الحقيقةُ الغائبة

البحتري

أَطِلْ جَفْوةَ الدُّنيا وتَهْوِينَ شَأْنِها
فما [الغافلُ] المغرورُ [فيها] بعاقلِ1
يُرَجِّي الخُلودَ مَعْشَرٌ ضَلَّ سَعْيُهمْ
ودُونَ الَّذي يَرْجُونَ غَوْلُ الغَوائلِ2
وليسَ الأمانِي في البَقاءِ، وإنْ مَضَتْ
بها عادةٌ، إلَّا أحاديثُ باطلِ
إذا ما حَرِيزُ القَوْمِ باتَ وما لَهُ
منَ اللهِ واقٍ، فَهْوَ بادِي المَقاتِلِ!3
وما المُفْلِتُونَ أجْمَلَ الدَّهرُ فِيهمُ
بأكْثَرَ مِنْ أعدادِ مَنْ في الحَبائلِ4
يُسارُ بنا قَصْدَ المَنُونِ، وإنَّنا
لَنَشْعَفُ أحيانًا بطَيِّ المَراحِلِ!5
عِجالًا منَ الدُّنيا بأسْرَعِ سَعْيِنا
إلىٰ آجِلٍ مِنْها شَبِيهٍ بعاجِلِ
أواخِرُ مِنْ عَيْشٍ، إذا ما امْتَحَنْتَها
تأمَّلْتَ أمْثالًا لها في الأوائلِ6
وما عامُكَ الماضي، وإنْ أفْرَطَتْ بهِ
عجائبُهُ، إلَّا أخُو عامِ قابِلِ!7
غَفَلْنا عنِ الأيَّامِ [أطْوَلَ] غَفْلةٍ
وما خَوْنُها المَخْشِيُّ عنَّا بغافلِ8
تَغَلْغَلَ رُوَّادُ الفَناءِ، ونَقَّبَتْ
دَواعِي المَنُونِ عنْ جَوادٍ وباخِلِ9

شرح الغريب (1-9)

  1. الجَفْوة: النُّفور والتباعد. في الديوان: «فما العاقلُ المغرورُ منها بعاقلِ»، والمثبَت من (كتاب الصناعتين) أعلى وأجوَد.
  2. الغوائل: ج الغائلة؛ وهي الشرُّ والداهية. وغالَتْهم: أي أخذَتْهم من حيث لا يدرون؛ فأهلكَتْهم.
  3. الحَرِيز: الحَصِين المَنِيع. المَقاتِل: ج المَقْتَل؛ وهو المكان الذي إذا أُصيب فيه الإنسانُ لا يكاد يَسْلَمُ.
  4. أجملَ فيهم: رَفَقَ بهم. الحَبائل: ج الحِبالة؛ وهي المِصْيَدة.
  5. قَصْدَ: جهةَ. المَنُون: الموت. شَعِفَ بالشيء: أحبَّه وشُغِلَ به. المَراحل: ج المَرْحلة؛ وهي مسافة يَطْويها المسافرُ في يوم تقريبًا؛ أي: يقطعُها.
  6. امتحنَ الشيءَ: نظرَ فيه وتدبَّره.
  7. عامُ قابِلٍ: هو العامُ المقبِلُ، وأصله: عامٌ قابلٌ، ثم أُضيف العامُ إلى صفته.
  8. الخَوْن: النقص، والغدر. وخَوْنُ الدنيا: تغييرُها الحالَ من اللِّين إلى الشِّدَّة. في الأصل: «أطوعَ غفلة»، والمثبَت من (الموازنة) للآمدي.
  9. تغلغلَ: أسرعَ. الرُّوَّاد: ج الرائد؛ وهو من يتقدَّم القومَ، يبصرُ لهم الكلأَ ومَساقِطَ الغيث. وفي تشبيه السابق إلى الفناء بالرائد الذي يتبعه قومُه بلاغةٌ عالية. نقَّبَتْ عنهم: بحثَتْ عنهم بحثًا بليغًا. دواعي المَنُون: أسباب الموت.
التوثيق

