طبائعُ الدنيا الدنيَّة

أبو الطيب المتنبي

فؤادٌ ما تُسَلِّيهِ المُدامُ
وعُمْرٌ مِثْلُ ما تَهَبُ اللِّئامُ1
ودهرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ
وإنْ كانتْ لهمْ جُثَثٌ ضِخامُ!
وما أنا منهمُ بالعَيْشِ فيهمْ
ولكنْ مَعْدِنُ الذَّهبِ الرَّغامُ2
أرانبُ غيرَ أنَّهمُ مُلُوكٌ
مُفَتَّحةٌ عُيُونُهمُ نِيامُ!
بأجسامٍ يَحَرُّ القَتْلُ فيها
وما أقْرانُها إلَّا الطَّعامُ!3
وخَيْلٍ ما يَخِرُّ لها طَعِينٌ
كأنَّ قَنا فَوارسِها ثُمامُ!4
خَلِيلُكَ أنتَ لا مَنْ قُلْتَ: خِلِّي،
وإنْ كَثُرَ التَّجَمُّلُ والكلامُ5
ولَوْ حِيزَ الحِفاظُ بغيرِ عَقْلٍ
تَجَنَّبَ عُنْقَ صَيْقَلِهِ الحُسامُ6
وشِبْهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إليهِ
وأشْبَهُنا بدُنْيانا الطَّغامُ!7
ولَوْ لَمْ يَعْلُ إلَّا ذُو مَحَلٍّ
تَعالَى الجيشُ وانْحَطَّ القَتامُ!8
ولَوْ لَمْ يَرْعَ إلَّا مُسْتَحِقٌّ
لرُتْبتِهِ، أَسامَهمُ المُسامُ!9
ومَنْ خَبَرَ الغَواني فالغَواني
ضِياءٌ في بَواطنِهِ ظَلامُ10
إذا كانَ الشَّبابُ السُّكْرَ، والشَّيْـ
ـبُ هَمًّا، فالحياةُ هيَ الحِمامُ11
وما كلٌّ بمَعْذُورٍ ببُخْلٍ
ولا كلٌّ علىٰ بُخْلٍ يُلامُ!12

شرح الغريب (1-12)

  1. المُدام: الخمر. «مثلُ ما تهبُ اللِّئامُ»: كنايةٌ عن قِلَّتِه. يقول: إنَّ فؤادَه لا يتسلَّى بالخمرِ واللَّهوِ عن طلبِ المعالي؛ فإنَّ العمرَ أقصرُ من أنْ يتَّسعَ لذلك.
  2. المَعدِن: موضعُ استخراجِ الجوهر. الرَّغام: التراب. يقول: إنني لا أعُدُّ نفسي من هؤلاء الناسِ وإنْ عِشْتُ بينهم؛ كالذهبِ الذي يكون بين الترابِ ولا يُحسَبُ منه.
  3. يَحَرُّ: يشتدُّ. الأقران: ج القِرْن؛ وهو الكُفْءُ في الحرب. يقول: يقتلُهم الطعامُ؛ فيموتون بالتُّخَمةِ من كثرةِ الأكل.
  4. يَخِرُّ: يسقطُ. القَنا: الرِّماح. الثُّمام: نبتٌ ضعيف. أيْ أنَّ طعْنَهم لا يؤثِّرُ في المطعونِ لضعفِهم؛ فكأنهم يَطْعُنون بالثُّمام.
  5. يقول: لا خليلَ لأحدٍ على الحقيقةِ إلا نفسُه؛ فلا يثقِ الإنسانُ بصداقةِ أحد، وإن كان كثيرَ التملُّق.
  6. حِيزَ: مُلِكَ. الحِفاظ: المحافظةُ على الحقوق. الصَّيْقل: الذي يعملُ السيوفَ. الحسام: السيفُ القاطع. أي: لو أمكنَ أن يحافِظَ على المودَّةِ والوفاءِ ما لا عقلَ له، لكانَ السيفُ ينبو عن عنقِ صانعِه. والمعنى: أنهم لا عقولَ لهم؛ فلا يوثَقُ منهم بذِمام.
  7. الطَّغام: الأرذال والأوغاد. يقول: إن الشيءَ يميلُ إلى شِبْهه، والدنيا خسيسة؛ فهي لذلك تميلُ إلى الخِساس من الناس.
  8. المَحَلُّ: المكانةُ الرفيعة. القَتام: الغبار. يقول: إنَّ علوَّهم في الدنيا لا يدلُّ على فضيلتِهم واستحقاقِهم؛ فإنَّ الغبارَ يرتفعُ فوق الجيش، وهو مما تثيرُه الأقدامُ والحوافر.
  9. يَرْعَ: من الرعاية؛ بمعنى السياسة. المُسام: المالُ المُرسَلُ في مَراعيه، وأسامَه صاحبُه: إذا أرسلَه. يقول: هؤلاء شرٌّ من البهائم، فلو كانتِ الولايةُ بالاستحقاقِ لكانَ الراعي لهم البهائم؛ لأنها أشرفُ منهم وأعقل!
  10. خَبَرَ الشيءَ: بَلاه وامتحنَه، وعرفَ خبرَه على حقيقتِه. الغواني: النساءُ الحِسان.
  11. الحِمام: الموت. يقول: إذا كان الإنسانُ في شبيبتِه غائصًا في سُكْرٍ من اللَّهو والصِّبا، وعند مشيبِه غارقًا في بحرٍ من الهمّ، فحياتُه أشْبَهُ بالممات.
  12. لتفسيره وجهان؛ أحسنُهما: أنَّ الذي لا يُعذَرُ في بخلِه مَنْ وَلَدَتْه الكرام، والذي لا يلامُ على بخلِه مَنْ كان آباؤه لئامًا بُخلاء، ولم يتعلَّمْ غيرَ البخل، ولم يرَ في آبائه الجودَ والكرم.
التوثيق
زيادة بيان:

العزاءُ الجميل

إبراهيم بن كُنَيْف

تَعَزَّ فإنَّ الصَّبْرَ بالحُرِّ أجْمَلُ
وليسَ علىٰ رَيْبِ الزَّمانِ مُعَوَّلُ1
فلَوْ كانَ يُغْنِي أنْ يُرَى المَرْءُ جازِعًا
لِحادثةٍ أوْ كانَ يُغْنِي التَّذَلُّلُ
لَكانَ التَّعَزِّي عندَ كلِّ مُصِيبةٍ
ونائبةٍ بالحُرِّ أَوْلىٰ وأجْمَلُ2
فكيفَ وكلٌّ ليسَ يَعْدُو حِمامَهُ
وما لامْرِئٍ عمَّا قَضَى اللهُ مَزْحَلُ؟!3
فإنْ تَكُنِ الأيَّامُ فينا تَبَدَّلَتْ
ببُؤْسىٰ ونُعْمىٰ، والحوادثُ تَفْعَلُ4
فما لَيَّنَتْ منَّا قَناةً صَلِيبةً
ولا ذَلَّلَتْنا للَّذي ليسَ يَجْمُلُ5
ولكنْ رَحَلْناها نُفُوسًا كَرِيمةً
تُحَمَّلُ ما لا يُسْتطاعُ فتَحْمِلُ6
وَقَيْنا بحُسْنِ الصَّبْرِ مِنَّا نُفُوسَنا
فصَحَّتْ لنا الأعْراضُ، والنَّاسُ هُزَّلُ7

شرح الغريب (1-7)

  1. تَعَزَّ: تصبَّرْ. رَيْبُ الزمان: حوادثه وصُروفه. المُعَوَّل: المُعتمَد والمُتَّكَل. يريدُ أن الدهرَ متقلِّب؛ فلا يوثَقُ به.
  2. التعزِّي: التصبُّر. النائبة: المصيبة النازلة. يقول: لو كان في الجَزَعِ منفعةٌ لَمَا كان يَحْسُن، وكان الصبرُ أحسنَ منه، فكيف وليسَ فيه منفعة؟! والبيتُ التالي يوضِّحُه.
  3. يعدو: يتجاوزُ. الحِمام: قضاءُ الموتِ وقدَرُه. المَزْحَل: الموضعُ يُزحَلُ إليه؛ أي: يُبعَدُ.
  4. تبدَّلَتْ: تغيَّرَتْ. البُؤسى: البُؤس؛ وهو المشقَّة والفقر. «والحوادثُ تفعلُ»: جملة اعتراضية للتوكيد.
  5. القناة: الرمح، والعصا. الصَّليبة: الشديدة القوية. والعربُ تذكرُ القناةَ وصلابتَها؛ ضاربةً بها المثلَ في الامتناعِ والإباء.
  6. رَحَلْناها: حَمَلْنا عليها، من قولهم: رَحَلَ البعيرَ؛ إذا وضعَ عليه الرَّحْلَ. يقول: حمَّلْنا تلك الحوادثَ نفوسًا؛ تصبرُ كرمًا، ولا تُظهِرُ ألمًا.
  7. صحَّتْ: بَرِئَتْ من كلِّ عيب. أي: وأعراضُ الناسِ هزيلة؛ لقلَّة ِصبرِهم على الشدائد.
ترجمة ابن كُنيف:
إبراهيم بن كنيف النبهاني (ت …؟): شاعر إسلامي مقل، من شعراء (الحماسة)، لا تسعفنا كتب التراجم بشيء من سيرته، اشتهر بأبياته اللامية التي اتفقت مصادر الأدب على نسبتها إليه، وانفرد أبو علي الهجري في (التعليقات والنوادر)؛ فنسبها إلى بكر بن النطاح.
التوثيق

