صورة

بيت القصيد/ 1

ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ

قالَ رسولُ اللهِ : «أصدقُ كلمةٍ قالَها شاعرٌ كلمةُ لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ» [متفق عليه]. وفي لفظٍ آخرَ عندَ مسلم: «أشعرُ كلمةٍ تكلَّمَتْ بها العربُ كلمةُ لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ».

أمْسِ وغدًا

أحمد أمين

كانَ لِسَرِيٍّ مَصانعُ ومَتاجِرُ؛ كأفخمِ ما يكونُ مِن مَصانعَ ومَتاجِر، أصابَتْها النَّارُ فأتَتْ عليها، وقُدِّرَتِ الخسائرُ بالأُلوف. وكانَ هذا السَّرِيُّ في السِّنينَ الأخيرةِ مِن عُمُرِه؛ ليسَ له قُوَّةُ الشَّباب، ولا أملُ الشَّباب، وكانتْ ثَرْوتُه الضَّائعةُ ثَرْوةَ العُمُر، ومجهودَ العُمُر.

جاءَه مَنْ يسألُه عنْ هذه الكارثةِ وأسبابِها ومِقْدارِها، فأجابَه: «لستُ أُفكِّرُ في شيءٍ مِن ذلك، وإنَّما يَملِكُ عليَّ كلَّ فِكْري الآنَ: ماذا أنا صانعٌ غدًا؟».

منهجٌ في التَّفكير

يُعْجِبُني هذا الاتِّجاهُ العمليُّ في التَّفكير؛ فإنَّه دليلُ الحياة، وعنوانُ القُوَّة، ومَبْعَثُ النَّشاط. فما دُمْتَ حيًّا ففَكِّرْ دائمًا في وسائلِ الحياة، ووسائلِ السَّعادةِ في الحياة؛ وتلك كلُّها أمامَك لا خَلْفَك، وفي الغدِ لا في الأمس.

ولأمرٍ ما خَلقَ اللهُ الوجهَ في الأمامِ ولم يَخْلُقْه في الخَلْف، وجَعلَ العينَ تَنظُرُ إلى الأمامِ ولا تَنظُرُ إلى الخَلْف، وأرادَ أنْ يَجعلَ لنا عقلًا يَنظُرُ إلى الأمامِ وإلى الخَلْفِ معًا، وأنْ يكونَ نَظَرُه إلى الخَلْفِ وسيلةً لحُسْنِ النَّظرِ إلى الأمام. فعَكَسَ قومٌ الفِطْرةَ الإنسانيَّة، ونَظَرُوا بعقولِهم إلى الخَلْفِ وَحْدَه، وقَلَبُوا الوضعَ؛ فجَعَلُوا النَّظرَ إلى الخَلْفِ غايةً لا وسيلة.

بينَ ما فات، وما هو آت

خيرٌ لكَ إنْ كنتَ في ظُلْمةٍ أنْ تَأْمُلَ طُلوعَ الشَّمسِ غدًا، مِن أنْ تَذْكُرَ طُلوعَها أمسِ؛ فلِكلٍّ منَ الظَّاهرتينِ أثرٌ نَفْسِيٌّ مُعاكِسٌ للآخَر: ففي تَرَقُّبِك طُلوعَ الشَّمسِ غدًا الأملُ والطُّموحُ إلىٰ ما هو آتٍ؛ وفي هذا معنَى الحياة، وفي تذكُّرِك طُلوعَها أمسِ حَسْرةٌ علىٰ ما فات، وألمٌ مِن خيرٍ كنتَ فيه إلىٰ شرٍّ صِرْتَ فيه؛ وفي ذلك معنَى الفَناء.

وفَرْقٌ كبيرٌ بينَ مَنْ يُلْطَمُ اللَّطمةَ فلا تكونُ له وسيلةٌ إلَّا البُكاء، وتَذكُّرَ اللَّطمةِ ثمَّ البُكاء، ثمَّ تَذكُّرَ اللَّطمةِ ثمَّ البُكاء، وبينَ مَنْ يُلْطَمُ اللَّطمةَ فيَسْتَجْمِعُ قُواه للمُكافَحة. والحياةُ كلُّها لَطَمات، وأعجَزُ النَّاسِ مَنْ خارَتْ قُواه أمامَ أوَّلِ لَطْمةٍ فهَرَب! ولو أنصفَ النَّاسُ لقَوَّمُوا النَّاسَ بمِقْدارِ كِفاحِهم، لا بمِقدارِ [إخفاقِهم] ونجاحِهم.