داءُ الشرق

أحمد محرَّم

داءُ أهلِ الشَّرقِ ضَعْفُ الهِمَمِ
وبهذا كانَ موتُ الأُمَمِ
يا بَني الشَّرقِ، ولا شَرْقَ لكمْ
بسِوَى الجِدِّ ورَعْيِ الذِّمَمِ
ما لكمْ لا تَنْجَلي غُمَّتُكمْ؟
أتُحِبُّونَ اشْتِدادَ الغُمَمِ؟!1
فَرِّجُوها واكْشِفُوا ظُلْمتَها
بقُوًى كَشَّافةٍ للظُّلَمِ
خُنْتُمُ العهدَ فبِتُّمْ نُوَّمًا
ضَلَّ سَعْيُ الخائنينَ النُّوَّمِ!
يا بَني الشَّرقِ أفِيقُوا إنَّما
خَدَعَتْكمْ كاذباتُ الحُلُمِ
إنَّ مِنْ شَرِّ البَلايا نومُكمْ
عنْ عدوٍّ ساهرٍ لمْ يَنَمِ!
يَقِظِ العَيْنَيْنِ والرَّأيِ معًا
وهْوَ ماضٍ كالحُسامِ المِخْذَمِ2
لا تَظُنُّوا المجْدَ شيئًا هَيِّنًا
إنَّهُ في لَهَواتِ الضَّيْغَمِ3
هٰكذا نحنُ وهَذِي حالُنا
ليسَ فينا غيرُ نِكْسٍ مُحْجِمِ4
واهنِ العَزْمِ ضعيفٍ قلبُه
غيرِ ثَبْتِ الجَأْشِ في المُزْدَحَمِ5
يا بَني الشَّرقِ لمجْدٍ ضائعٍ
مَنْ بكىٰ ضَيْعتَهُ لمْ يُلَمِ
كانَ بالأمسِ مَنيعًا صَرْحُهُ
يَتَسامىٰ فوقَ هامِ الأنْجُمِ6
أصبحَ اليومَ كرَبْعٍ دارِسٍ
طامِسٍ، عَفَّتْهُ أيدِي القِدَمِ7
قدْ شَجاني وشَجاهُ أنَّهُ
بسِوىٰ أيدِيكمُ لمْ يُهْدَمِ!8
جَدِّدُوهُ وامْنَعُوا حَوْزتَهُ
وادْفَعُوا عنهُ يدَ المُهْتَضِمِ9
وارْفَعُوا بُنْيانَهُ حتَّىٰ يُرىٰ
كالَّذي كانَ؛ أشَمَّ القِمَمِ10
إنَّني أخْشىٰ وبالشَّرقِ صَدًى
أنْ يُرَوَّىٰ مِنْ بَنِيهِ بالدَّمِ11
وأرىٰ موتَ الفتىٰ خيرًا لهُ
مِنْ حياةٍ بينَ نابَيْ أرْقَمِ12
أصبحَ الشَّرقُ كبيرًا هَرِمًا
لَهْفَ نَفْسِي للكبيرِ الهَرِمِ!13
أكْرِمُوه يا بَنِيهِ، إنَّهُ
ليسَ يَرْضَى الشَّيخُ إنْ لمْ يُكْرَمِ
اُزْجُرُوا أنْفُسَكمْ عنْ غَيِّها
إنَّ عُقْبَى الغَيِّ طُولُ النَّدمِ14

شرح الغريب (1-14)

  1. الغُمَّة: الكَرْب والضِّيق والظُّلْمة.
  2. المِخْذَم: السيف القاطع.
  3. اللَّهوات: ج اللَّهاة؛ وهي اللَّحمة المُشْرِفة على الحَلْق. الضَّيغم: الأسد الواسع الشِّدْق.
  4. النِّكْس: الضَّعيف، والمقصِّر عن غاية النَّجدة والكرم. المُحْجِم: ضِدُّ المُقْدِم.
  5. الجَأْش: القلب أو النَّفْس. المُزْدحَم: المُعْترَك.
  6. الصَّرْح: القَصْر العالي. الهام: ج الهامَة؛ وهي أعلى الرأس.
  7. الرَّبْع: المنزل. الدارس والطامس: الذي ذهب أثرُه. عَفَّتْه: أزالَتْه ومَحَتْه.
  8. شجاه الأمرُ: أحزنَه.
  9. الحَوْزة: الناحية. المُهتضِم: الظالم.
  10. الأشمّ: المرتفع العالي.
  11. الصَّدى: العطش.
  12. الأرقم: أخبثُ الحيَّات.
  13. لهفَ نفسي: عبارة يُتَحسَّر بها على ما فات.
  14. الغيّ: الجهل والانهماك في الباطل.
ترجمة محرم:
أحمد محرم
أحمد محرم بن حسن عبد الله (ت 1364ھ/ 1945م): شاعر مصري، حسن الرصف، نقي الديباجة، تركي الأصل أو شركسي، ولد في شهر المحرم فسمي باسمه. تلقى مبادئ العلوم وتثقف على يد أحد الأزهريين، وسكن دمنهور بعد وفاة أبيه، فعاش يتكسب بالنشر والكتابة. حفلت أيامه بأحداث السياسة والأحزاب، فانفرد برأيه مستقلًّا عن كل حزب. له: ديوان محرم، ديوان الإسلام (الإلياذة الإسلامية).
التوثيق

