الشاعرُ المعلِّم

إبراهيم طُوقان

شَوْقي يقولُ وما دَرىٰ بمُصِيبتي:
«قُمْ للمُعلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلا»1
اُقْعُدْ فَدَيْتُكَ، هلْ يكونُ مُبَجَّلًا
مَنْ كانَ للنَّشْءِ الصِّغارِ خَلِيلا؟!2
ويَكادُ [يَقْتُلُني] الأميرُ بقَوْلِه:
«كادَ المعلِّمُ أنْ يكونَ رَسُولا»!
لَوْ جَرَّبَ التَّعليمَ شَوْقي ساعةً
لَقَضَى الحياةَ شَقاوةً وخُمُولا!
حَسْبُ المعلِّمِ غُمَّةً وكَآبةً
مَرْأَى الدَّفاتِرِ بُكْرةً وأصِيلا3
مِئةٌ علىٰ مِئةٍ.. إذا هيَ صُلِّحَتْ
وَجَدَ العَمىٰ نَحْوَ العُيُونِ سَبِيلا!
ولَوَ انَّ في التَّصْلِيحِ نَفْعًا يُرْتَجىٰ
وأبِيكَ لَمْ أَكُ بالعُيُونِ بَخِيلا4
لكنْ أُصَلِّحُ غَلْطةً نَحْوِيَّةً
مَثَلًا، وأتَّخِذُ الكِتابَ دَلِيلا5
مُسْتَشْهِدًا بالغُرِّ مِنْ آياتِهِ
أوْ بالحَدِيثِ مُفَصَّلًا تَفْصِيلا6
وأغُوصُ في الشِّعْرِ القَديمِ فأَنْتَقِي
ما ليسَ مُلْتَبِسًا ولا مَبْذُولا7
وأكادُ أَبْعَثُ سِيبَوَيْهِ مِنَ البِلىٰ
وذَوِيهِ مِنْ أهْلِ القُرُونِ الأُولىٰ8
فأَرىٰ حِمارًا بَعْدَ ذلكَ كُلِّهِ
رَفَعَ المُضافَ إليهِ والمَفْعُولا!!
لا تَعْجَبُوا إنْ صِحْتُ يَوْمًا صَيْحةً
ووَقَعْتُ ما بينَ [الصُّفوفِ] قَتِيلا9
يا مَنْ يُرِيدُ الإنْتِحارَ، وَجَدْتُهُ:
إنَّ المعلِّمَ لا يَعِيشُ طَوِيلا!10

شرح الغريب (1-10)

  1. شوقي: أميرُ الشعراءِ أحمد شوقي. وفَّاه التَّبجيلَ: أدَّى حقَّ تعظيمِه وافيًا تامًّا.
  2. النَّشْء: ج النَّاشِئ؛ وهو الغلامُ جاوزَ حدَّ الصِّغَرِ وشبَّ.
  3. حَسْبُه: يَكْفِيه. الغُمَّة: الكَرْب والحزن. الأصيل: وقتُ اصفرارِ الشمسِ لمغربِها.
  4. ولوَ انَّ: همزةُ (أنَّ) هنا همزةُ وصلٍ للضرورة، تُلفظ مع (لَوْ) هكذا: (لَوَنَّ). لم أَكُ: لم أَكُنْ.
  5. الكتاب: القرآن الكريم.
  6. الغُرُّ: ج الغَرَّاء؛ وهي البيضاءُ الواضحة. الحديث: يعني الحديثَ النبويَّ الشريف.
  7. المبذول (هنا): بمعنى الضعيفِ النازل. يعني أنه يختارُ من شواهدِ الشِّعرِ أشرفَها وأعلاها.
  8. سِيبَوَيْه: عَمْرُو بنُ عثمانَ بنِ قَنْبَر (ت180ﻫ)، إمامُ النحوِ العربي. البِلى: الفَناء.
  9. الصُّفوف: ج الصَّفِّ؛ وهو أحدُ أقسامِ المدرسة، ويُسمَّى «الفَصْلَ» أيضًا (الكلمتان مُحْدَثتان). في الأصل: «ما بينَ البُنُوكِ»؛ يعني مقاعدَ الدراسة.
  10. الانتحار: قُطِعَت الهمزةُ لضرورةِ الوزن.
ترجمة طوقان:
إبراهيم طوقان
إبراهيم بن عبد الفتاح طوقان (ت 1360ھ/ 1941م): شاعر غَزِل، من أهل نابلس بفلسطين. قال فيه أحد كتّابها: «عذب النغمات، ساحر الرنات، تقسَّم بين هوًى دفين، ووطن حزين». تعلم في الجامعة الأميركية ببيروت، وبرع في الأدبين العربي والإنجليزي، وتولى قسم المحاضرات في محطة الإذاعة بفلسطين نحو خمس سنين، وانتقل إلى بغداد مدرسًا، ثم عاد إلى بلده نابلس مريضًا، وتوفي في القدس. وكان وديعًا مرحًا.
التوثيق

