومِجَنًّا يَدفَعُ نِبالَ المُناظِرِ وسيفَ المُجادِل. وإنْ كنتَ ناقِلًا لكلامِكَ عنْ كتاب، فأَثْبِتْ ذلك النَّقلَ وصَحِّحْ ما نَقَلْتَ.

تلك أصولٌ أربعة، إذا اعتصمَ بها المُناظِرانِ وتَمَسَّكا بأهدابِها، وَصَلَ كلٌّ منهما إلىٰ ما يريدُه مِن إظهارِ الحقِّ.

ترجمة الغلاييني:
مصطفى الغلاييني
مصطفى بن محمد سليم الغلاييني (ت 1364ھ/ 1944م): شاعر، من الكتاب الخطباء، مولده ووفاته ببيروت، تعلم بها وبمصر، وتتلمذ للشيخ محمد عبده. عين خطيبًا للجيش الرابع العثماني في الحرب العامة الأولى، وبعد الحرب أقام مدة في دمشق، وتطوع للعمل في جيشها العربي. من كتبه: جامع الدروس العربية، نظرات في اللغة والأدب، عظة الناشئين، أريج الزهر، رجال المعلقات العشر، ديوان الغلاييني.
التوثيق

أمْسِ وغدًا

أحمد أمين

كانَ لِسَرِيٍّ مَصانعُ ومَتاجِرُ؛ كأفخمِ ما يكونُ مِن مَصانعَ ومَتاجِر، أصابَتْها النَّارُ فأتَتْ عليها، وقُدِّرَتِ الخسائرُ بالأُلوف. وكانَ هذا السَّرِيُّ في السِّنينَ الأخيرةِ مِن عُمُرِه؛ ليسَ له قُوَّةُ الشَّباب، ولا أملُ الشَّباب، وكانتْ ثَرْوتُه الضَّائعةُ ثَرْوةَ العُمُر، ومجهودَ العُمُر.

جاءَه مَنْ يسألُه عنْ هذه الكارثةِ وأسبابِها ومِقْدارِها، فأجابَه: «لستُ أُفكِّرُ في شيءٍ مِن ذلك، وإنَّما يَملِكُ عليَّ كلَّ فِكْري الآنَ: ماذا أنا صانعٌ غدًا؟».

منهجٌ في التَّفكير

يُعْجِبُني هذا الاتِّجاهُ العمليُّ في التَّفكير؛ فإنَّه دليلُ الحياة، وعنوانُ القُوَّة، ومَبْعَثُ النَّشاط. فما دُمْتَ حيًّا ففَكِّرْ دائمًا في وسائلِ الحياة، ووسائلِ السَّعادةِ في الحياة؛ وتلك كلُّها أمامَك لا خَلْفَك، وفي الغدِ لا في الأمس.

ولأمرٍ ما خَلقَ اللهُ الوجهَ في الأمامِ ولم يَخْلُقْه في الخَلْف، وجَعلَ العينَ تَنظُرُ إلى الأمامِ ولا تَنظُرُ إلى الخَلْف، وأرادَ أنْ يَجعلَ لنا عقلًا يَنظُرُ إلى الأمامِ وإلى الخَلْفِ معًا، وأنْ يكونَ نَظَرُه إلى الخَلْفِ وسيلةً لحُسْنِ النَّظرِ إلى الأمام. فعَكَسَ قومٌ الفِطْرةَ الإنسانيَّة، ونَظَرُوا بعقولِهم إلى الخَلْفِ وَحْدَه، وقَلَبُوا الوضعَ؛ فجَعَلُوا النَّظرَ إلى الخَلْفِ غايةً لا وسيلة.