نظرتان.. ومِنْظاران

شرُّ ما أُلاحِظُ في الشَّرقِ حَنِينُه الشَّديدُ إلى الماضي، لا أمَلُه القويُّ في المستقبل، واعتقادُه أنَّ خيرَ أيَّامِه ما سَلَفَتْ، لا ما أقبلَتْ، وإعجابُه الشَّديدُ بأعمالِ الماضين، وإهمالُ المعاصِرين.

له مِنْظاران: مِنظارٌ مُكَبِّرٌ يَلْبَسُه إذا نَظرَ إلى الماضي، ومِنظارٌ مُصَغِّرٌ أسْوَدُ يَضَعُه إذا نَظرَ إلى الحاضرِ والمستقبل. يَلَذُّه أنْ يُطِيلَ البُكاءَ على الميِّت، ولا يَلَذُّه أنْ يَتدبَّرَ فيما يجبُ أنْ يَفْعلَه الأحياء. يَسْتَسْهِلُ النَّفقاتِ مهما عَظُمَتْ على الميِّت، ويَسْتَكْثِرُ نَفَقاتِ الطَّبيبِ وأثمانَ الدَّواءِ للمريض.

مِن أمثالِهم تَعرِفُونَهم

يُعجِبُهم أنْ يَتَمثَّلُوا الأمثالَ تَدُلُّ علىٰ عِظَمِ الماضي، ولا يُعجِبُهم أنْ يَتَمثَّلُوا الأمثالَ تَبْعَثُ الأملَ في المستقبل؛ ففي أعماقِ نُفُوسِهم أنَّ قولَ القائل: «ما تَرَكَ الأوَّلُ للآخِر»، خيرٌ منَ القولِ: «كمْ تَرَكَ الأوَّلُ للآخِر»! ويَلُوكُونَ دائمًا: «لا جديدَ تحتَ الشَّمس»، ولا يُعجِبُهم أنْ تقول: إنَّ كلَّ ما تحتَ الشَّمسِ في جِدَّةٍ مستمرَّة، والمستقبلَ مملوءٌ بالجديد.

وإذا رَأَوْا كلمةً في كتابٍ قديمٍ تَدُلُّ ـ ولوْ دَلالةً كاذبةً ـ علىٰ نظريةٍ جديدة، طارُوا بها فرَحًا؛ لأنَّ ذلك يُلائِمُ ما في نُفُوسِهم مِن تعظيمِ الماضي، وتحقيرِ الحاضرِ والمستقبل.

هم يَعيشونَ في أحلام، ولا يريدونَ أنْ يَعيشُوا في حياةٍ واقعة، وحَوْلَ هذه المَعِيشةِ الحالمةِ يَنْسِجُونَ دائمًا ما يُوافِقُها ويُمازِجُها ويُسايِرُها. يَكْتَفُونَ بالأملِ أنْ يَنْعَمُوا بالآخرة، وماذا عليهم لو عَمِلُوا لِيَنْعَمُوا بالدُّنيا والآخرة؟!

ترجمة أحمد أمين:
أحمد أمين
أحمد أمين ابن الشيخ إبراهيم الطباخ (ت 1373ھ/ 1954م): عالم بالأدب، غزير الاطلاع على التاريخ، من كبار الكتاب، مولده ووفاته بالقاهرة. عين مدرسًا بكلية الآداب بالجامعة المصرية، وانتخب عميدًا لها. وهو من أكثر كتاب مصر تصنيفًا وإفاضة، وبلغت مقالاته في المجلات والصحف عشرة مجلدات، جمعها في كتابه (فيض الخاطر)، ومن تآليفه: فجر الإسلام، ضحى الإسلام، ظهر الإسلام، النقد الأدبي، حياتي، إلى ولدي.
التوثيق

العزاءُ الجميل

إبراهيم بن كُنَيْف

تَعَزَّ فإنَّ الصَّبْرَ بالحُرِّ أجْمَلُ
وليسَ علىٰ رَيْبِ الزَّمانِ مُعَوَّلُ1
فلَوْ كانَ يُغْنِي أنْ يُرَى المَرْءُ جازِعًا
لِحادثةٍ أوْ كانَ يُغْنِي التَّذَلُّلُ
لَكانَ التَّعَزِّي عندَ كلِّ مُصِيبةٍ
ونائبةٍ بالحُرِّ أَوْلىٰ وأجْمَلُ2
فكيفَ وكلٌّ ليسَ يَعْدُو حِمامَهُ
وما لامْرِئٍ عمَّا قَضَى اللهُ مَزْحَلُ؟!3
فإنْ تَكُنِ الأيَّامُ فينا تَبَدَّلَتْ
ببُؤْسىٰ ونُعْمىٰ، والحوادثُ تَفْعَلُ4
فما لَيَّنَتْ منَّا قَناةً صَلِيبةً
ولا ذَلَّلَتْنا للَّذي ليسَ يَجْمُلُ5
ولكنْ رَحَلْناها نُفُوسًا كَرِيمةً
تُحَمَّلُ ما لا يُسْتطاعُ فتَحْمِلُ6
وَقَيْنا بحُسْنِ الصَّبْرِ مِنَّا نُفُوسَنا
فصَحَّتْ لنا الأعْراضُ، والنَّاسُ هُزَّلُ7