غِراسُ الأمَّهات

معروف الرُّصافي

هيَ الأخلاقُ تَنْبُتُ كالنَّباتِ
إذا سُقِيَتْ بماءِ المَكْرُماتِ
تَقُومُ إذا تَعَهَّدَها المُرَبِّي
علىٰ ساقِ الفَضِيلةِ مُثْمِراتِ1
وتَسْمُو للمَكارِمِ باتِّساقٍ
كما اتَّسَقَتْ أنابِيبُ القَناةِ2
وتُنْعِشُ مِنْ صَمِيمِ المَجْدِ رُوحًا
بأزهارٍ لها مُتَضَوِّعاتِ3
ولمْ أرَ للخَلائقِ مِنْ مَحَلٍّ
يُهَذِّبُها كحِضْنِ الأُمَّهاتِ4
فحِضْنُ الأُمِّ مَدْرَسةٌ تَسامَتْ
بتَرْبيةِ البَنِينَ أوِ البَناتِ
وأخلاقُ الوَلِيدِ تُقاسُ حُسْنًا
بأخلاقِ النِّساءِ الوالِداتِ
وليسَ رَبِيبُ عالِيَةِ المَزايا
كمِثْلِ رَبِيبِ سافِلةِ الصِّفاتِ5
وليسَ النَّبْتُ يَنْبُتُ في جِنانٍ
كمِثْلِ النَّبْتِ يَنْبُتُ في الفَلاةِ6
فيا صَدرَ الفَتاةِ رَحُبْتَ صَدْرًا
فأنتَ مَقَرُّ أسْنَى العاطِفاتِ7
نراكَ إذا ضَمَمْتَ الطِّفْلَ لَوْحًا
يَفُوقُ جَمِيعَ ألواحِ الحياةِ
إذا اسْتَندَ الوَلِيدُ [إليكَ] لاحَتْ
تَصاوِيرُ الحَنانِ مُصَوَّراتِ
لأخلاقِ الصَّبِيِّ بكَ انْعِكاسٌ
كما انْعَكسَ الخَيالُ علَى المِرَاةِ8
وما ضَرَبانُ قَلْبِكَ غيرُ دَرْسٍ
لتَلْقِينِ الخِصالِ الفاضِلاتِ9
فأوَّلُ دَرْسِ تَهْذِيبِ السَّجايا
يكونُ عليكَ يا صَدْرَ الفَتاةِ10
فكيفَ نَظُنُّ بالأبْناءِ خَيْرًا
إذا نَشَؤُوا بحِضْنِ الجاهلاتِ؟!
وهلْ يُرْجىٰ لأطفالٍ كَمالٌ
إذا ارْتَضَعُوا ثُدِيَّ النَّاقِصاتِ؟!11
فما لِلأُمَّهاتِ جَهِلْنَ حتَّىٰ
أتَيْنَ بكُلِّ طَيَّاشِ الحَصاةِ؟!12
حَنَوْنَ علَى الرَّضِيعِ بغيرِ عِلْمٍ
فضاعَ حُنُوُّ تلكَ المُرْضِعاتِ
أأُمَّ المُؤمِنينَ إليكِ نَشْكُو
مُصِيبَتَنا بجَهْلِ المُؤمِناتِ13
فتِلْكِ مُصِيبةٌ يا أُمُّ مِنْها
«نَكادُ نَغَصُّ بالماءِ الفُراتِ»14
تَخِذْنا بَعْدَكِ العاداتِ دِينًا
فأشْقَى المُسْلِمونَ المُسْلِماتِ15
فقدْ سَلَكُوا بهِنَّ سَبِيلَ خُسْرٍ
وصَدُّوهُنَّ عنْ سُبُلِ الحياةِ
وقالُوا: شِرْعةُ الإسلامِ تَقْضِي
بتَفْضِيلِ (الَّذينَ) علَى (اللَّواتي)!
فماذا اليومَ ضَرَّ لَوِ الْتَفَتْنا
إلىٰ أسْلافِنا بعضَ الْتِفاتِ؟!
فهُمْ سارُوا بنَهْجِ هُدًى وسِرْنا
بمِنْهاجِ التَّفرُّقِ والشَّتاتِ

