مولدُ الهدىٰ

العباس بن عبد المطلب

قالَ يمدحُ ابنَ أخيه محمَّدَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطَّلِبِ ، مُنْصَرَفَه مِن غزوةِ تَبُوكَ في السَّنةِ التَّاسعةِ للهجرة، وهي مِن أبلغِ ما قيلَ في المديحِ النَّبويِّ وأصدقِه:

مِنْ قَبْلِها طِبْتَ في الظِّلالِ وفي
مُسْتَوْدَعٍ حيثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ1
ثُمَّ هَبَطْتَ البِلادَ لا بَشَرٌ
أنتَ ولا مُضْغةٌ ولا عَلَقُ2
بَلْ نُطْفةٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وقدْ
أَلْجَمَ نَسْرًا وأهْلَهُ الغَرَقُ3
[وَرَدْتَ نارَ الخَلِيلِ مُكْتَتَمًا
في صُلْبِهِ أنتَ، كيفَ يَحتَرِقُ؟!]4
تُنْقَلُ مِنْ صَالِبٍ إلى رَحِمٍ
إذا مَضىٰ عالَمٌ بَدا طَبَقُ5
حتَّى احْتَوَىٰ بَيتُكَ المُهَيْمِنُ مِنْ
خِنْدِفَ عَلْياءَ تَحْتَها النُّطُقُ6
وأنتَ لمَّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الْـ
ـأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ7
فنحنُ في ذلكَ الضِّياءِ وفي النْـ
ـنُورِ، وسُبْلَ الرَّشادِ نَخْتَرِقُ

شرح الغريب (1-7)

  1. قَبْلِها: الضميرُ يعودُ على غير مذكور (الدنيا). الظلال: المقصودُ بها ظلالُ الجنَّة. المُستودَع: أرادَ به الموضعَ الذي كان به آدمُ وحوّاءُ من الجنَّة. يُخْصَفُ: يُلْزَقُ، ويُضَمُّ بعضُه إلى بعضٍ. أشارَ إلى قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ[الأعراف: 22]، وأرادَ أنّه كان طيِّبًا في صُلبِ آدم وهو في الجنّة.
  2. البلاد (هنا): الأرض. المُضْغة: قطعةُ لحمٍ بقَدْرِ ما يُمضَغُ. العَلَق: ج العَلَقة؛ وهي قطعةُ الدمِ التي يتكوّنُ منها الجنين.
  3. السَّفين: ج السَّفينة، أو لغةٌ في الواحدة. نَسْرٌ: أحدُ أصنامِ قومِ نوحٍ . ألجمَه الغرقُ: أيْ بلغَ الماءُ فاهُ حتّى صار له كاللِّجام.
  4. الخليل: هو إبراهيم . مُكتَتَمًا: مَخْفيًّا.
  5. الصَّالِب: الصُّلْب. الطَّبَق: القَرْن، الجيلُ من الناس.
  6. المهيمن: الشاهدُ بفَضْلك. خِنْدِفُ: امرأةُ إلياسَ بنِ مُضَرَ؛ أحدِ أجدادِ العرب، يُنسَبُ أولادُه إليها. النُّطُق: أَعْراضٌ مِنْ جبالٍ بعضُها فوقَ بعضٍ (ج النِّطَاق)، شُبِّهت بالنُّطُق الَّتِي تُشَدُّ بها أوساطُ النَّاس. ضَرَبَه مثلًا له في ارتفاعِه وتَوسُّطِه فِي عشيرتِه، وجعلَهم تحته بمنزلةِ أوساطِ الجبال، وأرادَ ببيتِه: شَرَفَه، والمهيمنُ: نَعْتُه. وحاصلُ المعنى: حتّى احْتوى شرفُكَ الشاهدُ على فضلكَ أعلى مكانٍ مِن نَسَبِ خِنْدِفَ.
  7. الأُفُق (هنا): جمعٌ بمعنى الآفاق؛ ولذلك أنَّثَ الفعل، أو أنه أنَّثَ الأُفُقَ ذهابًا إلى معناه؛ وهو الناحية.
التوثيق