الشاعرُ المعلِّم

إبراهيم طُوقان

شَوْقي يقولُ وما دَرىٰ بمُصِيبتي:
«قُمْ للمُعلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلا»1
اُقْعُدْ فَدَيْتُكَ، هلْ يكونُ مُبَجَّلًا
مَنْ كانَ للنَّشْءِ الصِّغارِ خَلِيلا؟!2
ويَكادُ [يَقْتُلُني] الأميرُ بقَوْلِه:
«كادَ المعلِّمُ أنْ يكونَ رَسُولا»!
لَوْ جَرَّبَ التَّعليمَ شَوْقي ساعةً
لَقَضَى الحياةَ شَقاوةً وخُمُولا!
حَسْبُ المعلِّمِ غُمَّةً وكَآبةً
مَرْأَى الدَّفاتِرِ بُكْرةً وأصِيلا3
مِئةٌ علىٰ مِئةٍ.. إذا هيَ صُلِّحَتْ
وَجَدَ العَمىٰ نَحْوَ العُيُونِ سَبِيلا!
ولَوَ انَّ في التَّصْلِيحِ نَفْعًا يُرْتَجىٰ
وأبِيكَ لَمْ أَكُ بالعُيُونِ بَخِيلا4
لكنْ أُصَلِّحُ غَلْطةً نَحْوِيَّةً
مَثَلًا، وأتَّخِذُ الكِتابَ دَلِيلا5
مُسْتَشْهِدًا بالغُرِّ مِنْ آياتِهِ
أوْ بالحَدِيثِ مُفَصَّلًا تَفْصِيلا6
وأغُوصُ في الشِّعْرِ القَديمِ فأَنْتَقِي
ما ليسَ مُلْتَبِسًا ولا مَبْذُولا7
وأكادُ أَبْعَثُ سِيبَوَيْهِ مِنَ البِلىٰ
وذَوِيهِ مِنْ أهْلِ القُرُونِ الأُولىٰ8
فأَرىٰ حِمارًا بَعْدَ ذلكَ كُلِّهِ
رَفَعَ المُضافَ إليهِ والمَفْعُولا!!
لا تَعْجَبُوا إنْ صِحْتُ يَوْمًا صَيْحةً
ووَقَعْتُ ما بينَ [الصُّفوفِ] قَتِيلا9
يا مَنْ يُرِيدُ الإنْتِحارَ، وَجَدْتُهُ:
إنَّ المعلِّمَ لا يَعِيشُ طَوِيلا!10

شرح الغريب (1-10)

  1. شوقي: أميرُ الشعراءِ أحمد شوقي. وفَّاه التَّبجيلَ: أدَّى حقَّ تعظيمِه وافيًا تامًّا.
  2. النَّشْء: ج النَّاشِئ؛ وهو الغلامُ جاوزَ حدَّ الصِّغَرِ وشبَّ.
  3. حَسْبُه: يَكْفِيه. الغُمَّة: الكَرْب والحزن. الأصيل: وقتُ اصفرارِ الشمسِ لمغربِها.
  4. ولوَ انَّ: همزةُ (أنَّ) هنا همزةُ وصلٍ للضرورة، تُلفظ مع (لَوْ) هكذا: (لَوَنَّ). لم أَكُ: لم أَكُنْ.
  5. الكتاب: القرآن الكريم.
  6. الغُرُّ: ج الغَرَّاء؛ وهي البيضاءُ الواضحة. الحديث: يعني الحديثَ النبويَّ الشريف.
  7. المبذول (هنا): بمعنى الضعيفِ النازل. يعني أنه يختارُ من شواهدِ الشِّعرِ أشرفَها وأعلاها.
  8. سِيبَوَيْه: عَمْرُو بنُ عثمانَ بنِ قَنْبَر (ت180ﻫ)، إمامُ النحوِ العربي. البِلى: الفَناء.
  9. الصُّفوف: ج الصَّفِّ؛ وهو أحدُ أقسامِ المدرسة، ويُسمَّى «الفَصْلَ» أيضًا (الكلمتان مُحْدَثتان). في الأصل: «ما بينَ البُنُوكِ»؛ يعني مقاعدَ الدراسة.
  10. الانتحار: قُطِعَت الهمزةُ لضرورةِ الوزن.
ترجمة طوقان:
إبراهيم طوقان
إبراهيم بن عبد الفتاح طوقان (ت 1360ھ/ 1941م): شاعر غَزِل، من أهل نابلس بفلسطين. قال فيه أحد كتّابها: «عذب النغمات، ساحر الرنات، تقسَّم بين هوًى دفين، ووطن حزين». تعلم في الجامعة الأميركية ببيروت، وبرع في الأدبين العربي والإنجليزي، وتولى قسم المحاضرات في محطة الإذاعة بفلسطين نحو خمس سنين، وانتقل إلى بغداد مدرسًا، ثم عاد إلى بلده نابلس مريضًا، وتوفي في القدس. وكان وديعًا مرحًا.
التوثيق

