استبقاءُ الصاحب

الشريف الرضي

وكَمْ صاحِبٍ كالرُّمْحِ زاغَتْ كُعُوبُهُ
أبىٰ بعدَ طُولِ الغَمْزِ أنْ يتقَوَّما1
تقبَّلْتُ منهُ ظاهرًا مُتبَلِّجًا
وأدْمَجَ دُوني باطنًا مُتجَهِّما2
فأبْدىٰ كرَوْضِ الحَزْنِ [رَفَّتْ] فُرُوعُهُ
وأضْمرَ كاللَّيلِ الخُدارِيِّ مُظْلِما3
ولَوْ أنَّني كَشَّفْتُهُ عنْ ضَميرِهِ
أقمْتُ علىٰ ما بَيْنَنا اليومَ مَأْتَما4
فلا باسِطًا بالسُّوءِ إنْ ساءَني يدًا
ولا فاغِرًا بالذَّمِّ إنْ رابَني فَما5
كعُضْوٍ رَمَتْ فيهِ اللَّيالي بفادِحٍ
ومَنْ حَمَلَ العُضْوَ الأليمَ تألَّما6
إذا أمرَ الطَّبُّ اللَّبيبُ بقَطْعِهِ
أقولُ: عسىٰ ـ ضَنًّا بهِ ـ ولَعَلَّما!7
صَبَرْتُ علىٰ إيلامِهِ خَوْفَ نَقْصِهِ
ومَنْ لامَ مَنْ لا يَرْعَوِي كانَ ألْوَما!8
هيَ الكَفُّ مَضٌّ تَرْكُها بعدَ دائِها
وإنْ قُطِعَتْ شانَتْ ذِراعًا ومِعْصَما9
أراكَ علىٰ قَلْبي ـ وإنْ كنْتَ عاصِيًا ـ
أعَزَّ منَ القَلْبِ المُطيعِ وأكْرَما
حملْتُكَ حَمْلَ العَيْنِ لَجَّ بها القَذىٰ
ولا تَنْجَلي يومًا ولا تَبْلُغُ العَمىٰ!10
دَعِ المَرْءَ مَطْوِيًّا علىٰ ما ذَمَمْتَهُ
ولا تَنْشُرِ الدَّاءَ العُضالَ فتَنْدَما11
إذا العُضْوُ لمْ يُؤْلِمْكَ إلَّا قَطَعْتَهُ
علىٰ مَضَضٍ، لمْ تُبْقِ لحمًا ولا دَما!12
ومَنْ لمْ يُوَطِّنْ للصَّغيرِ منَ الأذىٰ
تَعرَّضَ أنْ يَلْقىٰ أجَلَّ وأعْظَما13

شرح الغريب (1-13)

  1. زاغَتْ: مالَتْ. الكُعوب: ج الكَعْب؛ وهو العقدةُ بين الأنبوبتين. الغَمْز: العَصْرُ باليدِ والتليين؛ كأنه يحاولُ بذلك تقويمَ الرمح.
  2. المتبلِّج: الواضحُ المُشرِق. أدمجَ: أضمرَ. المتجهِّم: الكالحُ العابس.
  3. الحَزْن: ما غَلُظَ من الأرض، والروضُ في الحَزْنِ أحسنُ منه في السهل. رَفَّتْ: اهتزَّتْ وتنعَّمَتْ وتلألأتْ. الخُداريّ: الليلُ المظلم. في الديوان: «رقَّتْ»، تصحيف.
  4. كشَّفَه عن الأمر: أكرهَه على إظهاره.
  5. فاغرًا: فاتحًا. رابَني: عرفْتُ منه الرِّيبة.
  6. الفادح: الأمرُ الثقيل.
  7. الطَّبُّ: الحاذقُ الماهر.
  8. يرعوي: يكفُّ ويرتدعُ.
  9. المَضُّ: الألم والحُرْقة.
  10. لَجَّ بها: تمادى وأبى الانصرافَ عنها. القذى: ما يقعُ في العينِ من الأذى. تنجلي: تنكشفُ؛ أي: يزولُ عنها القذى.
  11. العُضال: الشديدُ المُعْجِز.
  12. على مَضَضٍ: أيْ كارهًا متألِّمًا؛ والمَضَض: وجعُ المصيبة.
  13. وطَّنَ نفسَه للأمر: مهَّدَها، وحملَها عليه.
التوثيق