الكبشُ الآبق

محمود غُنيم

الكَبْشُ شَقَّ العَصا يومًا علَى الرَّاعي
وقالَ للشَّاءِ: أنتمْ بعضُ أتباعي!1
حتَّىٰ أحَسَّ عَصا الرَّاعي تُؤدِّبُهُ
كما يُؤدَّبُ عَبْدٌ غيرُ مِطْواعِ
فلاذَ بالذِّئبِ، يَدْعُوهُ لنَجْدتِهِ
ومَنْ سِواهُ يُلَبِّي دَعْوةَ الدَّاعي؟!2
تناوَلَ الذِّئبُ قَرْنَيْهِ، وقالَ لهُ:
أقْبِلْ علَى الرُّحْبِ، يا رِيمًا علَى القاعِ!3
وسَخَّرَ الكَبْشَ في صَيْدِ الشِّياهِ لهُ
فجَدَّ في السَّعْيِ.. ضَلَّ السَّعْيُ والسَّاعي!
وظَلَّ يَرْتَعُ حِينًا تحتَ رايتِهِ
ويأكلُ الحَبَّ بالقِنْطارِ لا الصَّاعِ4
حتَّىٰ إذا الصَّيْدُ أعْيَا الكَبْشَ، مَزَّقَهُ
بمِخْلَبٍ مِثْلِ حَدِّ السَّيْفِ قَطَّاعِ5
فلا القَطِيعُ بَكاهُ يومَ مَصْرَعِهِ
ولا الذِّئابُ نَعاهُ منهمُ ناعِ
وهكذا راحَ ذُو القَرْنَيْنِ مَوْعِظةً
وعِبْرةً ما وَعىٰ أمْثالَها واعِ
لنْ يَنْفِيَ الكَبْشَ راعِيهِ فتُنْزِلَهُ
منها الذِّئابُ بأبصارٍ وأسماعِ!

شرح الغريب (1-5)

• الآبِق: الهارب، وشاع إطلاق هذه الصفة قديمًا على العبد الهارب من سيِّده.

  1. شقَّ العصا: خالفَ الجماعةَ وفرَّقها. الشاء: ج الشاة.
  2. لاذَ به: التجأَ إليه، واحتمى به.
  3. الرُّحْب: السَّعَة. الرِّيم: الظبي الخالص البياض. القاع: الأرض الملساء.
  4. يرتعُ: يرعى في خِصْبٍ وسَعَة. القنطار: معيارٌ يعادلُ مئةَ رطلٍ (في مصر). الصاع: مكيالٌ يعادلُ أربعةَ أمداد، وكلُّ مُدٍّ رطلٌ وثلث.
  5. أعياه: أعْجَزَه؛ فلم يهتدِ لوجهه.
ترجمة غنيم:
محمود غنيم
محمود غنيم (ت 1392ھ/ 1972م): شاعر مصري مدرس، ولد ونشأ في قرية (كوم حمادة)، وتخرج بدار العلوم، وعمل في التدريس، ثم كان مفتشًا للتعليم الأجنبي. عالج الشعر من صغره، وفاز بالجوائز. له: (صرخة في واد) ديوان شعر، و(في ظلال الثورة) ديوان ثان، [و(رجع الصدى) ديوان ثالث طبع بعد وفاته]، ومسرحيات شعرية عديدة. قيل في وصف أسلوبه الشعري: إنه خليفة حافظ إبراهيم.
التوثيق

أصدقاءُ بالاسم!