غِراسُ الأمَّهات

معروف الرُّصافي

هيَ الأخلاقُ تَنْبُتُ كالنَّباتِ
إذا سُقِيَتْ بماءِ المَكْرُماتِ
تَقُومُ إذا تَعَهَّدَها المُرَبِّي
علىٰ ساقِ الفَضِيلةِ مُثْمِراتِ1
وتَسْمُو للمَكارِمِ باتِّساقٍ
كما اتَّسَقَتْ أنابِيبُ القَناةِ2
وتُنْعِشُ مِنْ صَمِيمِ المَجْدِ رُوحًا
بأزهارٍ لها مُتَضَوِّعاتِ3
ولمْ أرَ للخَلائقِ مِنْ مَحَلٍّ
يُهَذِّبُها كحِضْنِ الأُمَّهاتِ4
فحِضْنُ الأُمِّ مَدْرَسةٌ تَسامَتْ
بتَرْبيةِ البَنِينَ أوِ البَناتِ
وأخلاقُ الوَلِيدِ تُقاسُ حُسْنًا
بأخلاقِ النِّساءِ الوالِداتِ
وليسَ رَبِيبُ عالِيَةِ المَزايا
كمِثْلِ رَبِيبِ سافِلةِ الصِّفاتِ5
وليسَ النَّبْتُ يَنْبُتُ في جِنانٍ
كمِثْلِ النَّبْتِ يَنْبُتُ في الفَلاةِ6
فيا صَدرَ الفَتاةِ رَحُبْتَ صَدْرًا
فأنتَ مَقَرُّ أسْنَى العاطِفاتِ7
نراكَ إذا ضَمَمْتَ الطِّفْلَ لَوْحًا
يَفُوقُ جَمِيعَ ألواحِ الحياةِ
إذا اسْتَندَ الوَلِيدُ [إليكَ] لاحَتْ
تَصاوِيرُ الحَنانِ مُصَوَّراتِ
لأخلاقِ الصَّبِيِّ بكَ انْعِكاسٌ
كما انْعَكسَ الخَيالُ علَى المِرَاةِ8
وما ضَرَبانُ قَلْبِكَ غيرُ دَرْسٍ
لتَلْقِينِ الخِصالِ الفاضِلاتِ9
فأوَّلُ دَرْسِ تَهْذِيبِ السَّجايا
يكونُ عليكَ يا صَدْرَ الفَتاةِ10
فكيفَ نَظُنُّ بالأبْناءِ خَيْرًا
إذا نَشَؤُوا بحِضْنِ الجاهلاتِ؟!
وهلْ يُرْجىٰ لأطفالٍ كَمالٌ
إذا ارْتَضَعُوا ثُدِيَّ النَّاقِصاتِ؟!11
فما لِلأُمَّهاتِ جَهِلْنَ حتَّىٰ
أتَيْنَ بكُلِّ طَيَّاشِ الحَصاةِ؟!12
حَنَوْنَ علَى الرَّضِيعِ بغيرِ عِلْمٍ
فضاعَ حُنُوُّ تلكَ المُرْضِعاتِ
أأُمَّ المُؤمِنينَ إليكِ نَشْكُو
مُصِيبَتَنا بجَهْلِ المُؤمِناتِ13
فتِلْكِ مُصِيبةٌ يا أُمُّ مِنْها
«نَكادُ نَغَصُّ بالماءِ الفُراتِ»14
تَخِذْنا بَعْدَكِ العاداتِ دِينًا
فأشْقَى المُسْلِمونَ المُسْلِماتِ15
فقدْ سَلَكُوا بهِنَّ سَبِيلَ خُسْرٍ
وصَدُّوهُنَّ عنْ سُبُلِ الحياةِ
وقالُوا: شِرْعةُ الإسلامِ تَقْضِي
بتَفْضِيلِ (الَّذينَ) علَى (اللَّواتي)!
فماذا اليومَ ضَرَّ لَوِ الْتَفَتْنا
إلىٰ أسْلافِنا بعضَ الْتِفاتِ؟!
فهُمْ سارُوا بنَهْجِ هُدًى وسِرْنا
بمِنْهاجِ التَّفرُّقِ والشَّتاتِ