أنَفٌ وإباء

الموفَّق الإربِلي

رُبَّ دارٍ [بالغَضىٰ] طالَ بِلاها
عَكَفَ الرَّكْبُ علَيْها فبَكاها1
دَرَسَتْ إلَّا بقايا أسْطُرٍ
سَمَحَ الدَّهرُ بها ثمَّ مَحاها2
كانَ لي فيها زمانٌ وانْقَضىٰ
فسَقَى اللهُ زماني وسَقاها
وقفَتْ فيها الغَوادِي وِقْفةً
ألْصَقَتْ حَرَّ ثَراها بحَشاها3
وبَكَتْ أطْلالَها نائبةً
عنْ جُفُوني، أحْسَنَ اللهُ جَزاها!4
قُلْ لجِيرانٍ مَواثِيقُهمُ
كلَّما أحكَمْتُها رَثَّتْ قُواها:5
كُنْتُ مَشْغُوفًا بكُمْ إذْ كُنْتُمُ
شَجرًا لا يَبْلُغُ الطَّيرُ ذُراها6
لا تَبِيتُ اللَّيْلَ إلَّا حَوْلَها
حَرَسٌ تَرْشَحُ بالموتِ ظُباها7
وإذا مُدَّتْ إلىٰ أغصانِها
كفُّ جانٍ قُطِعَتْ دُونَ جَناها8
فتَراخَى الأمرُ حتَّىٰ أصبحَتْ
هَمَلًا يَطْمعُ فيها مَنْ يَراها9
لا يَراني اللهُ أرْعىٰ رَوْضةً
سهلةَ الأكنافِ مَنْ شاءَ رَعاها10
تُخْصِبُ الأرضُ فلا أقْرَبُها
رائدًا إلَّا إذا عَزَّ حِماها!11

شرح الغريب (1-11)

  1. الغضى: شجرٌ من الأَثْل (ج الغَضاة)، والمرادُ مكانٌ يكثرُ فيه. البِلى: الفَناء. عكفَ على الشيء: أقبلَ عليه ولَزِمَه. الرَّكْب: ج الراكب.
  2. درسَتْ: ذهبَ أثرُها.
  3. الغوادي: ج الغادية؛ وهي السحابة تُمطِرُ غُدْوةً. الحَشا: ما انضمَّتْ عليه الضلوع؛ والمراد به هنا: الأمطار.
  4. الأطلال: ج الطَّلَل؛ وهو ما بقيَ شاخصًا من آثار الديار.
  5. أحْكَمَ الميثاقَ: وثَّقَه وقوَّاه. رَثَّتْ: بَلِيَتْ. القُوى: ج القُوَّة؛ وهي الطاقةُ من طاقاتِ الحَبْل، واشتهرَ إطلاقُ الحَبْلِ على العهد.
  6. المشغوف: المُولَع.
  7. تَرْشَحُ: تَنْضَحُ وتسيلُ. الظُّبا: ج الظُّبَة؛ وهي حدُّ السيف والسِّنان ونحوِهما.
  8. الجَنى: ما يُجتنى من الشجر.
  9. تراخى: ضَعُفَ وتأخَّرَ. الهَمَل: المُهمَلُ المتروكُ سُدًى.
  10. الأكناف: ج الكَنَف؛ وهو الجانب، أو الظِّلُّ.
  11. الرائد: الذي يُرسَلُ في طلبِ الكَلَأ. الحِمى: الموضعُ فيه كلأٌ يُحمى من الناسِ أنْ يُرعى.
ترجمة الإربلي:
محمد بن يوسف بن محمد البحراني الإربلي، موفق الدين (ت 585ھ): شاعر، من علماء العربية ونقد الشعر والموسيقا. أصله من إربل، ومولده ومنشؤه بالبحرين، كان أبوه يتّجر في اللؤلؤ من مغاصها. ورحل محمد إلى شهرزور ودمشق، ومدح السلطان صلاح الدين، ومات بإربل. له ديوان شعر، ورسائل حسنة.
التوثيق