شكوىٰ

حافظ إبراهيم

لا تَلُمْ كَفِّي إذا السَّيفُ نَبَا
صَحَّ منِّي العَزْمُ والدَّهرُ أبَىٰ1
رُبَّ ساعٍ مُبْصِرٍ في سَعْيِهِ
أخْطَأَ التَّوفيقَ فيما طَلَبَا
مَرْحبًا بالخَطْبِ يَبْلُوني إذا
كانتِ العَلْياءُ فيهِ السَّبَبَا2
عَقَّني الدَّهرُ، ولَوْلا أنَّني
أُوثِرُ الحُسْنىٰ عَقَقْتُ الأدَبَا3
إيهِ يا دُنيا اعْبِسِي أو فابْسِمِي
ما أرىٰ بَرْقَكِ إلَّا خُلَّبَا4
أنا لَوْلا أنَّ لي مِنْ أُمَّتي
خاذِلاً ما بِتُّ أشْكُو النُّوَبَا5
أُمَّةٌ قدْ فَتَّ في ساعِدِها
بُغْضُها الأهْلَ وحُبُّ الغُرَبَا!6
تَعْشَقُ الألقابَ في غيرِ العُلا
وتُفَدِّي بالنُّفُوسِ الرُّتَبَا
وهْيَ والأحداثُ تَسْتَهْدِفُها
تَعْشَقُ اللَّهْوَ وتَهْوَى الطَّرَبَا!
لا تُبالي لَعِبَ القَوْمُ بها
أمْ بها صَرْفُ اللَّيالي لَعِبَا!7

شرح الغريب (1-7)

  1. نَبَا السيفُ: إذا لم يَقطعْ.
  2. الخَطْب: الأمرُ الشديدُ يَنزِلُ. يَبْلُوني: يَخْتبرُني.
  3. عقَّه: تركَ الإحسانَ إليه، ولم يَبَرَّ به. يقول: إنَّ الدهرَ لم يُنصِفْني، والجاني عليَّ هو أدبي، ولولا أني أوثرُ الإحسانَ لهجرتُ الأدبَ الذي كان سببًا في شقائي.
  4. البرقُ الخُلَّبُ: الذي يُومِض حتى يُرجى مطرُه، ثم يُخلِفُ. ويُضرَبُ به المثلُ لمن يَعِدُ ولا يُنجِز.
  5. النُّوَب: ج النائبة؛ وهي المصيبةُ النازلة.
  6. فتَّ في ساعدِها: كنايةٌ عن الإضعافِ وإيهانِ القُوى.
  7. القوم: أراد بهم الإنجليز. صَرْفُ الليالي: نوازلها ومصائبها. أيْ أنها لا تَعْبأُ بحوادثِ الزمان؛ تصيبُها من المحتلّينَ أو من الدهر!
التوثيق

غنى النفس

عروة بن أُذَينة

عنْيحيى بنِ عُرْوةَ بنِ أُذَيْنةَ؛ قال: أتىٰ أبي وجماعةٌ منَ الشُّعراءِ هشامَ بنَ عبدِ المَلِك، فنَسَبَهم، فلمَّا عَرَفَ أبي قالَ له: أنتَ القائلُ:

