أحاديثُ المسجديِّين (2)

أبو عثمان الجاحظ

الجزء الأول

قالَ شيخٌ منهم: يا قَوْمُ، لا تَحْقِرُوا صِغارَ الأُمُور؛ فإنَّ أوَّلَ كلِّ كبيرٍ صغيرٌ، ومتىٰ شاءَ اللهُ أنْ يُعظِّمَ صغيرًا عَظَّمَه، وأنْ يُكثِّرَ قليلًا كَثَّرَه. وهلْ بُيوتُ الأموالِ إلَّا دِرهمٌ علىٰ دِرهم؟! وهلِ الدِّرهمُ إلَّا قِيراطٌ إلىٰ جَنْبِ قِيراط؟! أوَ ليسَ كذلك رَمْلُ عالِجٍ وماءُ البحر؟ وهلِ اجْتَمعَتْ أموالُ بُيوتِ الأموالِ إلَّا بدِرهمٍ مِن هاهنا، ودِرهمٍ مِن هاهنا؟!

قدْ رأيْتُ صاحبَ سَقَطٍ قدِ اعْتَقَدَ مئةَ جَرِيبٍ في أرضِ العرب، ولَربَّما رأيْتُه يبيعُ الفُلْفُلَ بقِيراطٍ والحِمِّصَ بقِيراط، فأعْلَمُ أنَّه لم يَربَحْ في ذلك الفُلْفُلِ إلَّا الحَبَّةَ والحَبَّتَيْنِ مِن خشبِ الفُلْفُل، فلمْ يَزَلْ يَجمعُ منَ الصِّغارِ الكِبارَ، حتَّى اجتَمعَ ما اشترىٰ به مئةَ جَرِيب.

 الدَّاءُ والدَّواء

ثمَّ قال: اشتكيْتُ أيَّامًا صَدْري، مِن سُعالٍ كانَ أصابَني، فأمَرَني قومٌ بالفانِيذِ السُّكَّريِّ، وأشارَ عليَّ آخَرونَ [بالحَرِيرةِ] تُتَّخَذُ منَ [النَّشاسْتَجِ] والسُّكَّرِ ودُهْنِ اللَّوزِ، وأشباهِ ذلك. فاستَثْقَلْتُ المَؤُونةَ، وكَرِهْتُ الكُلْفةَ، ورَجَوْتُ العافيةَ.

فبَيْنا أنا أُدافِعُ الأيَّامَ، إذْ قالَ لي بعضُ المُوَفَّقِين: عليكَ بماءِ النُّخالة؛ فاحْسُه حارًّا. فحَسَوْتُ، فإذا هو طيِّبٌ جِدًّا، وإذا هو يَعْصِمُ؛ فما جُعْتُ ولا اشتَهَيْتُ الغَداءَ في ذلك اليومِ إلى الظُّهر. ثمَّ ما فَرَغْتُ مِن غَدائي وغَسْلِ يدَيَّ حتَّىٰ قاربْتُ العَصْر، فلمَّا قَرُبَ وقتُ غَدائي مِن وقتِ عَشائي، طَوَيْتُ العَشاءَ، وعَرفْتُ قَصْدي.

بابٌ منَ الاقتصاد!

فقلتُ للعَجُوز: لِمَ لا تَطبُخِينَ لعِيالِنا في كلِّ غَداةٍ نُخالةً؟ فإنَّ ماءَها جِلاءٌ للصَّدْر، وقُوتَها غِذاءٌ وعِصْمةٌ، ثمَّ تُجفِّفِينَ بَعْدُ النُّخالةَ فتعودُ كما كانتْ، فتَبِيعِينَه إذا اجتمعَ بمِثْلِ الثَّمنِ الأوَّل، ونكونُ قدْ رَبِحْنا فَضْلَ ما بينَ الحالَيْن.

فقالتْ: أرجو أنْ يكونَ اللهُ قدْ جَمعَ لكَ بهذا السُّعالِ مَصالِحَ كثيرةً؛ لِمَا فَتحَ اللهُ لكَ بهذه النُّخالةِ الَّتي فيها صلاحُ بَدَنِك، وصلاحُ مَعاشِك.

وما أشُكُّ أنَّ تلك المَشُورةَ كانتْ منَ التَّوفيق!

قالَ القَوم: صَدَقْتَ؛ مِثْلُ هذا [لا] يُكتسَبُ بالرَّأي، ولا يكونُ إلَّا سَماوِيًّا!

 مُعْضِلةٌ باهِظة

ثمَّ أقْبَلَ عليهم شيخٌ آخَرُ؛ فقال: كُنَّا نَلْقىٰ منَ الحُرَّاقِ والقَدَّاحةِ جَهْدًا؛ لأنَّ الحِجارةَ كانتْ إذا انكسرَتْ حُروفُها واستدارَتْ، كَلَّتْ ولمْ تَقْدَحْ قَدْحَ خَيْرٍ، وأصْلَدَتْ فلمْ تُورِ، ورُبَّما أعْجَلَنا المطرُ والوَكْف.

وقدْ كانَ الحجَرُ أيضًا يأخذُ مِن حُروفِ القَدَّاحةِ حتَّىٰ يَدَعَها كالقَوْس، فكنتُ أشتري المَرْقَشِيثا بالغَلاء، والقَدَّاحةَ الغَليظةَ بالثَّمنِ المُوجِع. وكانَ علينا أيضًا في صَنْعةِ الحُرَّاقِ وفي مُعالَجةِ العُطْبةِ مُؤْنةٌ، وله رِيحٌ كَرِيهة. والحُرَّاقُ لا يَجِيءُ منَ الخِرَقِ المَصْبُوغة، ولا منَ الخِرَقِ الوَسِخة، ولا منَ الكَتَّان، ولا منَ الخُلْقان؛ فكُنَّا نَشْتريه بأغلى الثَّمن.

القَدَّاحةُ العجيبة!