تحنانُ غريب

ابن عُنَيْن

حَنِينٌ إلى الأوطانِ ليسَ يَزُولُ
وقلبٌ عنِ الأشواقِ ليسَ يَحُولُ1
ألا ليتَ شِعْري! هلْ أبِيتَنَّ ليلةً
وظِلُّكِ يا مَقْرَىٰ عليَّ ظَلِيلُ؟2
وهلْ أرَيَنِّي بعدَما شَطَّتِ النَّوىٰ
ولي في رُبا رَوْضٍ هناكَ مَقِيلُ؟3
دِمَشْقُ.. فبِي شَوْقٌ إليها مُبَرِّحٌ
وإنْ لَجَّ واشٍ أوْ ألَحَّ عَذُولُ4
وفي كَبِدِي مِنْ قاسِيُونَ حَزازةٌ
تَزُولُ رَواسِيهِ وليسَ تَزُولُ5
دِيارٌ بها الحَصْباءُ دُرٌّ، وتُرْبُها
عَبِيرٌ، وأنفاسُ الشَّمالِ شَمُولُ6
فلِلهِ أيَّامي وغُصْنُ الصِّبا بها
وَرِيقٌ، وإذْ وَجْهُ الزَّمانِ صَقِيلُ7
هيَ الغَرَضُ الأقصىٰ وإنْ لمْ يَكُنْ بها
صَدِيقٌ، ولم يُصْفِ الوِدادَ خَلِيلُ8
وكمْ قائلٍ: في الأرضِ للحُرِّ مَذْهبٌ
إِذا جارَ دهرٌ واستحالَ مَلُولُ9
وما نافِعي أنَّ المياهَ سَوائحٌ
عِذابٌ، ولم يُنْقَعْ بهِنَّ غَلِيلُ؟!10
فَقَدْتُ الصِّبا والأهلَ والدَّارَ والهوىٰ
فلِلهِ صَبْري إنَّهُ لَجميلُ!
وَواللهِ ما فارَقْتُها عنْ مَلالةٍ
سِوايَ عنِ العهدِ القديمِ يَحُولُ
ولكنْ أبَتْ أنْ تَحمِلَ الضَّيْمَ هِمَّتي
ونَفْسٌ لها فوقَ السِّماكِ حُلُولُ11
فإِنَّ الفتىٰ يَلْقَى المَنايا مُكَرَّمًا
ويَكْرَهُ طُولَ العُمْرِ وهْوَ ذليلُ12
تَعافُ الوُرُودَ الحائماتُ معَ القَذىٰ
وللقَيْظِ في أكْبادِهنَّ صَلِيلُ13
سألْثَمُ إنْ وافَيْتُها ذلكَ الثَّرىٰ
وهَيْهاتَ.. حالَتْ دُونَ ذاكَ حُؤُولُ14
يُعانِدُني صَرْفُ الزَّمانِ كأنَّما
عليَّ لأحداثِ الزَّمانِ ذُحُولُ!15

شرح الغريب (1-15)