شرح الغريب (1-15)

  1. تعهَّدَها: تفقَّدَها واعتنى بها.
  2. اتَّسقَ الشَّيءُ اتِّساقًا: اجتمعَ وانضمَّ وانتظمَ. القَناة: الرُّمح، وكلُّ عصًا مستوية. الأنابيب: ج الأُنْبُوب؛ وهو ما بين العُقْدتينِ من القَناة.
  3. تُنعِشُ الرُّوحَ: تُعِيدُ إليها النَّشاطَ. الصَّمِيمُ من كلِّ شيءٍ: أصلُه، وخالِصُه. تضوَّعَتِ الزَّهرةُ: فاحَتْ رائحتُها. في المطبوع: «تُنعِشُ»، الواو ساقطة.
  4. الخلائق: ج الخَلِيقة؛ وهي الطبيعةُ التي يُخلَقُ المرءُ بها.
  5. الرَّبيب: المُرَبَّى.
  6. الفَلاة: القَفْرُ من الأرض، أو الصَّحراءُ الواسعة.
  7. رَحُبَ: اتَّسعَ. أسْنَى العاطفاتِ: أرْفَعُها وأشْرَفُها.
  8. المِرَاة: المِرْآة. حُذفَتِ الهمزةُ للضَّرورة، وأُلقيَتْ حركتُها على الراء.
  9. ضَرَبانُ القلبِ: خَفَقانُه. الخِصال: ج الخَصْلة؛ وهي خُلُقٌ في الإنسان؛ يكون فضيلةً أو رذيلةً.
  10. السَّجايا: ج السَّجِيَّة؛ وهي المَلَكةُ الرَّاسخةُ في النَّفْس، التي لا تَقْبلُ الزَّوالَ بسهولة.
  11. ارتضَعُوا: رَضَعُوا. الثُّدِيُّ: ج الثَّدْي.
  12. الطَّيَّاش: الأرعَنُ المتسرِّع. الحَصاة: العَقْلُ والرَّأي.
  13. أمُّ المؤمنين: أرادَ عائشةَ .
  14. الفُرات: العَذْبُ جِدًّا. والشَّطرُ الثاني مقتبسٌ من شاهدٍ نَحْويٍّ مشهور، يُنسبُ إلى عبدِ اللهِ بنِ يَعْرُبَ وغيرِه، وأوَّلُه: «فساغَ ليَ الشَّرابُ وكنتُ قَبْلًا/ أكادُ أغَصُّ…».
  15. تَخِذْنا: اتَّخَذْنا.
ترجمة الرصافي:
معروف الرصافي
معروف بن عبد الغني البغدادي الرصافي (ت 1364ھ/ 1945م): شاعر العراق في عصره. ولد ببغداد، ونشأ بها في الرصافة، وتتلمذ لمحمود شكري الآلوسي في علوم العربية وغيرها زهاء عشر سنوات، واشتغل بالتعليم. نظم أروع قصائده في الاجتماع والثورة على الظلم، وكان جزل الألفاظ في أكثر شعره، عالي الأسلوب حتى في مجونه، هجّاءً مرًّا، وصّافًا مجيدًا، ملأ الأسماع دويًّا في بدء شهرته. نشأ وعاش ومات فقيرًا.
التوثيق