فتَذاكَرْنا منذُ أيَّامٍ أهلَ البَدْوِ والأعْرابَ، وقَدْحَهمُ النَّارَ بالمَرْخِ والعَفَار، فزَعَمَ لنا صديقُنا الثَّوْريُّ، وهو ـ ما عَلِمْتُ ـ أحدُ المُرْشَدِين: أنَّ عَراجِينَ الأعْذاقِ تَنُوبُ عنْ ذلك أجْمَعَ، وعلَّمَني كيفَ تُعالَجُ. ونحنُ نُؤْتىٰ بها مِن أرضِنا بلا كُلْفة، فالخادمُ اليومَ لا تَقْدَحُ ولا تُورِي إلَّا بالعُرْجُون.

قالَ القَوم: قدْ مرَّتْ بنا اليومَ فوائدُ كثيرة؛ ولهذا ما قالَ الأوَّلُ: «مُذاكَرةُ الرِّجالِ تُلَقِّحُ الألْبابَ»!

التوثيق

أصولُ الانتقاد

مصطفى الغلاييني

السَّعيُ وراءَ الحقائقِ دَأَبُ كلِّ عاقلٍ يَرْبَأُ بنَفْسِه أنْ يَرِدَ مَوارِدَ الأوهامِ والظُّنون، وشِنْشِنةُ المَرْءِ الَّذي لا يُهِمُّه إلَّا التَّنقيبُ عمَّا هو حقيقةٌ راهِنةٌ لا تَقْبَلُ الإيهام؛ فمعرفةُ الحقيقةِ واسْتِطلاعُ شُؤونِها غايةُ ما يَتطلَّبُه العُقَلاء، ومُنتهىٰ ما يسعىٰ لأجلِه الأُدَباء.

غيرَ أنَّ معرفةَ هذه الحقيقةِ صعبةٌ علىٰ مَنْ لم يَحْلُبِ الدَّهرَ أشْطُرَه، ويَعْرِفْ حُلْوَه ومُرَّه؛ لأنَّ تحصيلَ هذه المعرفةِ يتوقَّفُ علىٰ إذْكاءِ نارِ الجِدِّ، وإيقادِ جَذْوةِ الطَّلبِ والاجتهاد، والمباحثةِ والمذاكَرة، والرَّدِّ والاعْتِراض، والمناقشةِ والانتقاد.

فوائدُ الانتقاد

الانتقادُ يُمَحِّصُ الحقائقَ، ويُثِيرُ الأذهانَ ، ويُوَسِّعُ نِطاقَ العُقول، ويُبْرِزُ الحقيقةَ مِن خفايا الوجودِ بأبهىٰ حُلَلِها، وأجملِ بُرُودِها، تَتَجلَّىٰ للرَّائينَ كالغَزالةِ عندَ الطُّلُوع؛ فتَعْشُو عندَ ذلك عُيونُ المكابِرِين؛ فيَرْتَدُّ بَصَرُهم خاسِئًا وهو حَسِير.

ليسَ مِن أُمَّةٍ حَطَّتْ عنها أعباءَ الكسل، ورَمَتْ بإهمالِها إلىٰ أقصىٰ مكان، إلَّا كانَ الانتقادُ هو الدَّاعيَ الأكبر، والسَّببَ الأقوىٰ في تقدُّمِها؛ ولذلكَ نرىٰ أنَّ مِقدارَ ارْتِقائِها إلىٰ أَوْجِ السَّعادةِ في المعرفةِ والمَدَنيَّةِ بكثرةِ عَددِ المنتقِدينَ فيها، واقتدارِهم علىٰ معرفةِ مواضعِ النَّقدِ لِيُظْهِرُوها، وحِذْقِهم بمَحالِّ العِلَّةِ فيُخْرِجُوها.

وما المنتقِدونَ إلَّا كالأطبَّاء؛ يَرَوْنَ العِلَلَ وأسبابَها، فيَعملُونَ علىٰ تطهيرِ البدنِ منها، وإراحةِ الجسمِ مِن أذاها… [و] لولا الانتقادُ لَمَا بَعَثَ اللهُ الأنبياء، وعَلَّمَ العُلماء، وأمرَ النَّاسَ باتِّباعِهم، والاستماعِ لنصائحِهم؛ إذِ الغايةُ مِن إرسالِ الرُّسُلِ انتقادُ العاداتِ والأخلاق؛ ليَرْجِعَ النَّاسُ عمَّا ألِفُوه منَ الباطل، واتَّبَعُوه منَ العقائدِ الفاسدة، والأخلاقِ الكاسدة.

مشاربُ المنتقِدين

مَشارِبُ المنتقِدينَ شتَّىٰ؛ تختلفُ باختلافِ أخلاقِهم، وتبايُنِ أذواقِهم:

 فمِنهم مَنْ يَستعمِلُ التُّؤَدةَ والتَّأنِّي، ولا يَتَسرَّعُ في الانتقادِ إلَّا بعدَ أنْ يَخْبُرَ المنتقَدَ عليه خِبرةً تامَّة، ويفكِّرَ فيما قالَه تفكيرًا، ثمَّ بعدَ ذلك يَشْرَعُ في نقدِ قولِه أو فعلِه، متسلِّحًا بالأدبِ التامِّ واللَّطافةِ في التَّعبير، عادِلًا عنِ الألفاظِ الَّتي تُنَفِّرُ المنتقَدَ عليه، وغايتُه مِن ذلك إظهارُ الحقِّ ليسَ إلَّا… وبذلك تَتِمُّ الفائدةُ المرغوبة، وتَحصُلُ النَّتيجةُ المطلوبة.

 ومنهم مَنْ إذا رأىٰ هَفْوةً مِن أحَد، أرْغىٰ وأزْبَد، وتسرَّعَ في النَّقد، وسَلَقَ الخصمَ بألسنةٍ حِداد، ورماه بصخورٍ منَ الحِدَّةِ شِداد. سلاحُه بَذاءةُ اللِّسان، وحِدَّةُ القلم، وغيرُ ذلك منَ الوسائلِ الَّتي تضيعُ معها الحقيقة، وتَجعلُ المنتقَدَ عليه لا يُقِرُّ بالخَطاءِ وإنْ كانَ مخطئًا. وكثيرٌ مِن هؤلاءِ ليسَ قَصْدُهم إظهارَ الحقِّ، بلْ إبداءَ عُيُوبِ الخَلْق!