لقدْ عَلِمْتُ وما [الإشرافُ] مِنْ خُلُقِي
أنَّ الَّذي هوَ رِزْقي سوفَ يَأْتِيني1
أسْعَىٰ لهُ فيُعَنِّيني تَطَلُّبُهُ
ولَوْ [قَعَدْتُ] أتاني لا يُعَنِّيني2
وأنَّ حَظَّ امْرِئٍ غَيْري سيَبْلُغُهُ
لا بُدَّ لا بُدَّ أنْ يَحْتازَهُ دُوني3
لا خَيْرَ في طَمَعٍ يُدْني [إلىٰ طَبَعٍ]
وغُفَّةٌ مِنْ قِوامِ العيشِ تَكْفِيني4
لا أرْكَبُ الأمْرَ تُزْرِي بي عَواقِبُهُ
ولا يُعابُ بهِ عِرْضِي ولا دِيني5
كَمْ مِنْ فقيرٍ غنيِّ النَّفْسِ تَعْرِفُهُ
ومِنْ غنيٍّ فقيرِ النَّفْسِ مِسْكينِ!
ومِنْ عَدُوٍّ رَماني، لَوْ قَصَدْتُ لهُ
لمْ يأخُذِ النِّصْفَ مِنِّي حينَ يَرْمِيني6
ومِنْ أخٍ لي طَوىٰ كَشْحًا، فقلْتُ لهُ:
إنَّ انْطِواءَكَ عنِّي سوفَ يَطْوِيني7
إنِّي لَأَنْطِقُ فيما كانَ مِنْ أَرَبِي
وأُكْثِرُ الصَّمْتَ فيما ليسَ يَعْنِيني8
لا أبْتَغي وَصْلَ مَنْ يَبْغي مُفارَقَتي
ولا ألِينُ لِمَنْ لا يَشْتَهي لِيني

فقالَ له ابنُ أُذَيْنة: نَعَمْ، أنا قائلُها. قال: أفَلا قَعَدْتَ في بيتِكَ حتَّىٰ يأتيَكَ رِزْقُك!

وغَفَلَ عنه هشام، فخرجَ مِن وقتِه، وركبَ راحلتَه ومضىٰ مُنصرِفًا، ثم افتقدَه هشامٌ فعرفَ خبرَه، فأَتْبَعَه بجائزةٍ وقالَ للرَّسول: قُلْ له: أردْتَ أنْ تُكذِّبَنا وتُصدِّقَ نَفْسَك؟!

فمضىٰ الرَّسولُ، فلَحِقَه وقدْ نزلَ علىٰ ماءٍ يتغدَّىٰ عليه، فأبْلَغَه رسالتَه ودفعَ الجائزة، فقال [عُرْوة]: قُلْ له: صدَّقَني ربِّي وكذَّبَك!

شرح الغريب (1-8)

  1. الإشراف: الحِرْصُ والتَّهالك، وإشرافُ النَّفْسِ إلى الشيء: تطلُّعها إليه، وتعرُّضها له، وطمعُها فيه.
  2. عَنَّاه الأمرُ: أتعبَه وشَقَّ عليه.
  3. احتازَ الشيءَ: ضمَّه إليه.
  4. الطَّبَع: الدَّنَس. الغُفَّة: البُلْغةُ من العيش؛ وهي ما يكفي لسدِّ الحاجةِ فقط. القِوام: ما يقيمُ الإنسانَ من القُوت.
  5. تُزري بي: تُقصِّرُ بي وتهوِّنُني، أو: تُدخِلُ عليَّ عيبًا.
  6. النِّصْف: الإنصاف.
  7. طوى كَشْحًا: أعرضَ، والكَشْح: الخاصرة، أو: ما بين الخاصرةِ إلى الضِّلعِ الخَلْفِ.
  8. الأرَب: الحاجة.
ترجمة ابن أذينة:
عروة بن يحيى ـ وأذينة لقبه ـ بن مالك بن الحارث، أبو عامر الليثي (ت 130ھ): شاعر غَزِل مقدَّم، من شعراء أهل المدينة، وهو معدود في الفقهاء والمحدّثين؛ روى عنه مالك بن أنس في موطّئه، وعبيد اللّه بن عمر العدوي (أحد فقهاء المدينة السبعة).
التوثيق
زيادة بيان:

وصفُ القلم

أبو تمام

هاتهِ الأبياتُ مِن قصيدةٍ مَدَحَ بها محمَّدَ بنَ عبدِ الملكِ الزيَّات، وزيرَ المعتصمِ والواثقِ العبَّاسيَّينِ، وأحدَ بُلَغاءِ الكُتَّابِ والشُّعراءِ في زمانِه. قالَ صاحبُ (خزانةِ الأدب): «وهي أحسنُ وأفخمُ مِن جميعِ ما قيلَ في القلم».