دارُ العناء

أبو العلاء المعري

حَياةٌ عَناءٌ، ومَوْتٌ عَنا
فلَيْتَ بَعِيدَ حِمامٍ دَنا1
يدٌ صَفِرَتْ، ولَهاةٌ ذَوَتْ،
ونَفْسٌ تَمَنَّتْ، وطَرْفٌ رَنا2
ومُوقِدُ نِيرانِه في الدُّجىٰ
يَرُومُ سَناءً برَفْعِ السَّنا3
يُحاوِلُ مَنْ عاشَ سَتْرَ القَمِيصِ،
ومَلْءَ الخَمِيصِ، وبُرْءَ الضَّنىٰ4
ومَنْ ضَمَّهُ جَدَثٌ لمْ يُبَلْ
علىٰ ما أفادَ ولا ما اقْتَنىٰ5
يَصِيرُ تُرابًا، سَواءٌ عَلَيْـ
ـهِ مَسُّ الحَرِيرِ وطَعْنُ القَنا6
ولا يَزْدَهِي غَضَبٌ حِلْمَهُ
أَلَقَّبَه ذاكِرٌ أمْ كَنىٰ7
يُهَنَّأُ بالخيرِ مَنْ نالَهُ
وليسَ الهَناءُ علىٰ ما هُنا!
وأَقْرِبْ لمَنْ كانَ في غِبْطةٍ
بلُقْيا المَنىٰ مِنْ لِقاءِ المُنىٰ!8
يُنافي ابنُ آدمَ حالَ الغُصُونِ:
فهاتِيكَ أجْنَتْ، وهذا جَنىٰ9
تُغَيِّرُ حِنَّاؤُهُ شَيْبَهُ
فهلْ غَيَّرَ الظَّهرَ لمَّا انْحَنىٰ؟!10
ولي مَوْرِدٌ بإناءِ المَنُونِ
ولكنَّ مِيقاتَهُ ما أنىٰ11
زمانٌ يُخاطِبُ أبناءَهُ
جِهارًا، وقدْ جَهِلُوا ما عَنىٰ12
يُبَدِّلُ باليُسْرِ إعدامَهُ
وتَهْدِمُ أحداثُهُ ما بَنىٰ13
لقدْ فُزْتَ إنْ كنتَ تُعْطَى الجِنانَ
بمَكَّةَ إذْ زُرْتَها أو مِنىٰ!14

شرح الغريب (1-14)

  1. العَناء: التعب والمشقَّة. الحِمام: قَدَرُ الموت.
  2. صَفِرَتْ: خَلَتْ. اللَّهاة: اللَّحمةُ المُشْرِفةُ على الحَلْق. ذَوَتْ: ذَبُلَتْ. الطَّرْف: العَيْن. رنا: أدامَ النَّظرَ.
  3. يرومُ: يَطلُبُ. السَّناء: الشَّرف. السَّنا: الضَّوء.
  4. الخَمِيص: البَطْنُ الضَّامرُ من الجوع. بُرْءَ الضَّنى: أيْ شفاءَ المرَض.
  5. الجَدَث: القبر. لم يُبَلْ: لم يُبالِ. أفادَ فلانٌ المالَ: حصَّلَه واقتناه، وأفادَ فلانًا المالَ: أعطاه إيَّاه.
  6. القَنا: الرِّماح (ج القَناة).
  7. يَزْدهي: يَستخِفُّ ويستميلُ. كَناه: سمَّاه أبا فلان.
  8. أقْرِبْ به منه: ما أقربَه منه! الغِبْطة: حُسْنُ الحال. المَنى: الموت. يقول: ما أقربَ صاحبَ الأمنيَّةِ مِن لقاءِ المَنِيَّة!
  9. أجْنَى الشَّجرُ: نَضِجَ ثمرُه، وحانَ اجتناؤه. يقول: إنَّ طبيعةَ ابنِ آدمَ قائمةٌ على الأخذِ لا العطاء.
  10. الحِنَّاء: خِضابٌ أحمرُ يُؤخذُ من ورقِ شجرةِ الحِنَّاء.
  11. المَنُون: الموت. أنَى: حانَ وقَرُبَ.
  12. جِهارًا: عِيانًا، عَلانِيةً.
  13. الإعدام (هنا): الإفقار. وفي (معجم متن اللغة): «الإعدام: الإفقاد، وغلبَ قديمًا على الفَقْر، كما شاعَ عند أهلِ العصرِ في إفقادِ الحياة».
  14. مِنًى: موضعٌ بمكَّة (مذكَّر مصروف). المراد: أنَّ الإنسانَ لا ينفعُه حجُّه إذا بقيَ على أعمالِ السُّوء.
التوثيق