شرح الغريب (1-15)

  1. تعهَّدَها: تفقَّدَها واعتنى بها.
  2. اتَّسقَ الشَّيءُ اتِّساقًا: اجتمعَ وانضمَّ وانتظمَ. القَناة: الرُّمح، وكلُّ عصًا مستوية. الأنابيب: ج الأُنْبُوب؛ وهو ما بين العُقْدتينِ من القَناة.
  3. تُنعِشُ الرُّوحَ: تُعِيدُ إليها النَّشاطَ. الصَّمِيمُ من كلِّ شيءٍ: أصلُه، وخالِصُه. تضوَّعَتِ الزَّهرةُ: فاحَتْ رائحتُها. في المطبوع: «تُنعِشُ»، الواو ساقطة.
  4. الخلائق: ج الخَلِيقة؛ وهي الطبيعةُ التي يُخلَقُ المرءُ بها.
  5. الرَّبيب: المُرَبَّى.
  6. الفَلاة: القَفْرُ من الأرض، أو الصَّحراءُ الواسعة.
  7. رَحُبَ: اتَّسعَ. أسْنَى العاطفاتِ: أرْفَعُها وأشْرَفُها.
  8. المِرَاة: المِرْآة. حُذفَتِ الهمزةُ للضَّرورة، وأُلقيَتْ حركتُها على الراء.
  9. ضَرَبانُ القلبِ: خَفَقانُه. الخِصال: ج الخَصْلة؛ وهي خُلُقٌ في الإنسان؛ يكون فضيلةً أو رذيلةً.
  10. السَّجايا: ج السَّجِيَّة؛ وهي المَلَكةُ الرَّاسخةُ في النَّفْس، التي لا تَقْبلُ الزَّوالَ بسهولة.
  11. ارتضَعُوا: رَضَعُوا. الثُّدِيُّ: ج الثَّدْي.
  12. الطَّيَّاش: الأرعَنُ المتسرِّع. الحَصاة: العَقْلُ والرَّأي.
  13. أمُّ المؤمنين: أرادَ عائشةَ .
  14. الفُرات: العَذْبُ جِدًّا. والشَّطرُ الثاني مقتبسٌ من شاهدٍ نَحْويٍّ مشهور، يُنسبُ إلى عبدِ اللهِ بنِ يَعْرُبَ وغيرِه، وأوَّلُه: «فساغَ ليَ الشَّرابُ وكنتُ قَبْلًا/ أكادُ أغَصُّ…».
  15. تَخِذْنا: اتَّخَذْنا.
ترجمة الرصافي:
معروف الرصافي
معروف بن عبد الغني البغدادي الرصافي (ت 1364ھ/ 1945م): شاعر العراق في عصره. ولد ببغداد، ونشأ بها في الرصافة، وتتلمذ لمحمود شكري الآلوسي في علوم العربية وغيرها زهاء عشر سنوات، واشتغل بالتعليم. نظم أروع قصائده في الاجتماع والثورة على الظلم، وكان جزل الألفاظ في أكثر شعره، عالي الأسلوب حتى في مجونه، هجّاءً مرًّا، وصّافًا مجيدًا، ملأ الأسماع دويًّا في بدء شهرته. نشأ وعاش ومات فقيرًا.
التوثيق