بينَ ما فات، وما هو آت

خيرٌ لكَ إنْ كنتَ في ظُلْمةٍ أنْ تَأْمُلَ طُلوعَ الشَّمسِ غدًا، مِن أنْ تَذْكُرَ طُلوعَها أمسِ؛ فلِكلٍّ منَ الظَّاهرتينِ أثرٌ نَفْسِيٌّ مُعاكِسٌ للآخَر: ففي تَرَقُّبِك طُلوعَ الشَّمسِ غدًا الأملُ والطُّموحُ إلىٰ ما هو آتٍ؛ وفي هذا معنَى الحياة، وفي تذكُّرِك طُلوعَها أمسِ حَسْرةٌ علىٰ ما فات، وألمٌ مِن خيرٍ كنتَ فيه إلىٰ شرٍّ صِرْتَ فيه؛ وفي ذلك معنَى الفَناء.

وفَرْقٌ كبيرٌ بينَ مَنْ يُلْطَمُ اللَّطمةَ فلا تكونُ له وسيلةٌ إلَّا البُكاء، وتَذكُّرَ اللَّطمةِ ثمَّ البُكاء، ثمَّ تَذكُّرَ اللَّطمةِ ثمَّ البُكاء، وبينَ مَنْ يُلْطَمُ اللَّطمةَ فيَسْتَجْمِعُ قُواه للمُكافَحة. والحياةُ كلُّها لَطَمات، وأعجَزُ النَّاسِ مَنْ خارَتْ قُواه أمامَ أوَّلِ لَطْمةٍ فهَرَب! ولو أنصفَ النَّاسُ لقَوَّمُوا النَّاسَ بمِقْدارِ كِفاحِهم، لا بمِقدارِ [إخفاقِهم] ونجاحِهم.

نظرتان.. ومِنْظاران

شرُّ ما أُلاحِظُ في الشَّرقِ حَنِينُه الشَّديدُ إلى الماضي، لا أمَلُه القويُّ في المستقبل، واعتقادُه أنَّ خيرَ أيَّامِه ما سَلَفَتْ، لا ما أقبلَتْ، وإعجابُه الشَّديدُ بأعمالِ الماضين، وإهمالُ المعاصِرين.

له مِنْظاران: مِنظارٌ مُكَبِّرٌ يَلْبَسُه إذا نَظرَ إلى الماضي، ومِنظارٌ مُصَغِّرٌ أسْوَدُ يَضَعُه إذا نَظرَ إلى الحاضرِ والمستقبل. يَلَذُّه أنْ يُطِيلَ البُكاءَ على الميِّت، ولا يَلَذُّه أنْ يَتدبَّرَ فيما يجبُ أنْ يَفْعلَه الأحياء. يَسْتَسْهِلُ النَّفقاتِ مهما عَظُمَتْ على الميِّت، ويَسْتَكْثِرُ نَفَقاتِ الطَّبيبِ وأثمانَ الدَّواءِ للمريض.

مِن أمثالِهم تَعرِفُونَهم

يُعجِبُهم أنْ يَتَمثَّلُوا الأمثالَ تَدُلُّ علىٰ عِظَمِ الماضي، ولا يُعجِبُهم أنْ يَتَمثَّلُوا الأمثالَ تَبْعَثُ الأملَ في المستقبل؛ ففي أعماقِ نُفُوسِهم أنَّ قولَ القائل: «ما تَرَكَ الأوَّلُ للآخِر»، خيرٌ منَ القولِ: «كمْ تَرَكَ الأوَّلُ للآخِر»! ويَلُوكُونَ دائمًا: «لا جديدَ تحتَ الشَّمس»، ولا يُعجِبُهم أنْ تقول: إنَّ كلَّ ما تحتَ الشَّمسِ في جِدَّةٍ مستمرَّة، والمستقبلَ مملوءٌ بالجديد.

وإذا رَأَوْا كلمةً في كتابٍ قديمٍ تَدُلُّ ـ ولوْ دَلالةً كاذبةً ـ علىٰ نظريةٍ جديدة، طارُوا بها فرَحًا؛ لأنَّ ذلك يُلائِمُ ما في نُفُوسِهم مِن تعظيمِ الماضي، وتحقيرِ الحاضرِ والمستقبل.