شرح الغريب (1-7)

  1. تَعَزَّ: تصبَّرْ. رَيْبُ الزمان: حوادثه وصُروفه. المُعَوَّل: المُعتمَد والمُتَّكَل. يريدُ أن الدهرَ متقلِّب؛ فلا يوثَقُ به.
  2. التعزِّي: التصبُّر. النائبة: المصيبة النازلة. يقول: لو كان في الجَزَعِ منفعةٌ لَمَا كان يَحْسُن، وكان الصبرُ أحسنَ منه، فكيف وليسَ فيه منفعة؟! والبيتُ التالي يوضِّحُه.
  3. يعدو: يتجاوزُ. الحِمام: قضاءُ الموتِ وقدَرُه. المَزْحَل: الموضعُ يُزحَلُ إليه؛ أي: يُبعَدُ.
  4. تبدَّلَتْ: تغيَّرَتْ. البُؤسى: البُؤس؛ وهو المشقَّة والفقر. «والحوادثُ تفعلُ»: جملة اعتراضية للتوكيد.
  5. القناة: الرمح، والعصا. الصَّليبة: الشديدة القوية. والعربُ تذكرُ القناةَ وصلابتَها؛ ضاربةً بها المثلَ في الامتناعِ والإباء.
  6. رَحَلْناها: حَمَلْنا عليها، من قولهم: رَحَلَ البعيرَ؛ إذا وضعَ عليه الرَّحْلَ. يقول: حمَّلْنا تلك الحوادثَ نفوسًا؛ تصبرُ كرمًا، ولا تُظهِرُ ألمًا.
  7. صحَّتْ: بَرِئَتْ من كلِّ عيب. أي: وأعراضُ الناسِ هزيلة؛ لقلَّة ِصبرِهم على الشدائد.
ترجمة ابن كُنيف:
إبراهيم بن كنيف النبهاني (ت …؟): شاعر إسلامي مقل، من شعراء (الحماسة)، لا تسعفنا كتب التراجم بشيء من سيرته، اشتهر بأبياته اللامية التي اتفقت مصادر الأدب على نسبتها إليه، وانفرد أبو علي الهجري في (التعليقات والنوادر)؛ فنسبها إلى بكر بن النطاح.
التوثيق
اقتباس

روحُ الغرب

إنَّ روحَ الغربِ صديقٌ وعدوٌّ لنا: صديقٌ إذا تمكَّنَّا منه، وعدوٌّ إذا تمكَّنَ منَّا. صديقٌ إذا فَتَحْنا له قلوبَنا، وعدوٌّ إذا وَهَبْنا له قلوبَنا. صديقٌ إذا أخَذْنا منه ما يوافقُنا، وعدوٌّ إذا وَضَعْنا نفوسَنا في الحالةِ الَّتي توافقُه.

جبران

جبران خليل جبران
(ت 1349ھ)

أحاديثُ المسجديِّين (1)

أبو عثمان الجاحظ

قالَ أصحابُنا منَ المَسْجِدِيِّين: اجتمعَ ناسٌ في المَسْجِد، ممَّنْ يَنْتَحِلُ الاقتصادَ في النَّفَقة، والتَّثْمِيرَ للمال، مِن أصحابِ الجَمْعِ والمَنْع. وقدْ كانَ هذا المَذْهَبُ عندَهم كالنَّسَبِ الَّذي يَجْمعُ على التَّحابِّ، وكالحِلْفِ الَّذي يَجْمعُ على التَّناصُر، وكانُوا إذا الْتَقَوْا في حِلَقِهم تذاكَرُوا هذا البابَ، وتطارَحُوه وتدارَسُوه؛ التِماسًا للفائدة، واستمتاعًا بذِكْرِه.