دارُ العناء

أبو العلاء المعري

حَياةٌ عَناءٌ، ومَوْتٌ عَنا
فلَيْتَ بَعِيدَ حِمامٍ دَنا1
يدٌ صَفِرَتْ، ولَهاةٌ ذَوَتْ،
ونَفْسٌ تَمَنَّتْ، وطَرْفٌ رَنا2
ومُوقِدُ نِيرانِه في الدُّجىٰ
يَرُومُ سَناءً برَفْعِ السَّنا3
يُحاوِلُ مَنْ عاشَ سَتْرَ القَمِيصِ،
ومَلْءَ الخَمِيصِ، وبُرْءَ الضَّنىٰ4
ومَنْ ضَمَّهُ جَدَثٌ لمْ يُبَلْ
علىٰ ما أفادَ ولا ما اقْتَنىٰ5
يَصِيرُ تُرابًا، سَواءٌ عَلَيْـ
ـهِ مَسُّ الحَرِيرِ وطَعْنُ القَنا6
ولا يَزْدَهِي غَضَبٌ حِلْمَهُ
أَلَقَّبَه ذاكِرٌ أمْ كَنىٰ7
يُهَنَّأُ بالخيرِ مَنْ نالَهُ
وليسَ الهَناءُ علىٰ ما هُنا!
وأَقْرِبْ لمَنْ كانَ في غِبْطةٍ
بلُقْيا المَنىٰ مِنْ لِقاءِ المُنىٰ!8
يُنافي ابنُ آدمَ حالَ الغُصُونِ:
فهاتِيكَ أجْنَتْ، وهذا جَنىٰ9
تُغَيِّرُ حِنَّاؤُهُ شَيْبَهُ
فهلْ غَيَّرَ الظَّهرَ لمَّا انْحَنىٰ؟!10
ولي مَوْرِدٌ بإناءِ المَنُونِ
ولكنَّ مِيقاتَهُ ما أنىٰ11
زمانٌ يُخاطِبُ أبناءَهُ
جِهارًا، وقدْ جَهِلُوا ما عَنىٰ12
يُبَدِّلُ باليُسْرِ إعدامَهُ
وتَهْدِمُ أحداثُهُ ما بَنىٰ13
لقدْ فُزْتَ إنْ كنتَ تُعْطَى الجِنانَ
بمَكَّةَ إذْ زُرْتَها أو مِنىٰ!14

شرح الغريب (1-14)

  1. العَناء: التعب والمشقَّة. الحِمام: قَدَرُ الموت.
  2. صَفِرَتْ: خَلَتْ. اللَّهاة: اللَّحمةُ المُشْرِفةُ على الحَلْق. ذَوَتْ: ذَبُلَتْ. الطَّرْف: العَيْن. رنا: أدامَ النَّظرَ.
  3. يرومُ: يَطلُبُ. السَّناء: الشَّرف. السَّنا: الضَّوء.
  4. الخَمِيص: البَطْنُ الضَّامرُ من الجوع. بُرْءَ الضَّنى: أيْ شفاءَ المرَض.
  5. الجَدَث: القبر. لم يُبَلْ: لم يُبالِ. أفادَ فلانٌ المالَ: حصَّلَه واقتناه، وأفادَ فلانًا المالَ: أعطاه إيَّاه.
  6. القَنا: الرِّماح (ج القَناة).
  7. يَزْدهي: يَستخِفُّ ويستميلُ. كَناه: سمَّاه أبا فلان.
  8. أقْرِبْ به منه: ما أقربَه منه! الغِبْطة: حُسْنُ الحال. المَنى: الموت. يقول: ما أقربَ صاحبَ الأمنيَّةِ مِن لقاءِ المَنِيَّة!
  9. أجْنَى الشَّجرُ: نَضِجَ ثمرُه، وحانَ اجتناؤه. يقول: إنَّ طبيعةَ ابنِ آدمَ قائمةٌ على الأخذِ لا العطاء.
  10. الحِنَّاء: خِضابٌ أحمرُ يُؤخذُ من ورقِ شجرةِ الحِنَّاء.
  11. المَنُون: الموت. أنَى: حانَ وقَرُبَ.
  12. جِهارًا: عِيانًا، عَلانِيةً.
  13. الإعدام (هنا): الإفقار. وفي (معجم متن اللغة): «الإعدام: الإفقاد، وغلبَ قديمًا على الفَقْر، كما شاعَ عند أهلِ العصرِ في إفقادِ الحياة».
  14. مِنًى: موضعٌ بمكَّة (مذكَّر مصروف). المراد: أنَّ الإنسانَ لا ينفعُه حجُّه إذا بقيَ على أعمالِ السُّوء.
التوثيق