لكَ القلمُ الأعْلَى الَّذي بشَباتِهِ
تُصابُ منَ الأمْرِ الكُلَىٰ والمَفاصِلُ1
لهُ الخَلَواتُ اللَّاءِ لَوْلا نَجِيُّها
لَمَا احْتَفَلَتْ للمُلْكِ تلكَ المَحافِلُ2
لُعابُ الأفاعي القاتلاتِ لُعابُهُ
وأَرْيُ الجَنَى اشْتارَتْهُ أيْدٍ عَواسِلُ3
لهُ رِيقةٌ طَلٌّ ولكنَّ وَقْعَها
بآثارِهِ في الشَّرقِ والغربِ وابِلُ4
فصيحٌ إذا اسْتَنطَقْتَهُ وهْوَ راكبٌ
وأعْجَمُ إنْ خاطبْتَهُ وهْوَ راجِلُ!5
إذا ما امْتَطَى الخَمْسَ اللِّطافَ وأُفرِغَتْ
عليهِ شِعابُ الفِكْرِ وهْيَ حَوافِلُ6
أطاعَتْهُ أطرافُ القَنا، وتَقَوَّضَتْ
لِنَجْواهُ تَقْوِيضَ الخِيامِ الجَحافِلُ7
إذا اسْتَغْزَرَ الذِّهنَ الذَّكيَّ وأقبلَتْ
أعالِيهِ في القِرْطاسِ وهْيَ أسافِلُ8
وقدْ رَفَدَتْهُ الخِنْصِرانِ وسَدَّدَتْ
ثلاثَ نَواحِيهِ الثَّلاثُ الأنامِلُ9
رأيْتَ جَلِيلًا شَأْنُهُ وهْوَ مُرْهَفٌ
ضَنًى، وسَمِينًا خَطْبُهُ وهْوَ ناحِلُ!10

شرح الغريب (1-10)

  1. شَباةُ كلِّ شيءٍ: حَدُّ طَرَفِه. أراد أن القلمَ تُنال به مقاصدُ الأمور؛ فجعلَ الكُلى والمَفاصِلَ مثلًا لحقائق الأشياء.
  2. له: أيْ للقلم. اللَّاءِ: جمعُ (الَّتي). النَّجِيُّ: المُسَارُّ؛ وأراد به المُشِيرَ. الاحتفال: حُسْنُ القيامِ بالأمور. المَحافل: ج المَحْفِل؛ وهو المَجْلِس، أو مكان الاجتماع. يعني: لولا مشاورةُ الملوكِ أهلَ الأقلام، لمَا انتظمَ أمرُ المُلك.
  3. الأَرْي: العسل. الجَنَى: كلُّ ما يُجتنى من ثمرٍ ونحوه؛ فيكون قوله: «أرْيُ الجَنَى» من باب إضافة الموصوف إلى الصفة. اشْتارَتْهُ: استخرجَتْهُ. عواسل: ج عاسلة؛ والعاسل: الذي يأخذ العسلَ من بيت النحل. الشطر الأول بالنسبة للأعداء، والشطر الثاني بالنسبة للأولياء.
  4. الطلّ: المطرُ الخفيف. الوابل: المطرُ الشديد. يعني أن ريقَ القلم قليلٌ يسيرٌ كالقَطْر، لكنّ آثارَه في كلِّ مكان كالمطر الشديد.
  5. الأعجم: الأخرس.
  6. امتطى: رَكِبَ. الشِّعاب: ج الشِّعْب؛ وهو الطريقُ في الجبل. حوافلُ: ممتلئةٌ.
  7. القنا: الرِّماح. تقوَّضَتْ: انتَقضَتْ. النَّجوى: إسرارُ الحديث. الجحافل: ج الجَحْفَل؛ وهو الجيشُ الكثير.
  8. استَغزَرَه: وجدَه غزيرًا. الذكيّ: المتوقِّد. القِرْطاس: الصحيفة يُكتب فيها.
  9. رَفَدَتْهُ: أعانَتْهُ. الخِنْصِران: الخِنْصِرُ والبِنْصِرُ (تثنيةٌ بالتغليب).
  10. مرهَفٌ: رقيقٌ. الضَّنى: المرض.
التوثيق