ابن الرومي

ولي أصدقاءُ كثيرُو السَّلامِ
عليَّ، وما فيهمُ نافعُ
إذا أنا أدْلَجْتُ في حاجةٍ
لها مَطْلَبٌ نازِحٌ شاسِعُ1
فلي أبدًا معَهمْ وَقْفةٌ
وتسليمةٌ وقتُها ضائعُ
وفي مَوْقفِ المَرْءِ عنْ حاجةٍ
تَيَمَّمَها شاغلٌ قاطعُ2
تَرىٰ كلَّ غَثٍّ كثيرِ الفُضُو
لِ، مُصْحَفُه مُصْحَفٌ جامعُ3
يقولُ الضَّميرُ لهُ طالِعًا:
ألَا قُبِّحَ الرَّجُلُ الطالعُ!
يُحَدِّثُني مِنْ أحاديثِهِ
بما لا يَلَذُّ بهِ السَّامعُ
أحاديثُ هُنَّ كمِثْلِ الضَّرِيـ
ـعِ آكِلُهُ أبدًا جائعُ4
غَدَوْتُ وفي الوقتِ لي فُسْحةٌ
فضاقَ بيَ المَهَلُ الواسعُ5
تَقدَّمْتُ فاعْتَاقَني أسْرُهُ
إلىٰ أنْ تَقدَّمَني التَّابعُ6
وفاتَتْ بلُقْيانِهِ حاجتي
ألَا هكذا النَّكِدُ البارعُ!7
أولئكَ لا حَيُّهمْ مُؤْنِسٌ
صديقًا، ولا مَيْتُهمْ فاجعُ!

شرح الغريب (1-7)

  1. أدلجَ: سارَ ليلًا. النازح والشاسع: البعيد.
  2. تيمَّمَ الحاجةَ: قصدَها.
  3. الغثُّ: الرديءُ الفاسد. المصحفُ الجامعُ: الذي يجمعُ سُوَرَ القرآنِ كلَّها، أو الذي يجمعُ عدَّةَ قراءات.
  4. الضريع: نبتٌ له شوك. يشير إلى قوله تعالى في أهل النار: ﴿لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ ٦ لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ ٧ [الغاشية].
  5. الفُسْحة: السَّعَة. المَهَل: التُّؤَدَة والرِّفْق.
  6. اعتاقَه عن الشيء: عاقَه؛ أي: منعَه منه، وشغلَه عنه.
  7. اللُّقْيان: اللِّقاء. النَّكِد: قليلُ النفع.
التوثيق

استبقاءُ الصاحب

الشريف الرضي

وكَمْ صاحِبٍ كالرُّمْحِ زاغَتْ كُعُوبُهُ
أبىٰ بعدَ طُولِ الغَمْزِ أنْ يتقَوَّما1
تقبَّلْتُ منهُ ظاهرًا مُتبَلِّجًا
وأدْمَجَ دُوني باطنًا مُتجَهِّما2
فأبْدىٰ كرَوْضِ الحَزْنِ [رَفَّتْ] فُرُوعُهُ
وأضْمرَ كاللَّيلِ الخُدارِيِّ مُظْلِما3
ولَوْ أنَّني كَشَّفْتُهُ عنْ ضَميرِهِ
أقمْتُ علىٰ ما بَيْنَنا اليومَ مَأْتَما4
فلا باسِطًا بالسُّوءِ إنْ ساءَني يدًا
ولا فاغِرًا بالذَّمِّ إنْ رابَني فَما5
كعُضْوٍ رَمَتْ فيهِ اللَّيالي بفادِحٍ
ومَنْ حَمَلَ العُضْوَ الأليمَ تألَّما6
إذا أمرَ الطَّبُّ اللَّبيبُ بقَطْعِهِ
أقولُ: عسىٰ ـ ضَنًّا بهِ ـ ولَعَلَّما!7
صَبَرْتُ علىٰ إيلامِهِ خَوْفَ نَقْصِهِ
ومَنْ لامَ مَنْ لا يَرْعَوِي كانَ ألْوَما!8
هيَ الكَفُّ مَضٌّ تَرْكُها بعدَ دائِها
وإنْ قُطِعَتْ شانَتْ ذِراعًا ومِعْصَما9
أراكَ علىٰ قَلْبي ـ وإنْ كنْتَ عاصِيًا ـ
أعَزَّ منَ القَلْبِ المُطيعِ وأكْرَما
حملْتُكَ حَمْلَ العَيْنِ لَجَّ بها القَذىٰ
ولا تَنْجَلي يومًا ولا تَبْلُغُ العَمىٰ!10
دَعِ المَرْءَ مَطْوِيًّا علىٰ ما ذَمَمْتَهُ
ولا تَنْشُرِ الدَّاءَ العُضالَ فتَنْدَما11
إذا العُضْوُ لمْ يُؤْلِمْكَ إلَّا قَطَعْتَهُ
علىٰ مَضَضٍ، لمْ تُبْقِ لحمًا ولا دَما!12
ومَنْ لمْ يُوَطِّنْ للصَّغيرِ منَ الأذىٰ
تَعرَّضَ أنْ يَلْقىٰ أجَلَّ وأعْظَما13