طبائعُ الدنيا الدنيَّة

أبو الطيب المتنبي

فؤادٌ ما تُسَلِّيهِ المُدامُ
وعُمْرٌ مِثْلُ ما تَهَبُ اللِّئامُ1
ودهرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ
وإنْ كانتْ لهمْ جُثَثٌ ضِخامُ!
وما أنا منهمُ بالعَيْشِ فيهمْ
ولكنْ مَعْدِنُ الذَّهبِ الرَّغامُ2
أرانبُ غيرَ أنَّهمُ مُلُوكٌ
مُفَتَّحةٌ عُيُونُهمُ نِيامُ!
بأجسامٍ يَحَرُّ القَتْلُ فيها
وما أقْرانُها إلَّا الطَّعامُ!3
وخَيْلٍ ما يَخِرُّ لها طَعِينٌ
كأنَّ قَنا فَوارسِها ثُمامُ!4
خَلِيلُكَ أنتَ لا مَنْ قُلْتَ: خِلِّي،
وإنْ كَثُرَ التَّجَمُّلُ والكلامُ5
ولَوْ حِيزَ الحِفاظُ بغيرِ عَقْلٍ
تَجَنَّبَ عُنْقَ صَيْقَلِهِ الحُسامُ6
وشِبْهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إليهِ
وأشْبَهُنا بدُنْيانا الطَّغامُ!7
ولَوْ لَمْ يَعْلُ إلَّا ذُو مَحَلٍّ
تَعالَى الجيشُ وانْحَطَّ القَتامُ!8
ولَوْ لَمْ يَرْعَ إلَّا مُسْتَحِقٌّ
لرُتْبتِهِ، أَسامَهمُ المُسامُ!9
ومَنْ خَبَرَ الغَواني فالغَواني
ضِياءٌ في بَواطنِهِ ظَلامُ10
إذا كانَ الشَّبابُ السُّكْرَ، والشَّيْـ
ـبُ هَمًّا، فالحياةُ هيَ الحِمامُ11
وما كلٌّ بمَعْذُورٍ ببُخْلٍ
ولا كلٌّ علىٰ بُخْلٍ يُلامُ!12

شرح الغريب (1-12)