وداعُ حبيب

الشريف الطليق

قالَ صاحبُ (نَفْحِ الطِّيب، من غصنِ الأندلسِ الرَّطيب): ويُظَنُّ أنَّه لا يوجدُ لأحدٍ [مِن مُعاصِرِيه] أحلىٰ وأكثرُ أخْذًا بمَجامعِ القلوبِ مِن قولِه:

وَدَّعْتُ مَنْ أهْوَىٰ أَصِيلًا، لَيْتَني
ذُقْتُ الحِمامَ ولا أذُوقَ نَواهُ1
فوَجَدْتُ حتَّىٰ الشَّمسَ تَشْكُو وَجْدَهُ
والوُرْقَ تَنْدُبُ شَجْوَها بِهَواهُ2
وعَلى الأصائلِ رِقَّةٌ مِنْ بُعْدِهِ
فكَأنَّها تَلْقَى الَّذي ألْقاهُ!3
وغَدَا النَّسِيمُ مُبَلِّغًا ما بَيْنَنا
فلِذاكَ رَقَّ هوًى وطابَ شَذاهُ!4
ما الرَّوضُ قدْ مُزِجَتْ بهِ أنْداؤُهُ
سَحَرًا بأطْيَبَ مِنْ شَذا ذِكْراهُ5
والزَّهْرُ مَبْسِمُهُ، ونَكْهَتُهُ الصَّبَا،
والوردُ أخْضَلَه النَّدىٰ خَدَّاهُ6
فلِذاكَ أُولَعُ بالرِّياضِ لأنَّها
أبدًا تُذَكِّرُني بمَنْ أهْواهُ!

شرح الغريب (1-6)

  1. الأصيل: وقتُ اصفرارِ الشمس لمغربِها. الحِمام: الموت. النَّوى: البُعد.
  2. الوَجْد: الحُبّ. الوُرْق: ج الوَرْقاء؛ وهي الحمامة. الشَّجْو: الهمُّ والحزن. التقدير: (فوجدتُ الأشياءَ حتَّى الشمسَ)؛ فحذفَ المعطوفَ عليه، وليس هذا من أساليب الفصحاء المتقدمين.
  3. الأصائل: ج الأصيلة؛ وهي بمعنى (الأصيل) المذكور آنفًا.
  4. الشَّذا: قوَّةُ الرائحة، وغلبَ استعمالُه في الرائحة الطيِّبة.
  5. الأنداء؛ ج النَّدى؛ وهو قطراتُ الماء. سَحَرًا: آخِرَ الليل قُبيلَ الفجر.
  6. المَبْسِم: الفم. النَّكْهة: ريحُ الفم. الصَّبا: ريحٌ طيِّبةٌ تهبُّ من جهةِ الشرق. أخْضَلَه: بلَّه.
ترجمة الطليق:
مروان بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن الناصر، الأموي (ت 400ھ): من أمراء بني أمية بالأندلس، سجن وهو في السادسة عشرة من عمره، ومكث سجينًا (16) سنة، وعاش بعد إطلاقه (16) سنة، وهذا من نادر الاتفاق. وكان أديبًا شاعرًا مكثرًا، قال ابن حزم: «هو في بني أمية كابن المعتز في بني العباس؛ ملاحة شعر، وحسن تشبيه». نظم أكثر شعره وهو في السجن، وعُرف بالطليق بعد خروجه منه.
التوثيق