شروطُ الانتقاد

للانتقادِ شروطٌ وآدابٌ ينبغي للمُنتقِدِ مُراعاتُها والسَّيْرُ في جادَّتِها، وللمُنتقَدِ عليه شروطٌ كذلك. فمتىٰ راعىٰ كلٌّ منهما ما وجبَ عليه منَ الأصولِ الَّتي يَلْزَمُه اتِّباعُها، ظَهَرَ الحقُّ ووَضَحَ الأمْر، وبَطَلَ قولُ زَيْدٍ وعَمْرو؛ فكانَ كلٌّ منهما راتِعًا في بُحْبُوحةِ الصَّواب، آمِنًا منَ العِثارِ في عَقَباتِ الأكدار، والنُّزُوعِ لحُسامِ العداوةِ والأحقاد.

وإنَّا ذاكِرُونَ شيئًا مِن تلك الآدابِ والقواعد، الَّتي يَجْدُرُ بالمنتقِدِ والمنتقَدِ عليه أنْ يَجْعَلاها نُصْبَ أعْيُنِهما، ولا يُغْفِلاها طَرْفةَ عَيْن:

الأوَّل: مُناظِرُك نَظِيرُك؛ فلا يجوزُ احتقارُه ولا الازْدِراءُ برأيِه، مهما كانَ سافلًا أو خطأً، بلْ يجبُ أنْ تُلاطِفَه وتُجامِلَه، إلىٰ أنْ تَفْرِيَ ببُرهانِك القاطعِ رأسَ رأيِه الفاسد، وتُنِيرَ بدَليلِك السَّاطعِ غَياهِبَ فِكْرِه المظلِم. إذْ ليسَ المرادُ منَ الانتقادِ نَقْدَ الشَّخصِ نَفْسِه، أو إظهارَ أنَّه فاسدٌ مِن حيثُ إنَّه فاسد، وإنَّما القَصْدُ تبيينُ الصَّوابِ وإظهارُ الحقِّ، وإرشادُ مَنْ حادَ بفكرِه عنْ منهجِ السَّداد، أو أسقَطَه رأيُه عنْ مِنَصَّاتِ الرَّشاد. وإذا كانَ الغرضُ كذلك، فالازْدِراءُ بالمُناظِرِ والحَطُّ مِن كرامتِه يَحُولانِ دونَ الوُصولِ إلى المطلوب، ويَمْنعانِ الخصمَ منَ الاعترافِ بالحقِّ؛ أيًّا كانَ المُحِقُّ.

الثَّاني: كلُّ دعوىٰ لم تَكُنْ مُقترِنةً بالدَّليل، فهي ساقطةٌ عنْ درجةِ الاعتبار؛ فلا تَدَّعِ دعوىٰ قبْلَ أنْ تَقْتُلَ البُرهانَ عِلْمًا.

الثَّالث: لا تَستَعمِلِ الحِدَّةَ في كلامِك، وإنْ كنتَ أديبًا في ألفاظِك؛ فالحِدَّةُ لا تُنْتِجُ المقصودَ، بلْ رُبَّما أذهَبَتِ المطلوبَ.

الرَّابع: يقولُ علماءُ الجَدَلِ وآدابِ البحثِ والمُناظَرة: «إنْ كنتَ مُدَّعيًا فالدَّليلَ، أو ناقِلًا فالصِّحَّةَ»؛ أيْ: إنْ كانَ كلامُك دعوىٰ مِن قِبَلِ نَفْسِك؛ فاجْعَلِ البُرهانَ سِياجًا لها يَمنَعُ الدَّاخِل، ومِجَنًّا يَدفَعُ نِبالَ المُناظِرِ وسيفَ المُجادِل. وإنْ كنتَ ناقِلًا لكلامِكَ عنْ كتاب، فأَثْبِتْ ذلك النَّقلَ وصَحِّحْ ما نَقَلْتَ.

تلك أصولٌ أربعة، إذا اعتصمَ بها المُناظِرانِ وتَمَسَّكا بأهدابِها، وَصَلَ كلٌّ منهما إلىٰ ما يريدُه مِن إظهارِ الحقِّ.

ترجمة الغلاييني:
مصطفى الغلاييني
مصطفى بن محمد سليم الغلاييني (ت 1364ھ/ 1944م): شاعر، من الكتاب الخطباء، مولده ووفاته ببيروت، تعلم بها وبمصر، وتتلمذ للشيخ محمد عبده. عين خطيبًا للجيش الرابع العثماني في الحرب العامة الأولى، وبعد الحرب أقام مدة في دمشق، وتطوع للعمل في جيشها العربي. من كتبه: جامع الدروس العربية، نظرات في اللغة والأدب، عظة الناشئين، أريج الزهر، رجال المعلقات العشر، ديوان الغلاييني.
التوثيق

أمْسِ وغدًا

أحمد أمين

كانَ لِسَرِيٍّ مَصانعُ ومَتاجِرُ؛ كأفخمِ ما يكونُ مِن مَصانعَ ومَتاجِر، أصابَتْها النَّارُ فأتَتْ عليها، وقُدِّرَتِ الخسائرُ بالأُلوف. وكانَ هذا السَّرِيُّ في السِّنينَ الأخيرةِ مِن عُمُرِه؛ ليسَ له قُوَّةُ الشَّباب، ولا أملُ الشَّباب، وكانتْ ثَرْوتُه الضَّائعةُ ثَرْوةَ العُمُر، ومجهودَ العُمُر.

جاءَه مَنْ يسألُه عنْ هذه الكارثةِ وأسبابِها ومِقْدارِها، فأجابَه: «لستُ أُفكِّرُ في شيءٍ مِن ذلك، وإنَّما يَملِكُ عليَّ كلَّ فِكْري الآنَ: ماذا أنا صانعٌ غدًا؟».