  1. المُدام: الخمر. «مثلُ ما تهبُ اللِّئامُ»: كنايةٌ عن قِلَّتِه. يقول: إنَّ فؤادَه لا يتسلَّى بالخمرِ واللَّهوِ عن طلبِ المعالي؛ فإنَّ العمرَ أقصرُ من أنْ يتَّسعَ لذلك.
  2. المَعدِن: موضعُ استخراجِ الجوهر. الرَّغام: التراب. يقول: إنني لا أعُدُّ نفسي من هؤلاء الناسِ وإنْ عِشْتُ بينهم؛ كالذهبِ الذي يكون بين الترابِ ولا يُحسَبُ منه.
  3. يَحَرُّ: يشتدُّ. الأقران: ج القِرْن؛ وهو الكُفْءُ في الحرب. يقول: يقتلُهم الطعامُ؛ فيموتون بالتُّخَمةِ من كثرةِ الأكل.
  4. يَخِرُّ: يسقطُ. القَنا: الرِّماح. الثُّمام: نبتٌ ضعيف. أيْ أنَّ طعْنَهم لا يؤثِّرُ في المطعونِ لضعفِهم؛ فكأنهم يَطْعُنون بالثُّمام.
  5. يقول: لا خليلَ لأحدٍ على الحقيقةِ إلا نفسُه؛ فلا يثقِ الإنسانُ بصداقةِ أحد، وإن كان كثيرَ التملُّق.
  6. حِيزَ: مُلِكَ. الحِفاظ: المحافظةُ على الحقوق. الصَّيْقل: الذي يعملُ السيوفَ. الحسام: السيفُ القاطع. أي: لو أمكنَ أن يحافِظَ على المودَّةِ والوفاءِ ما لا عقلَ له، لكانَ السيفُ ينبو عن عنقِ صانعِه. والمعنى: أنهم لا عقولَ لهم؛ فلا يوثَقُ منهم بذِمام.
  7. الطَّغام: الأرذال والأوغاد. يقول: إن الشيءَ يميلُ إلى شِبْهه، والدنيا خسيسة؛ فهي لذلك تميلُ إلى الخِساس من الناس.
  8. المَحَلُّ: المكانةُ الرفيعة. القَتام: الغبار. يقول: إنَّ علوَّهم في الدنيا لا يدلُّ على فضيلتِهم واستحقاقِهم؛ فإنَّ الغبارَ يرتفعُ فوق الجيش، وهو مما تثيرُه الأقدامُ والحوافر.
  9. يَرْعَ: من الرعاية؛ بمعنى السياسة. المُسام: المالُ المُرسَلُ في مَراعيه، وأسامَه صاحبُه: إذا أرسلَه. يقول: هؤلاء شرٌّ من البهائم، فلو كانتِ الولايةُ بالاستحقاقِ لكانَ الراعي لهم البهائم؛ لأنها أشرفُ منهم وأعقل!
  10. خَبَرَ الشيءَ: بَلاه وامتحنَه، وعرفَ خبرَه على حقيقتِه. الغواني: النساءُ الحِسان.
  11. الحِمام: الموت. يقول: إذا كان الإنسانُ في شبيبتِه غائصًا في سُكْرٍ من اللَّهو والصِّبا، وعند مشيبِه غارقًا في بحرٍ من الهمّ، فحياتُه أشْبَهُ بالممات.
  12. لتفسيره وجهان؛ أحسنُهما: أنَّ الذي لا يُعذَرُ في بخلِه مَنْ وَلَدَتْه الكرام، والذي لا يلامُ على بخلِه مَنْ كان آباؤه لئامًا بُخلاء، ولم يتعلَّمْ غيرَ البخل، ولم يرَ في آبائه الجودَ والكرم.
التوثيق
زيادة بيان:

العزاءُ الجميل

إبراهيم بن كُنَيْف

تَعَزَّ فإنَّ الصَّبْرَ بالحُرِّ أجْمَلُ
وليسَ علىٰ رَيْبِ الزَّمانِ مُعَوَّلُ1
فلَوْ كانَ يُغْنِي أنْ يُرَى المَرْءُ جازِعًا
لِحادثةٍ أوْ كانَ يُغْنِي التَّذَلُّلُ
لَكانَ التَّعَزِّي عندَ كلِّ مُصِيبةٍ
ونائبةٍ بالحُرِّ أَوْلىٰ وأجْمَلُ2
فكيفَ وكلٌّ ليسَ يَعْدُو حِمامَهُ
وما لامْرِئٍ عمَّا قَضَى اللهُ مَزْحَلُ؟!3
فإنْ تَكُنِ الأيَّامُ فينا تَبَدَّلَتْ
ببُؤْسىٰ ونُعْمىٰ، والحوادثُ تَفْعَلُ4
فما لَيَّنَتْ منَّا قَناةً صَلِيبةً
ولا ذَلَّلَتْنا للَّذي ليسَ يَجْمُلُ5
ولكنْ رَحَلْناها نُفُوسًا كَرِيمةً
تُحَمَّلُ ما لا يُسْتطاعُ فتَحْمِلُ6
وَقَيْنا بحُسْنِ الصَّبْرِ مِنَّا نُفُوسَنا
فصَحَّتْ لنا الأعْراضُ، والنَّاسُ هُزَّلُ7

شرح الغريب (1-7)