هم يَعيشونَ في أحلام، ولا يريدونَ أنْ يَعيشُوا في حياةٍ واقعة، وحَوْلَ هذه المَعِيشةِ الحالمةِ يَنْسِجُونَ دائمًا ما يُوافِقُها ويُمازِجُها ويُسايِرُها. يَكْتَفُونَ بالأملِ أنْ يَنْعَمُوا بالآخرة، وماذا عليهم لو عَمِلُوا لِيَنْعَمُوا بالدُّنيا والآخرة؟!

ترجمة أحمد أمين:
أحمد أمين
أحمد أمين ابن الشيخ إبراهيم الطباخ (ت 1373ھ/ 1954م): عالم بالأدب، غزير الاطلاع على التاريخ، من كبار الكتاب، مولده ووفاته بالقاهرة. عين مدرسًا بكلية الآداب بالجامعة المصرية، وانتخب عميدًا لها. وهو من أكثر كتاب مصر تصنيفًا وإفاضة، وبلغت مقالاته في المجلات والصحف عشرة مجلدات، جمعها في كتابه (فيض الخاطر)، ومن تآليفه: فجر الإسلام، ضحى الإسلام، ظهر الإسلام، النقد الأدبي، حياتي، إلى ولدي.
التوثيق

أحاديثُ المسجديِّين (1)

أبو عثمان الجاحظ

قالَ أصحابُنا منَ المَسْجِدِيِّين: اجتمعَ ناسٌ في المَسْجِد، ممَّنْ يَنْتَحِلُ الاقتصادَ في النَّفَقة، والتَّثْمِيرَ للمال، مِن أصحابِ الجَمْعِ والمَنْع. وقدْ كانَ هذا المَذْهَبُ عندَهم كالنَّسَبِ الَّذي يَجْمعُ على التَّحابِّ، وكالحِلْفِ الَّذي يَجْمعُ على التَّناصُر، وكانُوا إذا الْتَقَوْا في حِلَقِهم تذاكَرُوا هذا البابَ، وتطارَحُوه وتدارَسُوه؛ التِماسًا للفائدة، واستمتاعًا بذِكْرِه.

 حديثُ الشَّيخِ والحمار

فقالَ شيخٌ منهم: ماءُ بِئْرِنا ـ كما قدْ عَلِمْتُم ـ [مِلْحٌ] أُجاج، لا يَقْرَبُه الحمار، ولا تُسِيغُه الإبِل، وتموتُ عليه النَّخْل، والنَّهرُ منَّا بعيد، وفي تَكلُّفِ العَذْبِ علينا مَؤُونة. فكُنَّا نَمْزُجُ منه للحمار؛ فاعْتَلَّ منه، وانْتَقَضَ علينا مِن أجْلِه، فصِرْنا بعدَ ذلك نَسقِيه العَذْبَ صِرْفًا. وكنتُ أنا والنَّعْجةُ كثيرًا ما نغتسلُ بالعَذْب؛ مَخافةَ أنْ يعتريَ جُلودَنا منه مِثْلُ ما اعترىٰ جَوْفَ الحمار، فكانَ ذلك الماءُ العَذْبُ الصَّافي يذهبُ باطلًا.

الحاجةُ أُمُّ الاختراع

ثمَّ انفتحَ لي فيه بابٌ منَ الإصلاح؛ فعَمَدْتُ إلىٰ ذلك المُتَوَضَّأ، فجَعلْتُ في ناحيةٍ منه حُفْرةً، وصَهْرَجْتُها ومَلَّسْتُها، حتَّىٰ صارَتْ كأنَّها صخرةٌ مَنْقُورة، وصَوَّبْتُ إليها المَسِيلَ، فنحنُ الآنَ إذا اغتسَلْنا صارَ الماءُ إليها صافيًا، لم يخالِطْه شيءٌ… والحمارُ أيضًا لا تَقَزُّزَ له مِن ماءِ الجَنابة، وليسَ علينا حَرَجٌ في سَقْيِه منه، وما عَلِمْنا أنَّ كتابًا حَرَّمَه، ولا سُنَّةً نَهَتْ عنه. فرَبِحْنا هذه منذُ أيَّام، وأسقَطْنا مُؤْنةً عنِ النَّفْسِ والمال.