منهجٌ في التَّفكير

يُعْجِبُني هذا الاتِّجاهُ العمليُّ في التَّفكير؛ فإنَّه دليلُ الحياة، وعنوانُ القُوَّة، ومَبْعَثُ النَّشاط. فما دُمْتَ حيًّا ففَكِّرْ دائمًا في وسائلِ الحياة، ووسائلِ السَّعادةِ في الحياة؛ وتلك كلُّها أمامَك لا خَلْفَك، وفي الغدِ لا في الأمس.

ولأمرٍ ما خَلقَ اللهُ الوجهَ في الأمامِ ولم يَخْلُقْه في الخَلْف، وجَعلَ العينَ تَنظُرُ إلى الأمامِ ولا تَنظُرُ إلى الخَلْف، وأرادَ أنْ يَجعلَ لنا عقلًا يَنظُرُ إلى الأمامِ وإلى الخَلْفِ معًا، وأنْ يكونَ نَظَرُه إلى الخَلْفِ وسيلةً لحُسْنِ النَّظرِ إلى الأمام. فعَكَسَ قومٌ الفِطْرةَ الإنسانيَّة، ونَظَرُوا بعقولِهم إلى الخَلْفِ وَحْدَه، وقَلَبُوا الوضعَ؛ فجَعَلُوا النَّظرَ إلى الخَلْفِ غايةً لا وسيلة.

بينَ ما فات، وما هو آت

خيرٌ لكَ إنْ كنتَ في ظُلْمةٍ أنْ تَأْمُلَ طُلوعَ الشَّمسِ غدًا، مِن أنْ تَذْكُرَ طُلوعَها أمسِ؛ فلِكلٍّ منَ الظَّاهرتينِ أثرٌ نَفْسِيٌّ مُعاكِسٌ للآخَر: ففي تَرَقُّبِك طُلوعَ الشَّمسِ غدًا الأملُ والطُّموحُ إلىٰ ما هو آتٍ؛ وفي هذا معنَى الحياة، وفي تذكُّرِك طُلوعَها أمسِ حَسْرةٌ علىٰ ما فات، وألمٌ مِن خيرٍ كنتَ فيه إلىٰ شرٍّ صِرْتَ فيه؛ وفي ذلك معنَى الفَناء.

وفَرْقٌ كبيرٌ بينَ مَنْ يُلْطَمُ اللَّطمةَ فلا تكونُ له وسيلةٌ إلَّا البُكاء، وتَذكُّرَ اللَّطمةِ ثمَّ البُكاء، ثمَّ تَذكُّرَ اللَّطمةِ ثمَّ البُكاء، وبينَ مَنْ يُلْطَمُ اللَّطمةَ فيَسْتَجْمِعُ قُواه للمُكافَحة. والحياةُ كلُّها لَطَمات، وأعجَزُ النَّاسِ مَنْ خارَتْ قُواه أمامَ أوَّلِ لَطْمةٍ فهَرَب! ولو أنصفَ النَّاسُ لقَوَّمُوا النَّاسَ بمِقْدارِ كِفاحِهم، لا بمِقدارِ [إخفاقِهم] ونجاحِهم.

نظرتان.. ومِنْظاران

شرُّ ما أُلاحِظُ في الشَّرقِ حَنِينُه الشَّديدُ إلى الماضي، لا أمَلُه القويُّ في المستقبل، واعتقادُه أنَّ خيرَ أيَّامِه ما سَلَفَتْ، لا ما أقبلَتْ، وإعجابُه الشَّديدُ بأعمالِ الماضين، وإهمالُ المعاصِرين.

له مِنْظاران: مِنظارٌ مُكَبِّرٌ يَلْبَسُه إذا نَظرَ إلى الماضي، ومِنظارٌ مُصَغِّرٌ أسْوَدُ يَضَعُه إذا نَظرَ إلى الحاضرِ والمستقبل. يَلَذُّه أنْ يُطِيلَ البُكاءَ على الميِّت، ولا يَلَذُّه أنْ يَتدبَّرَ فيما يجبُ أنْ يَفْعلَه الأحياء. يَسْتَسْهِلُ النَّفقاتِ مهما عَظُمَتْ على الميِّت، ويَسْتَكْثِرُ نَفَقاتِ الطَّبيبِ وأثمانَ الدَّواءِ للمريض.

مِن أمثالِهم تَعرِفُونَهم

يُعجِبُهم أنْ يَتَمثَّلُوا الأمثالَ تَدُلُّ علىٰ عِظَمِ الماضي، ولا يُعجِبُهم أنْ يَتَمثَّلُوا الأمثالَ تَبْعَثُ الأملَ في المستقبل؛ ففي أعماقِ نُفُوسِهم أنَّ قولَ القائل: «ما تَرَكَ الأوَّلُ للآخِر»، خيرٌ منَ القولِ: «كمْ تَرَكَ الأوَّلُ للآخِر»! ويَلُوكُونَ دائمًا: «لا جديدَ تحتَ الشَّمس»، ولا يُعجِبُهم أنْ تقول: إنَّ كلَّ ما تحتَ الشَّمسِ في جِدَّةٍ مستمرَّة، والمستقبلَ مملوءٌ بالجديد.

وإذا رَأَوْا كلمةً في كتابٍ قديمٍ تَدُلُّ ـ ولوْ دَلالةً كاذبةً ـ علىٰ نظريةٍ جديدة، طارُوا بها فرَحًا؛ لأنَّ ذلك يُلائِمُ ما في نُفُوسِهم مِن تعظيمِ الماضي، وتحقيرِ الحاضرِ والمستقبل.

هم يَعيشونَ في أحلام، ولا يريدونَ أنْ يَعيشُوا في حياةٍ واقعة، وحَوْلَ هذه المَعِيشةِ الحالمةِ يَنْسِجُونَ دائمًا ما يُوافِقُها ويُمازِجُها ويُسايِرُها. يَكْتَفُونَ بالأملِ أنْ يَنْعَمُوا بالآخرة، وماذا عليهم لو عَمِلُوا لِيَنْعَمُوا بالدُّنيا والآخرة؟!