  1. تَعَزَّ: تصبَّرْ. رَيْبُ الزمان: حوادثه وصُروفه. المُعَوَّل: المُعتمَد والمُتَّكَل. يريدُ أن الدهرَ متقلِّب؛ فلا يوثَقُ به.
  2. التعزِّي: التصبُّر. النائبة: المصيبة النازلة. يقول: لو كان في الجَزَعِ منفعةٌ لَمَا كان يَحْسُن، وكان الصبرُ أحسنَ منه، فكيف وليسَ فيه منفعة؟! والبيتُ التالي يوضِّحُه.
  3. يعدو: يتجاوزُ. الحِمام: قضاءُ الموتِ وقدَرُه. المَزْحَل: الموضعُ يُزحَلُ إليه؛ أي: يُبعَدُ.
  4. تبدَّلَتْ: تغيَّرَتْ. البُؤسى: البُؤس؛ وهو المشقَّة والفقر. «والحوادثُ تفعلُ»: جملة اعتراضية للتوكيد.
  5. القناة: الرمح، والعصا. الصَّليبة: الشديدة القوية. والعربُ تذكرُ القناةَ وصلابتَها؛ ضاربةً بها المثلَ في الامتناعِ والإباء.
  6. رَحَلْناها: حَمَلْنا عليها، من قولهم: رَحَلَ البعيرَ؛ إذا وضعَ عليه الرَّحْلَ. يقول: حمَّلْنا تلك الحوادثَ نفوسًا؛ تصبرُ كرمًا، ولا تُظهِرُ ألمًا.
  7. صحَّتْ: بَرِئَتْ من كلِّ عيب. أي: وأعراضُ الناسِ هزيلة؛ لقلَّة ِصبرِهم على الشدائد.
ترجمة ابن كُنيف:
إبراهيم بن كنيف النبهاني (ت …؟): شاعر إسلامي مقل، من شعراء (الحماسة)، لا تسعفنا كتب التراجم بشيء من سيرته، اشتهر بأبياته اللامية التي اتفقت مصادر الأدب على نسبتها إليه، وانفرد أبو علي الهجري في (التعليقات والنوادر)؛ فنسبها إلى بكر بن النطاح.
التوثيق

الكبشُ الآبق

محمود غُنيم

الكَبْشُ شَقَّ العَصا يومًا علَى الرَّاعي
وقالَ للشَّاءِ: أنتمْ بعضُ أتباعي!1
حتَّىٰ أحَسَّ عَصا الرَّاعي تُؤدِّبُهُ
كما يُؤدَّبُ عَبْدٌ غيرُ مِطْواعِ
فلاذَ بالذِّئبِ، يَدْعُوهُ لنَجْدتِهِ
ومَنْ سِواهُ يُلَبِّي دَعْوةَ الدَّاعي؟!2
تناوَلَ الذِّئبُ قَرْنَيْهِ، وقالَ لهُ:
أقْبِلْ علَى الرُّحْبِ، يا رِيمًا علَى القاعِ!3
وسَخَّرَ الكَبْشَ في صَيْدِ الشِّياهِ لهُ
فجَدَّ في السَّعْيِ.. ضَلَّ السَّعْيُ والسَّاعي!
وظَلَّ يَرْتَعُ حِينًا تحتَ رايتِهِ
ويأكلُ الحَبَّ بالقِنْطارِ لا الصَّاعِ4
حتَّىٰ إذا الصَّيْدُ أعْيَا الكَبْشَ، مَزَّقَهُ
بمِخْلَبٍ مِثْلِ حَدِّ السَّيْفِ قَطَّاعِ5
فلا القَطِيعُ بَكاهُ يومَ مَصْرَعِهِ
ولا الذِّئابُ نَعاهُ منهمُ ناعِ
وهكذا راحَ ذُو القَرْنَيْنِ مَوْعِظةً
وعِبْرةً ما وَعىٰ أمْثالَها واعِ
لنْ يَنْفِيَ الكَبْشَ راعِيهِ فتُنْزِلَهُ
منها الذِّئابُ بأبصارٍ وأسماعِ!