  1. يحولُ عنها: يَرجِعُ عنها، يتغيَّرُ.
  2. ليتَ شِعري: ليتني أعْلَمُ. مَقْرى: قريةٌ دمشقيةٌ قديمة، كانت تقعُ شرقيَّ الصالِحيَّة. ظليل: دائمُ الظلِّ.
  3. شطَّتْ: بَعُدَتْ. النَّوى: الدار، والناحيةُ يُذهَبُ إليها. المَقِيل: الاستراحةُ نصفَ النهار، وموضع القيلولة.
  4. مبرِّح: شديد. لجَّ: تمادى. العَذول: اللائم.
  5. قاسِيون: الجبلُ المُطلُّ على دمشق. الحَزازة: الهمُّ يَحُزُّ القلبَ. الرَّواسي: الثابتة الراسخة؛ أي: صخوره وحجارته.
  6. الحَصْباء: صغارُ الحجارة. العبير: أخْلاطٌ من الطِّيبِ تُجمَعُ بالزَّعفران. الشَّمال: ريحٌ تهبُّ من جهةِ الشَّمال. الشَّمول: الخمر.
  7. الوَريق: كثيرُ الوَرَق. الصَّقيل: المَجْلوُّ الناعم.
  8. أصفاه الوِدادَ: أخلَصَه له.
  9. جارَ: ظلمَ. استحالَ: تغيَّرَ، واعوجَّ بعدَ استواء.
  10. السوائح: ج السائحة؛ وهي السائلة الجارية. نَقَعَ الماءُ العطشَ: سكَّنَه وأذهبَه. الغليل: شدَّةُ العطش.
  11. الضَّيم: الظُّلم والإذلال. السِّماك: نجمٌ نيِّر؛ وهما سِماكان: الأعزلُ والرامِح.
  12. المَنايا: ج المَنِيَّة؛ وهي الموت.
  13. تعافُ: تَكْرهُ. الوُرود: حضورُ الماءِ للشرب. الحائمات: العِطاش. القذى: ما يسقطُ في الشراب من الأذى. القيظ: حرارة الصيف. الصَّليل: صوتٌ كالبُحَّة؛ يُسمَعُ من الجوفِ إذا جفَّ من شدَّةِ العطش.
  14. لَثِمَه يَلْثَمُه: قبَّلَه. هيهاتَ: اسمُ فعلٍ بمعنى البُعد. حالتْ: اعترضَتْ. الحُؤول: السِّنون (ج الحَوْل).
  15. صَرْفُ الزمان: نوائبُه. الذُّحُول: ج الذَّحْل؛ وهو الثأر، والحقد.
ترجمة ابن عنين:
محمد بن نصر الله بن مكارم بن الحسن بن عنين الدمشقي الأنصاري (ت 630ھ): أعظم شعراء عصره، مولده ووفاته في دمشق، كان يقول: إن أصله من الكوفة، من الأنصار. وكان هجّاء، قلّ من سلم من شره في دمشق؛ حتى السلطان صلاح الدين والملك العادل. ونفاه صلاح الدين، فذهب إلى العراق والجزيرة وأذربيجان وخراسان والهند واليمن ومصر، وعاد إلى دمشق بعد وفاة صلاح الدين، فمدح الملك العادل وتقرب منه. وكان وافر الحرمة عند الملوك.
التوثيق

مولدُ الهدىٰ

العباس بن عبد المطلب

قالَ يمدحُ ابنَ أخيه محمَّدَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطَّلِبِ ، مُنْصَرَفَه مِن غزوةِ تَبُوكَ في السَّنةِ التَّاسعةِ للهجرة، وهي مِن أبلغِ ما قيلَ في المديحِ النَّبويِّ وأصدقِه:

مِنْ قَبْلِها طِبْتَ في الظِّلالِ وفي
مُسْتَوْدَعٍ حيثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ1
ثُمَّ هَبَطْتَ البِلادَ لا بَشَرٌ
أنتَ ولا مُضْغةٌ ولا عَلَقُ2
بَلْ نُطْفةٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وقدْ
أَلْجَمَ نَسْرًا وأهْلَهُ الغَرَقُ3
[وَرَدْتَ نارَ الخَلِيلِ مُكْتَتَمًا
في صُلْبِهِ أنتَ، كيفَ يَحتَرِقُ؟!]4
تُنْقَلُ مِنْ صَالِبٍ إلى رَحِمٍ
إذا مَضىٰ عالَمٌ بَدا طَبَقُ5
حتَّى احْتَوَىٰ بَيتُكَ المُهَيْمِنُ مِنْ
خِنْدِفَ عَلْياءَ تَحْتَها النُّطُقُ6
وأنتَ لمَّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الْـ
ـأرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ7
فنحنُ في ذلكَ الضِّياءِ وفي النْـ
ـنُورِ، وسُبْلَ الرَّشادِ نَخْتَرِقُ

شرح الغريب (1-7)

  1. قَبْلِها: الضميرُ يعودُ على غير مذكور (الدنيا). الظلال: المقصودُ بها ظلالُ الجنَّة. المُستودَع: أرادَ به الموضعَ الذي كان به آدمُ وحوّاءُ من الجنَّة. يُخْصَفُ: يُلْزَقُ، ويُضَمُّ بعضُه إلى بعضٍ. أشارَ إلى قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ[الأعراف: 22]، وأرادَ أنّه كان طيِّبًا في صُلبِ آدم وهو في الجنّة.
  2. البلاد (هنا): الأرض. المُضْغة: قطعةُ لحمٍ بقَدْرِ ما يُمضَغُ. العَلَق: ج العَلَقة؛ وهي قطعةُ الدمِ التي يتكوّنُ منها الجنين.
  3. السَّفين: ج السَّفينة، أو لغةٌ في الواحدة. نَسْرٌ: أحدُ أصنامِ قومِ نوحٍ . ألجمَه الغرقُ: أيْ بلغَ الماءُ فاهُ حتّى صار له كاللِّجام.
  4. الخليل: هو إبراهيم . مُكتَتَمًا: مَخْفيًّا.
  5. الصَّالِب: الصُّلْب. الطَّبَق: القَرْن، الجيلُ من الناس.
  6. المهيمن: الشاهدُ بفَضْلك. خِنْدِفُ: امرأةُ إلياسَ بنِ مُضَرَ؛ أحدِ أجدادِ العرب، يُنسَبُ أولادُه إليها. النُّطُق: أَعْراضٌ مِنْ جبالٍ بعضُها فوقَ بعضٍ (ج النِّطَاق)، شُبِّهت بالنُّطُق الَّتِي تُشَدُّ بها أوساطُ النَّاس. ضَرَبَه مثلًا له في ارتفاعِه وتَوسُّطِه فِي عشيرتِه، وجعلَهم تحته بمنزلةِ أوساطِ الجبال، وأرادَ ببيتِه: شَرَفَه، والمهيمنُ: نَعْتُه. وحاصلُ المعنى: حتّى احْتوى شرفُكَ الشاهدُ على فضلكَ أعلى مكانٍ مِن نَسَبِ خِنْدِفَ.
  7. الأُفُق (هنا): جمعٌ بمعنى الآفاق؛ ولذلك أنَّثَ الفعل، أو أنه أنَّثَ الأُفُقَ ذهابًا إلى معناه؛ وهو الناحية.
التوثيق