ترجمة أحمد أمين:
أحمد أمين
أحمد أمين ابن الشيخ إبراهيم الطباخ (ت 1373ھ/ 1954م): عالم بالأدب، غزير الاطلاع على التاريخ، من كبار الكتاب، مولده ووفاته بالقاهرة. عين مدرسًا بكلية الآداب بالجامعة المصرية، وانتخب عميدًا لها. وهو من أكثر كتاب مصر تصنيفًا وإفاضة، وبلغت مقالاته في المجلات والصحف عشرة مجلدات، جمعها في كتابه (فيض الخاطر)، ومن تآليفه: فجر الإسلام، ضحى الإسلام، ظهر الإسلام، النقد الأدبي، حياتي، إلى ولدي.
التوثيق

أحاديثُ المسجديِّين (1)

أبو عثمان الجاحظ

قالَ أصحابُنا منَ المَسْجِدِيِّين: اجتمعَ ناسٌ في المَسْجِد، ممَّنْ يَنْتَحِلُ الاقتصادَ في النَّفَقة، والتَّثْمِيرَ للمال، مِن أصحابِ الجَمْعِ والمَنْع. وقدْ كانَ هذا المَذْهَبُ عندَهم كالنَّسَبِ الَّذي يَجْمعُ على التَّحابِّ، وكالحِلْفِ الَّذي يَجْمعُ على التَّناصُر، وكانُوا إذا الْتَقَوْا في حِلَقِهم تذاكَرُوا هذا البابَ، وتطارَحُوه وتدارَسُوه؛ التِماسًا للفائدة، واستمتاعًا بذِكْرِه.

 حديثُ الشَّيخِ والحمار

فقالَ شيخٌ منهم: ماءُ بِئْرِنا ـ كما قدْ عَلِمْتُم ـ [مِلْحٌ] أُجاج، لا يَقْرَبُه الحمار، ولا تُسِيغُه الإبِل، وتموتُ عليه النَّخْل، والنَّهرُ منَّا بعيد، وفي تَكلُّفِ العَذْبِ علينا مَؤُونة. فكُنَّا نَمْزُجُ منه للحمار؛ فاعْتَلَّ منه، وانْتَقَضَ علينا مِن أجْلِه، فصِرْنا بعدَ ذلك نَسقِيه العَذْبَ صِرْفًا. وكنتُ أنا والنَّعْجةُ كثيرًا ما نغتسلُ بالعَذْب؛ مَخافةَ أنْ يعتريَ جُلودَنا منه مِثْلُ ما اعترىٰ جَوْفَ الحمار، فكانَ ذلك الماءُ العَذْبُ الصَّافي يذهبُ باطلًا.

الحاجةُ أُمُّ الاختراع

ثمَّ انفتحَ لي فيه بابٌ منَ الإصلاح؛ فعَمَدْتُ إلىٰ ذلك المُتَوَضَّأ، فجَعلْتُ في ناحيةٍ منه حُفْرةً، وصَهْرَجْتُها ومَلَّسْتُها، حتَّىٰ صارَتْ كأنَّها صخرةٌ مَنْقُورة، وصَوَّبْتُ إليها المَسِيلَ، فنحنُ الآنَ إذا اغتسَلْنا صارَ الماءُ إليها صافيًا، لم يخالِطْه شيءٌ… والحمارُ أيضًا لا تَقَزُّزَ له مِن ماءِ الجَنابة، وليسَ علينا حَرَجٌ في سَقْيِه منه، وما عَلِمْنا أنَّ كتابًا حَرَّمَه، ولا سُنَّةً نَهَتْ عنه. فرَبِحْنا هذه منذُ أيَّام، وأسقَطْنا مُؤْنةً عنِ النَّفْسِ والمال.

قالَ القومُ: هذا بتوفيقِ اللهِ ومَنِّه!

 حديثُ مريمَ الصَّنَاع

فأقبلَ عليهم شيخٌ، فقال: هلْ شَعَرْتُم بموتِ مريمَ الصَّنَاع؟ فإنَّها كانتْ مِن ذواتِ الاقتصاد، وصاحبةَ إصلاح. قالُوا: فحَدِّثْنا عنها. قال: نوادرُها كثيرة، وحديثُها طويل، ولكنِّي أُخبِرُكم عنْ واحدةٍ فيها كِفاية. قالُوا: وما هي؟

قال: زَوَّجَتِ ابنتَها، وهي بنتُ اثْنَتَيْ عَشْرةَ سنةً، فحَلَّتْها الذَّهبَ والفِضَّة، وكَسَتْها المَرْوِيَّ والوَشْيَ، والقَزَّ والخَزَّ، وعلَّقَتِ المُعَصْفَرَ، ودَقَّتِ الطِّيبَ، وعَظَّمَتْ أمْرَها في عينِ الخَتَن، ورَفعَتْ مِن قَدْرِها عندَ الأحْماء. فقالَ لها زوجُها: أنَّىٰ لكِ هذا يا مريمُ؟! قالتْ: هو مِن عندِ الله!

قال: دَعِي عنكِ الجُمْلةَ، وهاتي التَّفسيرَ.. واللهِ ما كنتِ [ذاتَ] مالٍ قديمًا، ولا وَرِثْتِه حديثًا، وما أنتِ بخائنةٍ في نَفْسِك، ولا في مالِ بَعْلِك، إلَّا أنْ تكوني قدْ وَقعْتِ علىٰ كَنْز! وكيفَ دارَ الأمرُ، فقدْ أسقَطْتِ عنِّي مُؤْنةً، وكَفَيْتِني هذه النَّائبة.

القليلُ مع القليلِ كثيرٌ!

قالتْ : اعلَمْ أنِّي منذُ يومِ وَلَدْتُها إلىٰ أنْ زوَّجْتُها، كنتُ أرفعُ مِن دقيقِ كلِّ عَجْنةٍ حَفْنةً، وكُنَّا ـ كما قدْ عَلِمْتَ ـ نَخْبِزُ في كلِّ يومٍ مرَّةً، فإذا اجتمعَ مِن ذلك مَكُّوكٌ بِعْتُه.