قالَ القومُ: هذا بتوفيقِ اللهِ ومَنِّه!

 حديثُ مريمَ الصَّنَاع

فأقبلَ عليهم شيخٌ، فقال: هلْ شَعَرْتُم بموتِ مريمَ الصَّنَاع؟ فإنَّها كانتْ مِن ذواتِ الاقتصاد، وصاحبةَ إصلاح. قالُوا: فحَدِّثْنا عنها. قال: نوادرُها كثيرة، وحديثُها طويل، ولكنِّي أُخبِرُكم عنْ واحدةٍ فيها كِفاية. قالُوا: وما هي؟

قال: زَوَّجَتِ ابنتَها، وهي بنتُ اثْنَتَيْ عَشْرةَ سنةً، فحَلَّتْها الذَّهبَ والفِضَّة، وكَسَتْها المَرْوِيَّ والوَشْيَ، والقَزَّ والخَزَّ، وعلَّقَتِ المُعَصْفَرَ، ودَقَّتِ الطِّيبَ، وعَظَّمَتْ أمْرَها في عينِ الخَتَن، ورَفعَتْ مِن قَدْرِها عندَ الأحْماء. فقالَ لها زوجُها: أنَّىٰ لكِ هذا يا مريمُ؟! قالتْ: هو مِن عندِ الله!

قال: دَعِي عنكِ الجُمْلةَ، وهاتي التَّفسيرَ.. واللهِ ما كنتِ [ذاتَ] مالٍ قديمًا، ولا وَرِثْتِه حديثًا، وما أنتِ بخائنةٍ في نَفْسِك، ولا في مالِ بَعْلِك، إلَّا أنْ تكوني قدْ وَقعْتِ علىٰ كَنْز! وكيفَ دارَ الأمرُ، فقدْ أسقَطْتِ عنِّي مُؤْنةً، وكَفَيْتِني هذه النَّائبة.

القليلُ مع القليلِ كثيرٌ!

قالتْ : اعلَمْ أنِّي منذُ يومِ وَلَدْتُها إلىٰ أنْ زوَّجْتُها، كنتُ أرفعُ مِن دقيقِ كلِّ عَجْنةٍ حَفْنةً، وكُنَّا ـ كما قدْ عَلِمْتَ ـ نَخْبِزُ في كلِّ يومٍ مرَّةً، فإذا اجتمعَ مِن ذلك مَكُّوكٌ بِعْتُه.

فقالَ لها زوجُها: ثبَّتَ اللهُ رأيَكِ وأرشدَك! ولقدْ أسعدَ اللهُ مَنْ كنتِ له سَكَنًا، وباركَ لمَنْ جُعِلْتِ له إلْفًا. ولهذا وشِبْهِه قالَ رسولُ اللهِ : «مِنَ الذَّوْدِ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ»!! وإنِّي لَأَرجو أنْ يَخرُجَ وَلَدُكِ علىٰ عِرْقِكِ الصَّالح، وعلىٰ مَذهبِكِ المحمود، وما فَرَحي بهذا منكِ بأشَدَّ مِن فَرَحي بما يُثَبِّتُ اللهُ بكِ في عَقِبي مِن هذه الطَّريقةِ المَرْضِيَّة!

فنهضَ القومُ بأجْمَعِهم إلىٰ جِنازتِها، وصَلَّوْا عليها، ثمَّ انْكَفَؤُوا إلىٰ زوجِها، فعَزَّوْه علىٰ مُصِيبتِه، وشارَكُوه في حزنِه.

التوثيق
زيادة بيان:
الصفحة 1 من 3