شكوىٰ

حافظ إبراهيم

لا تَلُمْ كَفِّي إذا السَّيفُ نَبَا
صَحَّ منِّي العَزْمُ والدَّهرُ أبَىٰ1
رُبَّ ساعٍ مُبْصِرٍ في سَعْيِهِ
أخْطَأَ التَّوفيقَ فيما طَلَبَا
مَرْحبًا بالخَطْبِ يَبْلُوني إذا
كانتِ العَلْياءُ فيهِ السَّبَبَا2
عَقَّني الدَّهرُ، ولَوْلا أنَّني
أُوثِرُ الحُسْنىٰ عَقَقْتُ الأدَبَا3
إيهِ يا دُنيا اعْبِسِي أو فابْسِمِي
ما أرىٰ بَرْقَكِ إلَّا خُلَّبَا4
أنا لَوْلا أنَّ لي مِنْ أُمَّتي
خاذِلاً ما بِتُّ أشْكُو النُّوَبَا5
أُمَّةٌ قدْ فَتَّ في ساعِدِها
بُغْضُها الأهْلَ وحُبُّ الغُرَبَا!6
تَعْشَقُ الألقابَ في غيرِ العُلا
وتُفَدِّي بالنُّفُوسِ الرُّتَبَا
وهْيَ والأحداثُ تَسْتَهْدِفُها
تَعْشَقُ اللَّهْوَ وتَهْوَى الطَّرَبَا!
لا تُبالي لَعِبَ القَوْمُ بها
أمْ بها صَرْفُ اللَّيالي لَعِبَا!7

شرح الغريب (1-7)

  1. نَبَا السيفُ: إذا لم يَقطعْ.
  2. الخَطْب: الأمرُ الشديدُ يَنزِلُ. يَبْلُوني: يَخْتبرُني.
  3. عقَّه: تركَ الإحسانَ إليه، ولم يَبَرَّ به. يقول: إنَّ الدهرَ لم يُنصِفْني، والجاني عليَّ هو أدبي، ولولا أني أوثرُ الإحسانَ لهجرتُ الأدبَ الذي كان سببًا في شقائي.
  4. البرقُ الخُلَّبُ: الذي يُومِض حتى يُرجى مطرُه، ثم يُخلِفُ. ويُضرَبُ به المثلُ لمن يَعِدُ ولا يُنجِز.
  5. النُّوَب: ج النائبة؛ وهي المصيبةُ النازلة.
  6. فتَّ في ساعدِها: كنايةٌ عن الإضعافِ وإيهانِ القُوى.
  7. القوم: أراد بهم الإنجليز. صَرْفُ الليالي: نوازلها ومصائبها. أيْ أنها لا تَعْبأُ بحوادثِ الزمان؛ تصيبُها من المحتلّينَ أو من الدهر!
التوثيق

غنى النفس

عروة بن أُذَينة

عنْيحيى بنِ عُرْوةَ بنِ أُذَيْنةَ؛ قال: أتىٰ أبي وجماعةٌ منَ الشُّعراءِ هشامَ بنَ عبدِ المَلِك، فنَسَبَهم، فلمَّا عَرَفَ أبي قالَ له: أنتَ القائلُ:

لقدْ عَلِمْتُ وما [الإشرافُ] مِنْ خُلُقِي
أنَّ الَّذي هوَ رِزْقي سوفَ يَأْتِيني1
أسْعَىٰ لهُ فيُعَنِّيني تَطَلُّبُهُ
ولَوْ [قَعَدْتُ] أتاني لا يُعَنِّيني2
وأنَّ حَظَّ امْرِئٍ غَيْري سيَبْلُغُهُ
لا بُدَّ لا بُدَّ أنْ يَحْتازَهُ دُوني3
لا خَيْرَ في طَمَعٍ يُدْني [إلىٰ طَبَعٍ]
وغُفَّةٌ مِنْ قِوامِ العيشِ تَكْفِيني4
لا أرْكَبُ الأمْرَ تُزْرِي بي عَواقِبُهُ
ولا يُعابُ بهِ عِرْضِي ولا دِيني5
كَمْ مِنْ فقيرٍ غنيِّ النَّفْسِ تَعْرِفُهُ
ومِنْ غنيٍّ فقيرِ النَّفْسِ مِسْكينِ!
ومِنْ عَدُوٍّ رَماني، لَوْ قَصَدْتُ لهُ
لمْ يأخُذِ النِّصْفَ مِنِّي حينَ يَرْمِيني6
ومِنْ أخٍ لي طَوىٰ كَشْحًا، فقلْتُ لهُ:
إنَّ انْطِواءَكَ عنِّي سوفَ يَطْوِيني7
إنِّي لَأَنْطِقُ فيما كانَ مِنْ أَرَبِي
وأُكْثِرُ الصَّمْتَ فيما ليسَ يَعْنِيني8
لا أبْتَغي وَصْلَ مَنْ يَبْغي مُفارَقَتي
ولا ألِينُ لِمَنْ لا يَشْتَهي لِيني