فقالَ لها زوجُها: ثبَّتَ اللهُ رأيَكِ وأرشدَك! ولقدْ أسعدَ اللهُ مَنْ كنتِ له سَكَنًا، وباركَ لمَنْ جُعِلْتِ له إلْفًا. ولهذا وشِبْهِه قالَ رسولُ اللهِ : «مِنَ الذَّوْدِ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ»!! وإنِّي لَأَرجو أنْ يَخرُجَ وَلَدُكِ علىٰ عِرْقِكِ الصَّالح، وعلىٰ مَذهبِكِ المحمود، وما فَرَحي بهذا منكِ بأشَدَّ مِن فَرَحي بما يُثَبِّتُ اللهُ بكِ في عَقِبي مِن هذه الطَّريقةِ المَرْضِيَّة!

فنهضَ القومُ بأجْمَعِهم إلىٰ جِنازتِها، وصَلَّوْا عليها، ثمَّ انْكَفَؤُوا إلىٰ زوجِها، فعَزَّوْه علىٰ مُصِيبتِه، وشارَكُوه في حزنِه.

التوثيق
زيادة بيان:

الجزء الثاني

التجارة الرابحة

الموفَّق بن قُدامة

اعْلَمْ ـ رَحِمَكَ اللهُ ـ أنَّ هذه الدُّنيا مَزْرَعةُ الآخِرة، ومَتْجَرُ أرباحِها، وموضِعُ تحصيلِ الزَّادِ منها والبضائعِ الرَّابحة؛ بها بَرَزَ السَّابقون، وفازَ المتَّقون، وأفلحَ الصَّادقون، ورَبِحَ العامِلون، وخَسِرَ المُبْطِلون.

أنَّ هذه الدَّارَ أُمْنِيَّةُ أهلِ الجنَّةِ وأهلِ النَّار، وأنَّ أهلَ القُبورِ أُمْنِيَّةُ أحَدِهم أنْ يُسبِّحَ تسبيحةً تَزيدُ في حسناتِه، أو يَقْدِرَ علىٰ توبةٍ مِن بعضِ سيِّئاتِه، أو رَكْعةٍ تَرْفَعُ في درجاتِه. فاغْتَنِمْ ـ رَحِمَكَ اللهُ ـ حياتَكَ النَّفِيسة، واحْتَفِظْ بأوقاتِكَ العَزِيزة.

اعْلَمْ أنَّ مُدَّةَ حياتِكَ مَحْدودة، وأنفاسَكَ مَعْدودة؛ فكلُّ نَفَسٍ يَنْقُصُ به جزءٌ منك، والعُمْرُ كلُّه قصير، والباقي منه هو اليَسِير، وكلُّ جزءٍ منه جوهرةٌ نَفِيسةٌ لا عِدَّ لها، ولا خَلَفَ لها؛ فإنَّ بهذه الحياةِ اليسيرةِ خُلودَ الأبدِ في النَّعيم، أوِ العذابِ الأليم. فلا تُضَيِّعْ جواهرَ عُمْرِكَ النَّفِيسةَ بغيرِ عَمَل، ولا تُذْهِبْها بغيرِ عِوَض.

اجْتَهِدْ ألَّا يَخلُوَ نَفَسٌ مِن أنفاسِكَ إلَّا في عملِ طاعة، أو قُرْبةٍ تتقرَّبُ بها؛ فإنَّكَ لو كانَ معكَ جوهرةٌ مِن جواهرِ الدُّنيا فضاعَتْ منك، لَحزِنْتَ عليها حزنًا شديدًا، بل لو ضاعَ منكَ دينارٌ لَساءَك، فكيفَ تُفَرِّطُ في ساعاتِك وأوقاتِك؟! وكيفَ لا تَحْزَنُ علىٰ عُمْرِك الذَّاهبِ بغيرِ عِوَض؟!

اعْلَمْ أنَّ اللهَ تعالىٰ ناظرٌ إليك، مُطَّلِعٌ عليك، فقُلْ لنَفْسِك: لو كانَ رَجلٌ مِن صالِحِي قومي يَراني لاستحَيْتُ منه، فكيفَ لا أستحي مِن ربِّي ، ثمَّ لا آمَنُ تعجيلَ عقوبتِه وكَشْفَ سِتْرِه؟!

اعْلَمْ أنَّك لا تَقْدِرُ علىٰ معصيتِه إلَّا بنعمتِه؛ فكم لهُ عليكَ مِن نعمةٍ في يدِكَ الَّتي مَدَدْتَها إلىٰ معصيتِه، وكم مِن نعمةٍ في عينِكَ الَّتي نظرْتَ بها إلىٰ ما حَرَّمَ عليك، وفي لسانِكَ الَّذي نطقْتَ به بما لا يَحِلُّ لك، وليسَ مِن شُكْرِ إنعامِه أنْ تَستعينَ به علىٰ مَعاصِيه! ولو لم يَكُنْ مِن نِعَمِه عليكَ في معصيتِكَ إلَّا سَتْرُها عليكَ لَكفىٰ؛ فلَوِ اطَّلعَ النَّاسُ عليكَ لانْهَتَكْتَ.

اعْلَمْ أنَّ مَنْ هو في البحرِ علىٰ لَوْح، ليسَ هو بأحْوَجَ إلى اللهِ تعالىٰ وإلىٰ لُطْفِه ممَّنْ هو في بيتِه، وبينَ أهلِه ومالِه؛ فإنَّ الأسبابَ الَّتي ظهرَتْ له بيَدِ اللهِ تعالىٰ، كما أنَّ أسبابَ نجاةِ هذا الغريقِ بيَدِه. فإذا حقَّقْتَ هذا في قلبِك، فاعتمِدْ على اللهِ تعالىٰ اعتمادَ الغريقِ الَّذي لا يَعْلمُ له سببَ نجاةٍ غيرَ اللهِ تعالىٰ.

اعْلَمْ أنَّ اللهَ تعالىٰ إذا نظرَ إليك، وعَلِمَ أنَّك قدْ جَعَلْتَه مُعتمَدَكَ ومَلْجأَك، وأفرَدْتَه بحَوائجِكَ دونَ خَلْقِه، أعطاكَ أفضلَ ما سألْتَه، وأكرمَكَ بأكثرَ ممَّا أردْتَه؛ فإنْ عجَّلَ لكَ الإجابةَ فقدْ جَمَعَ لكَ بينَ قضاءِ الحاجةِ وخيرِ الدُّنيا والآخرة، وإنْ لم يُجِبْكَ عاجلًا فقدْ عوَّضَكَ عنْ ذلك خيرًا منه؛ فأنتَ علىٰ خيرٍ في الحالَيْن.