شرح الغريب (1-5)

• الآبِق: الهارب، وشاع إطلاق هذه الصفة قديمًا على العبد الهارب من سيِّده.

  1. شقَّ العصا: خالفَ الجماعةَ وفرَّقها. الشاء: ج الشاة.
  2. لاذَ به: التجأَ إليه، واحتمى به.
  3. الرُّحْب: السَّعَة. الرِّيم: الظبي الخالص البياض. القاع: الأرض الملساء.
  4. يرتعُ: يرعى في خِصْبٍ وسَعَة. القنطار: معيارٌ يعادلُ مئةَ رطلٍ (في مصر). الصاع: مكيالٌ يعادلُ أربعةَ أمداد، وكلُّ مُدٍّ رطلٌ وثلث.
  5. أعياه: أعْجَزَه؛ فلم يهتدِ لوجهه.
ترجمة غنيم:
محمود غنيم
محمود غنيم (ت 1392ھ/ 1972م): شاعر مصري مدرس، ولد ونشأ في قرية (كوم حمادة)، وتخرج بدار العلوم، وعمل في التدريس، ثم كان مفتشًا للتعليم الأجنبي. عالج الشعر من صغره، وفاز بالجوائز. له: (صرخة في واد) ديوان شعر، و(في ظلال الثورة) ديوان ثان، [و(رجع الصدى) ديوان ثالث طبع بعد وفاته]، ومسرحيات شعرية عديدة. قيل في وصف أسلوبه الشعري: إنه خليفة حافظ إبراهيم.
التوثيق

أصدقاءُ بالاسم!

ابن الرومي

ولي أصدقاءُ كثيرُو السَّلامِ
عليَّ، وما فيهمُ نافعُ
إذا أنا أدْلَجْتُ في حاجةٍ
لها مَطْلَبٌ نازِحٌ شاسِعُ1
فلي أبدًا معَهمْ وَقْفةٌ
وتسليمةٌ وقتُها ضائعُ
وفي مَوْقفِ المَرْءِ عنْ حاجةٍ
تَيَمَّمَها شاغلٌ قاطعُ2
تَرىٰ كلَّ غَثٍّ كثيرِ الفُضُو
لِ، مُصْحَفُه مُصْحَفٌ جامعُ3
يقولُ الضَّميرُ لهُ طالِعًا:
ألَا قُبِّحَ الرَّجُلُ الطالعُ!
يُحَدِّثُني مِنْ أحاديثِهِ
بما لا يَلَذُّ بهِ السَّامعُ
أحاديثُ هُنَّ كمِثْلِ الضَّرِيـ
ـعِ آكِلُهُ أبدًا جائعُ4
غَدَوْتُ وفي الوقتِ لي فُسْحةٌ
فضاقَ بيَ المَهَلُ الواسعُ5
تَقدَّمْتُ فاعْتَاقَني أسْرُهُ
إلىٰ أنْ تَقدَّمَني التَّابعُ6
وفاتَتْ بلُقْيانِهِ حاجتي
ألَا هكذا النَّكِدُ البارعُ!7
أولئكَ لا حَيُّهمْ مُؤْنِسٌ
صديقًا، ولا مَيْتُهمْ فاجعُ!

شرح الغريب (1-7)

  1. أدلجَ: سارَ ليلًا. النازح والشاسع: البعيد.
  2. تيمَّمَ الحاجةَ: قصدَها.
  3. الغثُّ: الرديءُ الفاسد. المصحفُ الجامعُ: الذي يجمعُ سُوَرَ القرآنِ كلَّها، أو الذي يجمعُ عدَّةَ قراءات.
  4. الضريع: نبتٌ له شوك. يشير إلى قوله تعالى في أهل النار: ﴿لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ ٦ لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ ٧ [الغاشية].
  5. الفُسْحة: السَّعَة. المَهَل: التُّؤَدَة والرِّفْق.
  6. اعتاقَه عن الشيء: عاقَه؛ أي: منعَه منه، وشغلَه عنه.
  7. اللُّقْيان: اللِّقاء. النَّكِد: قليلُ النفع.
التوثيق
الصفحة 1 من 4