فقالَ له ابنُ أُذَيْنة: نَعَمْ، أنا قائلُها. قال: أفَلا قَعَدْتَ في بيتِكَ حتَّىٰ يأتيَكَ رِزْقُك!

وغَفَلَ عنه هشام، فخرجَ مِن وقتِه، وركبَ راحلتَه ومضىٰ مُنصرِفًا، ثم افتقدَه هشامٌ فعرفَ خبرَه، فأَتْبَعَه بجائزةٍ وقالَ للرَّسول: قُلْ له: أردْتَ أنْ تُكذِّبَنا وتُصدِّقَ نَفْسَك؟!

فمضىٰ الرَّسولُ، فلَحِقَه وقدْ نزلَ علىٰ ماءٍ يتغدَّىٰ عليه، فأبْلَغَه رسالتَه ودفعَ الجائزة، فقال [عُرْوة]: قُلْ له: صدَّقَني ربِّي وكذَّبَك!

شرح الغريب (1-8)

  1. الإشراف: الحِرْصُ والتَّهالك، وإشرافُ النَّفْسِ إلى الشيء: تطلُّعها إليه، وتعرُّضها له، وطمعُها فيه.
  2. عَنَّاه الأمرُ: أتعبَه وشَقَّ عليه.
  3. احتازَ الشيءَ: ضمَّه إليه.
  4. الطَّبَع: الدَّنَس. الغُفَّة: البُلْغةُ من العيش؛ وهي ما يكفي لسدِّ الحاجةِ فقط. القِوام: ما يقيمُ الإنسانَ من القُوت.
  5. تُزري بي: تُقصِّرُ بي وتهوِّنُني، أو: تُدخِلُ عليَّ عيبًا.
  6. النِّصْف: الإنصاف.
  7. طوى كَشْحًا: أعرضَ، والكَشْح: الخاصرة، أو: ما بين الخاصرةِ إلى الضِّلعِ الخَلْفِ.
  8. الأرَب: الحاجة.
ترجمة ابن أذينة:
عروة بن يحيى ـ وأذينة لقبه ـ بن مالك بن الحارث، أبو عامر الليثي (ت 130ھ): شاعر غَزِل مقدَّم، من شعراء أهل المدينة، وهو معدود في الفقهاء والمحدّثين؛ روى عنه مالك بن أنس في موطّئه، وعبيد اللّه بن عمر العدوي (أحد فقهاء المدينة السبعة).
التوثيق
زيادة بيان:

وصفُ القلم

أبو تمام

هاتهِ الأبياتُ مِن قصيدةٍ مَدَحَ بها محمَّدَ بنَ عبدِ الملكِ الزيَّات، وزيرَ المعتصمِ والواثقِ العبَّاسيَّينِ، وأحدَ بُلَغاءِ الكُتَّابِ والشُّعراءِ في زمانِه. قالَ صاحبُ (خزانةِ الأدب): «وهي أحسنُ وأفخمُ مِن جميعِ ما قيلَ في القلم».