ترجمة ابن قدامة:
عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي، موفق الدين (ت 620ھ): عالم أهل الشام في زمانه، كان إمامًا في التفسير والحديث، إمامًا في الفقه وأصوله، إمامًا في علم الخلاف، إمامًا في الفرائض، إمامًا في النحو والحساب والمواقيت، وكان من بحور العلم وأذكياء العالم، جامعًا بين حسن الخَلق والخُلق، لا يكاد يراه أحد إلا متبسمًا، ولا يناظر أحدًا إلا وهو يتبسم. من تصانيفه: (المغني) في الفقه المقارن، (العمدة) و(المقنع) و(الكافي) في الفقه الحنبلي، (روضة الناظر) في أصول الفقه، (مختصر منهاج القاصدين) في التزكية.
التوثيق

العهد الجديد

جبران خليل جبران

في الشَّرقِ اليومَ فِكْرتانِ مُتصارِعتان: فكرةٌ قديمة، وفكرةٌ جديدة. أمَّا الفكرةُ القديمةُ فستُغلَبُ علىٰ أمْرِها؛ لأنَّها مَنْهُوكةُ القُوىٰ، مَحْلُولةُ العَزْم.

وفي الشَّرقِ يَقَظةٌ تُراوِدُ النَّومَ، واليَقَظةُ قاهرةٌ؛ لأنَّ الشَّمسَ قائدُها، والفَجْرَ جيشُها.

وفي حقولِ الشَّرقِ ـ ولقدْ كانَ الشَّرقُ بالأمسِ جَبَّانةً واسعةَ الأرجاءِ ـ يَقِفُ اليومَ فتى الرَّبيعِ مُناديًا سُكَّانَ الأجْداث؛ لِيَهُبُّوا ويَسيرُوا معَ الأيَّام. وإذا ما أنْشَدَ الرَّبيعُ أُغنِيَّتَه بُعِثَ مَصْرُوعُ الشِّتاء، وخَلَعَ أكفانَه ومشىٰ!

وفي فضاءِ الشَّرقِ اهتزازاتٌ حيَّة؛ تنمو وتتمدَّدُ وتتوسَّع، وتتناولُ النُّفوسَ المتنبِّهةَ الحسَّاسةَ فتَضُمُّها إليها، وتحيطُ بالقلوبِ الأبيَّةِ الشَّاعرةِ لتكتسِبَها.

سيِّدان.. ومَوْكِبان

وللشَّرقِ اليومَ سيِّدان: سيِّدٌ يأمرُ ويَنهىٰ ويُطاع، ولكنَّه شيخٌ يُحْتَضَر، وسيِّدٌ ساكتٌ بسكوتِ النَّوامِيسِ والأنظمة، هادئٌ بهدوءِ الحقِّ، ولكنَّه جبَّارٌ مفتولُ السَّاعِدَيْن، يَعرِفُ عَزْمَه، ويَثِقُ بكِيانِه، ويؤمِنُ بصَلاحِيَتِه.

[… و] في الشّرقِ مَوْكِبان: مَوْكِبٌ مِن عجائزَ مُحْدَوْدِبِي الظُّهور، يَسِيرونَ مُتوكِّئينَ على العِصِيِّ العَوْجاء، ويَلْهَثُونَ مَنْهُوكِين، معَ أنَّهم ينحَدِرُونَ منَ الأعالي إلى المُنْخَفضات! ومَوْكِبٌ مِن فِتْيانٍ يتراكَضُونَ كأنَّ في أرجُلِهم أجْنِحةً، ويُهَلِّلُونَ كأنَّ في حَناجِرِهم أوتارًا، ويَنْتَهِبُونَ العَقَباتِ كأنَّ في جَبَهاتِ الجبالِ قوَّةً تَجْذِبُهم، وسِحْرًا يَخْتَلِبُ ألْبابَهم.

أبناءُ الأمس

أقولُ لك: إنَّ أبناءَ الأمسِ يَمشُونَ في جِنازةِ العهدِ الَّذي أوجَدَهم وأوجَدُوه.

أقولُ: إنهم يَشُدُّونَ بحَبْلٍ أَوْهَتِ الأيَّامُ خُيُوطَه، فإذا ما انقطعَ ـ وعمَّا قريبٍ ينقطعُ ـ هبطَ مَنْ تعلَّقَ به إلىٰ حُفْرةِ النِّسيان.

أقولُ: إنَّهم يَسْكُنُونَ منازلَ مُتَداعِيةَ الأركان، فإذا ما هَبَّتِ العاصفةُ ـ وهي علىٰ وَشْكِ الهُبُوبِ ـ انهدَمَتْ تلكَ المنازلُ علىٰ رؤوسِهم، وكانتْ لهم قُبُورًا!

أبناءُ الغد

أمَّا أبناءُ الغدِ فهمُ الَّذينَ نادَتْهمُ الحياة، فاتَّبَعُوها بأقدامٍ ثابتةٍ ورؤوسٍ مرفوعة، هم فَجْرُ عهدٍ جديد؛ فلا الدُّخانُ يَحْجُبُ أنوارَهم، ولا قَلْقَلةُ السَّلاسلِ تَغْمُرُ أصواتَهم، ولا نَتْنُ المستنقَعاتِ يتغلَّبُ علىٰ طِيبِهم.

هم طائفةٌ قليلةُ العَدَدِ بينَ طوائفَ كَثُرَ عَدَدُها، ولكنَّ في الغُصْنِ المُزْهِرِ ما ليسَ في غابةٍ يابسة، وفي حَبَّةِ القمحِ ما ليسَ في رابيةٍ منَ التِّبْن!