شرح الغريب (1-13)

  1. زاغَتْ: مالَتْ. الكُعوب: ج الكَعْب؛ وهو العقدةُ بين الأنبوبتين. الغَمْز: العَصْرُ باليدِ والتليين؛ كأنه يحاولُ بذلك تقويمَ الرمح.
  2. المتبلِّج: الواضحُ المُشرِق. أدمجَ: أضمرَ. المتجهِّم: الكالحُ العابس.
  3. الحَزْن: ما غَلُظَ من الأرض، والروضُ في الحَزْنِ أحسنُ منه في السهل. رَفَّتْ: اهتزَّتْ وتنعَّمَتْ وتلألأتْ. الخُداريّ: الليلُ المظلم. في الديوان: «رقَّتْ»، تصحيف.
  4. كشَّفَه عن الأمر: أكرهَه على إظهاره.
  5. فاغرًا: فاتحًا. رابَني: عرفْتُ منه الرِّيبة.
  6. الفادح: الأمرُ الثقيل.
  7. الطَّبُّ: الحاذقُ الماهر.
  8. يرعوي: يكفُّ ويرتدعُ.
  9. المَضُّ: الألم والحُرْقة.
  10. لَجَّ بها: تمادى وأبى الانصرافَ عنها. القذى: ما يقعُ في العينِ من الأذى. تنجلي: تنكشفُ؛ أي: يزولُ عنها القذى.
  11. العُضال: الشديدُ المُعْجِز.
  12. على مَضَضٍ: أيْ كارهًا متألِّمًا؛ والمَضَض: وجعُ المصيبة.
  13. وطَّنَ نفسَه للأمر: مهَّدَها، وحملَها عليه.
التوثيق

أنَفٌ وإباء

الموفَّق الإربِلي

رُبَّ دارٍ [بالغَضىٰ] طالَ بِلاها
عَكَفَ الرَّكْبُ علَيْها فبَكاها1
دَرَسَتْ إلَّا بقايا أسْطُرٍ
سَمَحَ الدَّهرُ بها ثمَّ مَحاها2
كانَ لي فيها زمانٌ وانْقَضىٰ
فسَقَى اللهُ زماني وسَقاها
وقفَتْ فيها الغَوادِي وِقْفةً
ألْصَقَتْ حَرَّ ثَراها بحَشاها3
وبَكَتْ أطْلالَها نائبةً
عنْ جُفُوني، أحْسَنَ اللهُ جَزاها!4
قُلْ لجِيرانٍ مَواثِيقُهمُ
كلَّما أحكَمْتُها رَثَّتْ قُواها:5
كُنْتُ مَشْغُوفًا بكُمْ إذْ كُنْتُمُ
شَجرًا لا يَبْلُغُ الطَّيرُ ذُراها6
لا تَبِيتُ اللَّيْلَ إلَّا حَوْلَها
حَرَسٌ تَرْشَحُ بالموتِ ظُباها7
وإذا مُدَّتْ إلىٰ أغصانِها
كفُّ جانٍ قُطِعَتْ دُونَ جَناها8
فتَراخَى الأمرُ حتَّىٰ أصبحَتْ
هَمَلًا يَطْمعُ فيها مَنْ يَراها9
لا يَراني اللهُ أرْعىٰ رَوْضةً
سهلةَ الأكنافِ مَنْ شاءَ رَعاها10
تُخْصِبُ الأرضُ فلا أقْرَبُها
رائدًا إلَّا إذا عَزَّ حِماها!11