قصة كرَم

الحطيئة

وطاوِي ثَلاثٍ، عاصِبِ البَطْنِ، مُرْمِلٍ
بتَيْهاءَ لم يَعرِفْ بها ساكنٌ رَسْمَا1
أخي جَفْوةٍ، فيهِ مِنَ الإنْسِ وَحْشةٌ
يَرَى البؤسَ فيها مِنْ شَراستِهِ نُعْمَىٰ2
وأفْرَدَ في شِعْبٍ عَجُوزًا إزاءَها
ثلاثةُ أشْباحٍ تَخالُهمُ بَهْمَا3
حُفاةً عُراةً ما اغْتَذَوْا خُبْزَ مَلَّةٍ
ولا عَرَفُوا لِلْبُرِّ مُذْ خُلِقُوا طَعْمَا4
رأىٰ شَبَحًا وَسْطَ الظَّلامِ فَرَاعَهُ
فلمَّا بَدا ضَيْفًا [تَشوَّرَ] واهْتَمَّا5
فقالَ ابْنُهُ لمَّا رآهُ بِحَيْرةٍ:
أيا أبَتِ اذْبَحْني! ويَسِّرْ لهُ طُعْمَا
ولا تَعتذِرْ بالعُدْمِ؛ عَلَّ الَّذي طَرَا
يَظُنُّ لنا مالًا، فيُوسِعَنا ذَمَّا6
فرَوَّىٰ قليلًا، ثمَّ أحْجَمَ بُرْهَةً
وإنْ هوَ لم يَذبَحْ فَتاهُ فقَدْ هَمَّا7
وقالَ: هَيَا رَبَّاه، ضَيْفٌ ولا قِرًى!
بحقِّكَ لا تَحْرِمْه تا اللَّيلةَ اللَّحْمَا8
فبَيْنَا هُما، عَنَّتْ على البُعْدِ عانَةٌ
قَدِ انتَظمَتْ مِنْ خَلْفِ مِسْحَلِها نَظْمَا9
عِطاشًا تريدُ الماءَ، فانسابَ نَحْوَها
علىٰ أنَّهُ مِنْها إلىٰ دَمِها أظْمَا10
فأمْهَلَها حتَّىٰ تَرَوَّتْ عِطاشُها
فأرسَلَ فيها مِنْ كِنانتِهِ سَهْمَا11
فخَرَّتْ نَحُوصٌ ذاتُ جَحْشٍ سَمِينةٌ
قدِ اكْتَنزَتْ لَحْمًا، وقدْ طُبِّقَتْ شَحْمَا12
فيا بِشْرَهُ إذْ جَرَّها نحوَ أهلِهِ
ويا بِشْرَهمْ لمَّا رَأَوْا كَلْمَها يَدْمَىٰ!13
فباتُوا كِرامًا قدْ قَضَوْا حقَّ ضَيْفِهمْ
ولم يَغْرَمُوا غُرْمًا، وقدْ غَنِمُوا غُنْمَا14
وباتَ أبُوهمْ مِنْ بَشاشتِهِ أبًا
لضَيْفِهمُ، والأُمُّ مِنْ بِشْرِها أُمَّا

شرح الغريب (1-14)