ترجمة جبران:
 جبران خليل جبران
جبران بن خليل بن مخائيل الماروني اللبناني (ت 1349ھ/ 1931م): نابغة الكتّاب المعاصرين في المهجر الأمريكي، وأوسعهم خيالًا. أصله من دمشق، وتعلّمه ببيروت، ووفاته في نيويورك. امتاز بسعة في خياله، وعمق في تفكيره، وهو شاعر في نثره لا في نظمه، وكان يجيد الإنجليزية ككتّابها، وله فيها كتب ترجمت إلى العربية ونشرت بها. من كتبه: دمعة وابتسامة، الأرواح المتمردة، الأجنحة المتكسرة، العواصف.
التوثيق

قصة المعارف والغراب

علي الطنطاوي

زَعَمُوا أنَّه كانَ بمدينةِ كَذا جماعةٌ منَ المَعارِف، وكانَ عليهنَّ وزيرٌ منهنَّ، وكُنَّ قدْ شَدَدْنَ وَكْرَهنَّ إلىٰ شَرِيعةٍ ولغةٍ قائمتَيْنِ علىٰ ضِفَّةِ نهرٍ جارٍ، فعِشْنَ فيه دهرًا علىٰ خيرِ ما عِيشة، حتَّىٰ نزلَ بهنَّ ذاتَ يومٍ غرابٌ جائعٌ اسْمُه (رَوْجَة)، فَشَفِقْنَ عليه ورَأفْنَ به؛ فأطْعَمْنَه وسَقَيْنَه.

جزاءُ الإحسان

فلمَّا شَبِعَ ورَوِيَ رأىٰ ما عندهنَّ منَ الحَبِّ؛ فطَمِعَ بهنَّ، فقامَ فيهنَّ خطيبًا؛ فقال: إنَّكنَّ قدْ أحْسَنْتُنَّ إليَّ، وإنِّي مُكافِئُكنَّ علىٰ إحسانِكنَّ؛ اعْلَمْنَ أنِّي آتٍ مِن بلدٍ أرقىٰ مِن بلدِكنَّ، وعِندي منَ العِلْمِ ما ليسَ عِندَكنَّ، فاتَّبِعْنَني واتَّخِذْنَني مُسْتشارًا لوزيرتِكنَّ، أنْهَضْ بكُنَّ؛ فتَصِرْنَ أُمَّةً منَ الإوَزِّ!

فقُلْنَ له: أنْظِرْنا حتَّىٰ نرىٰ رأْيَنا. وانْتَحَيْنَ ناحيةً يتشاوَرْنَ، فقالَتْ حكيمتُهنَّ: إنَّ هذا الغرابَ يُفسِدُ عليكنَّ أمرَكنَّ، وعاملٌ علىٰ إهلاكِكنَّ بقطعِكنَّ عنْ أصلِكنَّ، فقُمْنَ إليه فافْقَأْنَ عَيْنَيْه، واعْلَمْنَ أنَّه مَنْ صادقَ ما ليسَ مِن طَبْعِه، أصابَه ما أصابَ البيتَ منَ النَّار. قُلْنَ: وكيفَ كانَ ذلك؟

مَثَلُ البيتِ والنَّار

قالَتْ: إنَّهُ كانَ في رَوْضةٍ غَنَّاءَ بيتٌ جميلٌ أمامَ نهرٍ جارٍ، وإنَّه لَبِثَ ما شاءَ اللهُ أنْ يَلْبَثَ، ثمَّ بَدا له فقالَ: ما أشقَّ الحياةَ بلا رفيقٍ ولا أنيس! وما أشقىٰ مَنْ يُقِيمُ وَحْدَه؛ لا يَجِدُ مَنْ يُشاطِرُه سَرَّاءَه وضَرَّاءَه! وإنِّي مُنطَلِقٌ فمُبْتَغٍ لي صديقًا. ولكنَّه لم يَجِدْ إلَّا النَّارَ، فخالَلَها، وباتَا متعانقَيْنِ، فلم يُصبِحا حتَّىٰ أصبحَ رمادًا!

وإنِّي خائفةٌ عليكنَّ صُحْبةَ هذا الغراب؛ فأطِعْنَني اليومَ، واعْصِينَني آخِرَ الدَّهر.

عاقبةُ المَعارِف

فأبَيْنَ ذلكَ عليها، وأعرَضْنَ عنها، وذهبْنَ إلىٰ (رَوْجَةَ) فاتَّخَذْنَه مُسْتشارًا. فقالَ لهنَّ: «المُسْتشارُ مُؤْتَمَنٌ»، وأنا واضعٌ لكُنَّ بَرْنامَجًا، إذا أنتُنَّ عَمِلْتُنَّ به صَيَّرَكنَّ أُمَّةً راقيةً منَ الإوَزِّ! فقُمْنَ إلىٰ هذه الأسبابِ الَّتي تَرْبِطُكنَّ بهذه اللُّغةِ وهذه الشَّريعةِ فاصْرِمْنَها، واتْرُكْنَ وَكْرَكنَّ يَسْبَحْ بالماء؛ فإنَّه لا ينتهي النَّهرُ إلىٰ مَصَبِّه حتَّىٰ ينتهيَ أمرُكنَّ إلىٰ ما أرَدْتُنَّ.

فأطَعْنَه، وفعلْنَ ما أرادَ لهنَّ، فما شَعَرْنَ إلَّا وهنَّ يتخبَّطْنَ في الماء، والغرابُ ناجٍ بما اخْتَزَنَّ منَ الحَبِّ!!

ترجمة الطنطاوي:
علي الطنطاوي
علي بن مصطفى بن أحمد الطنطاوي (ت 1420ھ/ 1999م): فقيه الأدباء، وأديب الفقهاء، نابغة في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي سهل ممتنع في مقالاته وكتبه؛ فكان من كبار أمراء البيان في هذا العصر. نسبته إلى طنطا بمصر، ومولده ونشأته في دمشق، ووفاته في مكة المكرمة. من مؤلفاته: ذكريات علي الطنطاوي، رجال من التاريخ، قصص من التاريخ، صور وخواطر، فكر ومباحث، هتاف المجد.
التوثيق
زيادة بيان:
الصفحة 1 من 2