طبائعُ الدنيا الدنيَّة

أبو الطيب المتنبي

فؤادٌ ما تُسَلِّيهِ المُدامُ
وعُمْرٌ مِثْلُ ما تَهَبُ اللِّئامُ1
ودهرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ
وإنْ كانتْ لهمْ جُثَثٌ ضِخامُ!
وما أنا منهمُ بالعَيْشِ فيهمْ
ولكنْ مَعْدِنُ الذَّهبِ الرَّغامُ2
أرانبُ غيرَ أنَّهمُ مُلُوكٌ
مُفَتَّحةٌ عُيُونُهمُ نِيامُ!
بأجسامٍ يَحَرُّ القَتْلُ فيها
وما أقْرانُها إلَّا الطَّعامُ!3
وخَيْلٍ ما يَخِرُّ لها طَعِينٌ
كأنَّ قَنا فَوارسِها ثُمامُ!4
خَلِيلُكَ أنتَ لا مَنْ قُلْتَ: خِلِّي،
وإنْ كَثُرَ التَّجَمُّلُ والكلامُ5
ولَوْ حِيزَ الحِفاظُ بغيرِ عَقْلٍ
تَجَنَّبَ عُنْقَ صَيْقَلِهِ الحُسامُ6
وشِبْهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إليهِ
وأشْبَهُنا بدُنْيانا الطَّغامُ!7
ولَوْ لَمْ يَعْلُ إلَّا ذُو مَحَلٍّ
تَعالَى الجيشُ وانْحَطَّ القَتامُ!8
ولَوْ لَمْ يَرْعَ إلَّا مُسْتَحِقٌّ
لرُتْبتِهِ، أَسامَهمُ المُسامُ!9
ومَنْ خَبَرَ الغَواني فالغَواني
ضِياءٌ في بَواطنِهِ ظَلامُ10
إذا كانَ الشَّبابُ السُّكْرَ، والشَّيْـ
ـبُ هَمًّا، فالحياةُ هيَ الحِمامُ11
وما كلٌّ بمَعْذُورٍ ببُخْلٍ
ولا كلٌّ علىٰ بُخْلٍ يُلامُ!12

شرح الغريب (1-12)

  1. المُدام: الخمر. «مثلُ ما تهبُ اللِّئامُ»: كنايةٌ عن قِلَّتِه. يقول: إنَّ فؤادَه لا يتسلَّى بالخمرِ واللَّهوِ عن طلبِ المعالي؛ فإنَّ العمرَ أقصرُ من أنْ يتَّسعَ لذلك.
  2. المَعدِن: موضعُ استخراجِ الجوهر. الرَّغام: التراب. يقول: إنني لا أعُدُّ نفسي من هؤلاء الناسِ وإنْ عِشْتُ بينهم؛ كالذهبِ الذي يكون بين الترابِ ولا يُحسَبُ منه.
  3. يَحَرُّ: يشتدُّ. الأقران: ج القِرْن؛ وهو الكُفْءُ في الحرب. يقول: يقتلُهم الطعامُ؛ فيموتون بالتُّخَمةِ من كثرةِ الأكل.
  4. يَخِرُّ: يسقطُ. القَنا: الرِّماح. الثُّمام: نبتٌ ضعيف. أيْ أنَّ طعْنَهم لا يؤثِّرُ في المطعونِ لضعفِهم؛ فكأنهم يَطْعُنون بالثُّمام.
  5. يقول: لا خليلَ لأحدٍ على الحقيقةِ إلا نفسُه؛ فلا يثقِ الإنسانُ بصداقةِ أحد، وإن كان كثيرَ التملُّق.
  6. حِيزَ: مُلِكَ. الحِفاظ: المحافظةُ على الحقوق. الصَّيْقل: الذي يعملُ السيوفَ. الحسام: السيفُ القاطع. أي: لو أمكنَ أن يحافِظَ على المودَّةِ والوفاءِ ما لا عقلَ له، لكانَ السيفُ ينبو عن عنقِ صانعِه. والمعنى: أنهم لا عقولَ لهم؛ فلا يوثَقُ منهم بذِمام.
  7. الطَّغام: الأرذال والأوغاد. يقول: إن الشيءَ يميلُ إلى شِبْهه، والدنيا خسيسة؛ فهي لذلك تميلُ إلى الخِساس من الناس.
  8. المَحَلُّ: المكانةُ الرفيعة. القَتام: الغبار. يقول: إنَّ علوَّهم في الدنيا لا يدلُّ على فضيلتِهم واستحقاقِهم؛ فإنَّ الغبارَ يرتفعُ فوق الجيش، وهو مما تثيرُه الأقدامُ والحوافر.
  9. يَرْعَ: من الرعاية؛ بمعنى السياسة. المُسام: المالُ المُرسَلُ في مَراعيه، وأسامَه صاحبُه: إذا أرسلَه. يقول: هؤلاء شرٌّ من البهائم، فلو كانتِ الولايةُ بالاستحقاقِ لكانَ الراعي لهم البهائم؛ لأنها أشرفُ منهم وأعقل!
  10. خَبَرَ الشيءَ: بَلاه وامتحنَه، وعرفَ خبرَه على حقيقتِه. الغواني: النساءُ الحِسان.
  11. الحِمام: الموت. يقول: إذا كان الإنسانُ في شبيبتِه غائصًا في سُكْرٍ من اللَّهو والصِّبا، وعند مشيبِه غارقًا في بحرٍ من الهمّ، فحياتُه أشْبَهُ بالممات.
  12. لتفسيره وجهان؛ أحسنُهما: أنَّ الذي لا يُعذَرُ في بخلِه مَنْ وَلَدَتْه الكرام، والذي لا يلامُ على بخلِه مَنْ كان آباؤه لئامًا بُخلاء، ولم يتعلَّمْ غيرَ البخل، ولم يرَ في آبائه الجودَ والكرم.
التوثيق
زيادة بيان:

العزاءُ الجميل

إبراهيم بن كُنَيْف

تَعَزَّ فإنَّ الصَّبْرَ بالحُرِّ أجْمَلُ
وليسَ علىٰ رَيْبِ الزَّمانِ مُعَوَّلُ1
فلَوْ كانَ يُغْنِي أنْ يُرَى المَرْءُ جازِعًا
لِحادثةٍ أوْ كانَ يُغْنِي التَّذَلُّلُ
لَكانَ التَّعَزِّي عندَ كلِّ مُصِيبةٍ
ونائبةٍ بالحُرِّ أَوْلىٰ وأجْمَلُ2
فكيفَ وكلٌّ ليسَ يَعْدُو حِمامَهُ
وما لامْرِئٍ عمَّا قَضَى اللهُ مَزْحَلُ؟!3
فإنْ تَكُنِ الأيَّامُ فينا تَبَدَّلَتْ
ببُؤْسىٰ ونُعْمىٰ، والحوادثُ تَفْعَلُ4
فما لَيَّنَتْ منَّا قَناةً صَلِيبةً
ولا ذَلَّلَتْنا للَّذي ليسَ يَجْمُلُ5
ولكنْ رَحَلْناها نُفُوسًا كَرِيمةً
تُحَمَّلُ ما لا يُسْتطاعُ فتَحْمِلُ6
وَقَيْنا بحُسْنِ الصَّبْرِ مِنَّا نُفُوسَنا
فصَحَّتْ لنا الأعْراضُ، والنَّاسُ هُزَّلُ7

شرح الغريب (1-7)

  1. تَعَزَّ: تصبَّرْ. رَيْبُ الزمان: حوادثه وصُروفه. المُعَوَّل: المُعتمَد والمُتَّكَل. يريدُ أن الدهرَ متقلِّب؛ فلا يوثَقُ به.
  2. التعزِّي: التصبُّر. النائبة: المصيبة النازلة. يقول: لو كان في الجَزَعِ منفعةٌ لَمَا كان يَحْسُن، وكان الصبرُ أحسنَ منه، فكيف وليسَ فيه منفعة؟! والبيتُ التالي يوضِّحُه.
  3. يعدو: يتجاوزُ. الحِمام: قضاءُ الموتِ وقدَرُه. المَزْحَل: الموضعُ يُزحَلُ إليه؛ أي: يُبعَدُ.
  4. تبدَّلَتْ: تغيَّرَتْ. البُؤسى: البُؤس؛ وهو المشقَّة والفقر. «والحوادثُ تفعلُ»: جملة اعتراضية للتوكيد.
  5. القناة: الرمح، والعصا. الصَّليبة: الشديدة القوية. والعربُ تذكرُ القناةَ وصلابتَها؛ ضاربةً بها المثلَ في الامتناعِ والإباء.
  6. رَحَلْناها: حَمَلْنا عليها، من قولهم: رَحَلَ البعيرَ؛ إذا وضعَ عليه الرَّحْلَ. يقول: حمَّلْنا تلك الحوادثَ نفوسًا؛ تصبرُ كرمًا، ولا تُظهِرُ ألمًا.
  7. صحَّتْ: بَرِئَتْ من كلِّ عيب. أي: وأعراضُ الناسِ هزيلة؛ لقلَّة ِصبرِهم على الشدائد.
ترجمة ابن كُنيف:
إبراهيم بن كنيف النبهاني (ت …؟): شاعر إسلامي مقل، من شعراء (الحماسة)، لا تسعفنا كتب التراجم بشيء من سيرته، اشتهر بأبياته اللامية التي اتفقت مصادر الأدب على نسبتها إليه، وانفرد أبو علي الهجري في (التعليقات والنوادر)؛ فنسبها إلى بكر بن النطاح.
التوثيق
الصفحة 1 من 4