شرح الغريب (1-11)

  1. الغضى: شجرٌ من الأَثْل (ج الغَضاة)، والمرادُ مكانٌ يكثرُ فيه. البِلى: الفَناء. عكفَ على الشيء: أقبلَ عليه ولَزِمَه. الرَّكْب: ج الراكب.
  2. درسَتْ: ذهبَ أثرُها.
  3. الغوادي: ج الغادية؛ وهي السحابة تُمطِرُ غُدْوةً. الحَشا: ما انضمَّتْ عليه الضلوع؛ والمراد به هنا: الأمطار.
  4. الأطلال: ج الطَّلَل؛ وهو ما بقيَ شاخصًا من آثار الديار.
  5. أحْكَمَ الميثاقَ: وثَّقَه وقوَّاه. رَثَّتْ: بَلِيَتْ. القُوى: ج القُوَّة؛ وهي الطاقةُ من طاقاتِ الحَبْل، واشتهرَ إطلاقُ الحَبْلِ على العهد.
  6. المشغوف: المُولَع.
  7. تَرْشَحُ: تَنْضَحُ وتسيلُ. الظُّبا: ج الظُّبَة؛ وهي حدُّ السيف والسِّنان ونحوِهما.
  8. الجَنى: ما يُجتنى من الشجر.
  9. تراخى: ضَعُفَ وتأخَّرَ. الهَمَل: المُهمَلُ المتروكُ سُدًى.
  10. الأكناف: ج الكَنَف؛ وهو الجانب، أو الظِّلُّ.
  11. الرائد: الذي يُرسَلُ في طلبِ الكَلَأ. الحِمى: الموضعُ فيه كلأٌ يُحمى من الناسِ أنْ يُرعى.
ترجمة الإربلي:
محمد بن يوسف بن محمد البحراني الإربلي، موفق الدين (ت 585ھ): شاعر، من علماء العربية ونقد الشعر والموسيقا. أصله من إربل، ومولده ومنشؤه بالبحرين، كان أبوه يتّجر في اللؤلؤ من مغاصها. ورحل محمد إلى شهرزور ودمشق، ومدح السلطان صلاح الدين، ومات بإربل. له ديوان شعر، ورسائل حسنة.
التوثيق

تحنانُ غريب

ابن عُنَيْن

حَنِينٌ إلى الأوطانِ ليسَ يَزُولُ
وقلبٌ عنِ الأشواقِ ليسَ يَحُولُ1
ألا ليتَ شِعْري! هلْ أبِيتَنَّ ليلةً
وظِلُّكِ يا مَقْرَىٰ عليَّ ظَلِيلُ؟2
وهلْ أرَيَنِّي بعدَما شَطَّتِ النَّوىٰ
ولي في رُبا رَوْضٍ هناكَ مَقِيلُ؟3
دِمَشْقُ.. فبِي شَوْقٌ إليها مُبَرِّحٌ
وإنْ لَجَّ واشٍ أوْ ألَحَّ عَذُولُ4
وفي كَبِدِي مِنْ قاسِيُونَ حَزازةٌ
تَزُولُ رَواسِيهِ وليسَ تَزُولُ5
دِيارٌ بها الحَصْباءُ دُرٌّ، وتُرْبُها
عَبِيرٌ، وأنفاسُ الشَّمالِ شَمُولُ6
فلِلهِ أيَّامي وغُصْنُ الصِّبا بها
وَرِيقٌ، وإذْ وَجْهُ الزَّمانِ صَقِيلُ7
هيَ الغَرَضُ الأقصىٰ وإنْ لمْ يَكُنْ بها
صَدِيقٌ، ولم يُصْفِ الوِدادَ خَلِيلُ8
وكمْ قائلٍ: في الأرضِ للحُرِّ مَذْهبٌ
إِذا جارَ دهرٌ واستحالَ مَلُولُ9
وما نافِعي أنَّ المياهَ سَوائحٌ
عِذابٌ، ولم يُنْقَعْ بهِنَّ غَلِيلُ؟!10
فَقَدْتُ الصِّبا والأهلَ والدَّارَ والهوىٰ
فلِلهِ صَبْري إنَّهُ لَجميلُ!
وَواللهِ ما فارَقْتُها عنْ مَلالةٍ
سِوايَ عنِ العهدِ القديمِ يَحُولُ
ولكنْ أبَتْ أنْ تَحمِلَ الضَّيْمَ هِمَّتي
ونَفْسٌ لها فوقَ السِّماكِ حُلُولُ11
فإِنَّ الفتىٰ يَلْقَى المَنايا مُكَرَّمًا
ويَكْرَهُ طُولَ العُمْرِ وهْوَ ذليلُ12
تَعافُ الوُرُودَ الحائماتُ معَ القَذىٰ
وللقَيْظِ في أكْبادِهنَّ صَلِيلُ13
سألْثَمُ إنْ وافَيْتُها ذلكَ الثَّرىٰ
وهَيْهاتَ.. حالَتْ دُونَ ذاكَ حُؤُولُ14
يُعانِدُني صَرْفُ الزَّمانِ كأنَّما
عليَّ لأحداثِ الزَّمانِ ذُحُولُ!15