لكَ القلمُ الأعْلَى الَّذي بشَباتِهِ
تُصابُ منَ الأمْرِ الكُلَىٰ والمَفاصِلُ1
لهُ الخَلَواتُ اللَّاءِ لَوْلا نَجِيُّها
لَمَا احْتَفَلَتْ للمُلْكِ تلكَ المَحافِلُ2
لُعابُ الأفاعي القاتلاتِ لُعابُهُ
وأَرْيُ الجَنَى اشْتارَتْهُ أيْدٍ عَواسِلُ3
لهُ رِيقةٌ طَلٌّ ولكنَّ وَقْعَها
بآثارِهِ في الشَّرقِ والغربِ وابِلُ4
فصيحٌ إذا اسْتَنطَقْتَهُ وهْوَ راكبٌ
وأعْجَمُ إنْ خاطبْتَهُ وهْوَ راجِلُ!5
إذا ما امْتَطَى الخَمْسَ اللِّطافَ وأُفرِغَتْ
عليهِ شِعابُ الفِكْرِ وهْيَ حَوافِلُ6
أطاعَتْهُ أطرافُ القَنا، وتَقَوَّضَتْ
لِنَجْواهُ تَقْوِيضَ الخِيامِ الجَحافِلُ7
إذا اسْتَغْزَرَ الذِّهنَ الذَّكيَّ وأقبلَتْ
أعالِيهِ في القِرْطاسِ وهْيَ أسافِلُ8
وقدْ رَفَدَتْهُ الخِنْصِرانِ وسَدَّدَتْ
ثلاثَ نَواحِيهِ الثَّلاثُ الأنامِلُ9
رأيْتَ جَلِيلًا شَأْنُهُ وهْوَ مُرْهَفٌ
ضَنًى، وسَمِينًا خَطْبُهُ وهْوَ ناحِلُ!10

شرح الغريب (1-10)

  1. شَباةُ كلِّ شيءٍ: حَدُّ طَرَفِه. أراد أن القلمَ تُنال به مقاصدُ الأمور؛ فجعلَ الكُلى والمَفاصِلَ مثلًا لحقائق الأشياء.
  2. له: أيْ للقلم. اللَّاءِ: جمعُ (الَّتي). النَّجِيُّ: المُسَارُّ؛ وأراد به المُشِيرَ. الاحتفال: حُسْنُ القيامِ بالأمور. المَحافل: ج المَحْفِل؛ وهو المَجْلِس، أو مكان الاجتماع. يعني: لولا مشاورةُ الملوكِ أهلَ الأقلام، لمَا انتظمَ أمرُ المُلك.
  3. الأَرْي: العسل. الجَنَى: كلُّ ما يُجتنى من ثمرٍ ونحوه؛ فيكون قوله: «أرْيُ الجَنَى» من باب إضافة الموصوف إلى الصفة. اشْتارَتْهُ: استخرجَتْهُ. عواسل: ج عاسلة؛ والعاسل: الذي يأخذ العسلَ من بيت النحل. الشطر الأول بالنسبة للأعداء، والشطر الثاني بالنسبة للأولياء.
  4. الطلّ: المطرُ الخفيف. الوابل: المطرُ الشديد. يعني أن ريقَ القلم قليلٌ يسيرٌ كالقَطْر، لكنّ آثارَه في كلِّ مكان كالمطر الشديد.
  5. الأعجم: الأخرس.
  6. امتطى: رَكِبَ. الشِّعاب: ج الشِّعْب؛ وهو الطريقُ في الجبل. حوافلُ: ممتلئةٌ.
  7. القنا: الرِّماح. تقوَّضَتْ: انتَقضَتْ. النَّجوى: إسرارُ الحديث. الجحافل: ج الجَحْفَل؛ وهو الجيشُ الكثير.
  8. استَغزَرَه: وجدَه غزيرًا. الذكيّ: المتوقِّد. القِرْطاس: الصحيفة يُكتب فيها.
  9. رَفَدَتْهُ: أعانَتْهُ. الخِنْصِران: الخِنْصِرُ والبِنْصِرُ (تثنيةٌ بالتغليب).
  10. مرهَفٌ: رقيقٌ. الضَّنى: المرض.
التوثيق
الصفحة 2 من 4