  1. الطاوي: الجائع. ثلاثٍ: أيْ ثلاثِ ليالٍ. عاصبِ البطن: يشدُّ بطنَه بحجرٍ من الجوع. المُرْمِل: الفقير المحتاج. التَّيْهاء: الصحراء التي يُتاه فيها. الرَّسْم: ما بقيَ في الأرض من آثار الديار.
  2. الجَفْوة: غِلَظُ الطبع. فيها: أيْ في الصحراء.
  3. أفْرَدَهم: تركَهم وحدَهم. الشِّعْب: الطريق في الجبل. الأشباح: ج شَبَح؛ وهو الشخص، ويُطلق على ما يبدو غيرَ واضح من بُعْدٍ. البَهْم: ج بَهْمة؛ وهي صغارُ الضأنِ والماعز، شبَّهَهم بها لهُزالهم.
  4. المَلَّة: الرمادُ الحارُّ، يُخبزُ فيه. البُرُّ: حَبُّ القمح.
  5. تشوَّرَ: خَجِلَ واستحيا. في المطبوع: (تسوَّرَ)، تصحيف. وفي نسخة: (تصوَّرَ)، تحريف. اهتمَّ: حَزِنَ واغتمَّ.
  6. العُدْم: الفقر. علَّ: لغة في (لعلَّ). طَرَا: لغة في (طَرَأَ)؛ أي: أتى من مكان بعيد.
  7. روَّى: تفكَّرَ. أحجمَ: امتنعَ. البُرْهة: المُدّة من الزمان. همَّ: أيْ كادَ يذبحه.
  8. هَيَا: أداة نداء للبعيد. القِرى: ما يقدَّمُ إلى الضيف. تا: من أسماء الإشارة، يشار به للمفردة المؤنثة.
  9. بَيْنا: مثلُ (بينما)؛ وهما ظرفا زمان يحتاجان إلى جواب. عَنَّتْ: عَرَضَتْ ولاحَتْ. العانة: القطيع من حُمُر الوحش. المِسْحَل: الحمار الوحشي؛ والمراد هنا: قائد القطيع.
  10. انسابَ: جرى في خِفَّة.
  11. تروَّتْ: شربَتْ حتى رَوِيَتْ. الكِنانة: جَعْبةُ السهام.
  12. خرَّتْ: سقطَتْ. النَّحُوص: الأتان الوحشية. اكتنزَتْ: امتلأتْ. طُبِّقَتْ شحمًا: امتلأتْ حين عمَّها الشحم.
  13. البِشْر: طلاقةُ الوجه. الكَلْم: الجُرح.
  14. الغُرْم: ما ينوبُ الإنسانَ في ماله من ضرر.
ترجمة الحطيئة:
جَرْوَل بن أوس بن مالك العبسي، أبو مُليكة (ت نحو 45ھ): شاعر مخضرم؛ أدرك الجاهلية والإسلام. كان هجّاءً عنيفًا، لم يكد يسلم من لسانه أحد، وهجا أمه وأباه ونفسه، وأكثر من هجاء الزبرقان بن بدر، فشكاه إلى عمر بن الخطاب ، فسجنه عمر بالمدينة، فاستعطفه بأبيات، فأخرجه ونهاه عن هجاء الناس، فقال: إذًا تموت عيالي جوعًا!
التوثيق

جَدَّتي

أحمد شوقي

لِي جَدَّةٌ تَرْأَفُ بِي
أَحْنَىٰ عَلَيَّ مِنْ أَبِي
وَكُلُّ شَيْءٍ سَرَّنِي
تَذْهَبُ فِيهِ مَذْهَبِي
إِنْ غَضِبَ الأَهْلُ عَلَيْـ
ـيَ كُلُّهُمْ لَمْ تَغْضَبِ
مَشَىٰ أَبِي يَوْمًا إِلَيْـ
ـيَ مِشْيَةَ المُؤَدِّبِ
غَضْبَانَ قَدْ هَدَّدَ بِالضْـ
ـضَرْبِ.. وَإِنْ لَمْ يَضْرِبِ!
فَلَمْ أَجِدْ لِي مِنْهُ غَيْـ
ـرَ جَدَّتِي مِنْ مَهْرَبِ
فَجَعَلَتْنِي خَلْفَهَا
أَنْجُو بِهَا وَأَخْتَبِي
وَهْيَ تَقُولُ لِأَبِي
بِلَهْجَةِ المُؤَنِّبِ:
وَيْحٌ لَهُ! وَيْحٌ لِهَـٰ
ـذَا الوَلَدِ المُعَذَّبِ!
أَلَمْ تَكُنْ تَصْنَعُ مَا
يَصْنَعُ إِذْ أَنْتَ صَبِي؟!

التوثيق
فائدة في (وَيْح):
الصفحة 2 من 3