شرح الغريب (1-15)

  1. يحولُ عنها: يَرجِعُ عنها، يتغيَّرُ.
  2. ليتَ شِعري: ليتني أعْلَمُ. مَقْرى: قريةٌ دمشقيةٌ قديمة، كانت تقعُ شرقيَّ الصالِحيَّة. ظليل: دائمُ الظلِّ.
  3. شطَّتْ: بَعُدَتْ. النَّوى: الدار، والناحيةُ يُذهَبُ إليها. المَقِيل: الاستراحةُ نصفَ النهار، وموضع القيلولة.
  4. مبرِّح: شديد. لجَّ: تمادى. العَذول: اللائم.
  5. قاسِيون: الجبلُ المُطلُّ على دمشق. الحَزازة: الهمُّ يَحُزُّ القلبَ. الرَّواسي: الثابتة الراسخة؛ أي: صخوره وحجارته.
  6. الحَصْباء: صغارُ الحجارة. العبير: أخْلاطٌ من الطِّيبِ تُجمَعُ بالزَّعفران. الشَّمال: ريحٌ تهبُّ من جهةِ الشَّمال. الشَّمول: الخمر.
  7. الوَريق: كثيرُ الوَرَق. الصَّقيل: المَجْلوُّ الناعم.
  8. أصفاه الوِدادَ: أخلَصَه له.
  9. جارَ: ظلمَ. استحالَ: تغيَّرَ، واعوجَّ بعدَ استواء.
  10. السوائح: ج السائحة؛ وهي السائلة الجارية. نَقَعَ الماءُ العطشَ: سكَّنَه وأذهبَه. الغليل: شدَّةُ العطش.
  11. الضَّيم: الظُّلم والإذلال. السِّماك: نجمٌ نيِّر؛ وهما سِماكان: الأعزلُ والرامِح.
  12. المَنايا: ج المَنِيَّة؛ وهي الموت.
  13. تعافُ: تَكْرهُ. الوُرود: حضورُ الماءِ للشرب. الحائمات: العِطاش. القذى: ما يسقطُ في الشراب من الأذى. القيظ: حرارة الصيف. الصَّليل: صوتٌ كالبُحَّة؛ يُسمَعُ من الجوفِ إذا جفَّ من شدَّةِ العطش.
  14. لَثِمَه يَلْثَمُه: قبَّلَه. هيهاتَ: اسمُ فعلٍ بمعنى البُعد. حالتْ: اعترضَتْ. الحُؤول: السِّنون (ج الحَوْل).
  15. صَرْفُ الزمان: نوائبُه. الذُّحُول: ج الذَّحْل؛ وهو الثأر، والحقد.
ترجمة ابن عنين:
محمد بن نصر الله بن مكارم بن الحسن بن عنين الدمشقي الأنصاري (ت 630ھ): أعظم شعراء عصره، مولده ووفاته في دمشق، كان يقول: إن أصله من الكوفة، من الأنصار. وكان هجّاء، قلّ من سلم من شره في دمشق؛ حتى السلطان صلاح الدين والملك العادل. ونفاه صلاح الدين، فذهب إلى العراق والجزيرة وأذربيجان وخراسان والهند واليمن ومصر، وعاد إلى دمشق بعد وفاة صلاح الدين، فمدح الملك العادل وتقرب منه. وكان وافر الحرمة عند الملوك.
التوثيق
الصفحة 2 من 4