 حديثُ الشَّيخِ والحمار

فقالَ شيخٌ منهم: ماءُ بِئْرِنا ـ كما قدْ عَلِمْتُم ـ [مِلْحٌ] أُجاج، لا يَقْرَبُه الحمار، ولا تُسِيغُه الإبِل، وتموتُ عليه النَّخْل، والنَّهرُ منَّا بعيد، وفي تَكلُّفِ العَذْبِ علينا مَؤُونة. فكُنَّا نَمْزُجُ منه للحمار؛ فاعْتَلَّ منه، وانْتَقَضَ علينا مِن أجْلِه، فصِرْنا بعدَ ذلك نَسقِيه العَذْبَ صِرْفًا. وكنتُ أنا والنَّعْجةُ كثيرًا ما نغتسلُ بالعَذْب؛ مَخافةَ أنْ يعتريَ جُلودَنا منه مِثْلُ ما اعترىٰ جَوْفَ الحمار، فكانَ ذلك الماءُ العَذْبُ الصَّافي يذهبُ باطلًا.

الحاجةُ أُمُّ الاختراع

ثمَّ انفتحَ لي فيه بابٌ منَ الإصلاح؛ فعَمَدْتُ إلىٰ ذلك المُتَوَضَّأ، فجَعلْتُ في ناحيةٍ منه حُفْرةً، وصَهْرَجْتُها ومَلَّسْتُها، حتَّىٰ صارَتْ كأنَّها صخرةٌ مَنْقُورة، وصَوَّبْتُ إليها المَسِيلَ، فنحنُ الآنَ إذا اغتسَلْنا صارَ الماءُ إليها صافيًا، لم يخالِطْه شيءٌ… والحمارُ أيضًا لا تَقَزُّزَ له مِن ماءِ الجَنابة، وليسَ علينا حَرَجٌ في سَقْيِه منه، وما عَلِمْنا أنَّ كتابًا حَرَّمَه، ولا سُنَّةً نَهَتْ عنه. فرَبِحْنا هذه منذُ أيَّام، وأسقَطْنا مُؤْنةً عنِ النَّفْسِ والمال.

قالَ القومُ: هذا بتوفيقِ اللهِ ومَنِّه!

 حديثُ مريمَ الصَّنَاع

فأقبلَ عليهم شيخٌ، فقال: هلْ شَعَرْتُم بموتِ مريمَ الصَّنَاع؟ فإنَّها كانتْ مِن ذواتِ الاقتصاد، وصاحبةَ إصلاح. قالُوا: فحَدِّثْنا عنها. قال: نوادرُها كثيرة، وحديثُها طويل، ولكنِّي أُخبِرُكم عنْ واحدةٍ فيها كِفاية. قالُوا: وما هي؟

قال: زَوَّجَتِ ابنتَها، وهي بنتُ اثْنَتَيْ عَشْرةَ سنةً، فحَلَّتْها الذَّهبَ والفِضَّة، وكَسَتْها المَرْوِيَّ والوَشْيَ، والقَزَّ والخَزَّ، وعلَّقَتِ المُعَصْفَرَ، ودَقَّتِ الطِّيبَ، وعَظَّمَتْ أمْرَها في عينِ الخَتَن، ورَفعَتْ مِن قَدْرِها عندَ الأحْماء. فقالَ لها زوجُها: أنَّىٰ لكِ هذا يا مريمُ؟! قالتْ: هو مِن عندِ الله!

قال: دَعِي عنكِ الجُمْلةَ، وهاتي التَّفسيرَ.. واللهِ ما كنتِ [ذاتَ] مالٍ قديمًا، ولا وَرِثْتِه حديثًا، وما أنتِ بخائنةٍ في نَفْسِك، ولا في مالِ بَعْلِك، إلَّا أنْ تكوني قدْ وَقعْتِ علىٰ كَنْز! وكيفَ دارَ الأمرُ، فقدْ أسقَطْتِ عنِّي مُؤْنةً، وكَفَيْتِني هذه النَّائبة.

القليلُ مع القليلِ كثيرٌ!

قالتْ : اعلَمْ أنِّي منذُ يومِ وَلَدْتُها إلىٰ أنْ زوَّجْتُها، كنتُ أرفعُ مِن دقيقِ كلِّ عَجْنةٍ حَفْنةً، وكُنَّا ـ كما قدْ عَلِمْتَ ـ نَخْبِزُ في كلِّ يومٍ مرَّةً، فإذا اجتمعَ مِن ذلك مَكُّوكٌ بِعْتُه.

فقالَ لها زوجُها: ثبَّتَ اللهُ رأيَكِ وأرشدَك! ولقدْ أسعدَ اللهُ مَنْ كنتِ له سَكَنًا، وباركَ لمَنْ جُعِلْتِ له إلْفًا. ولهذا وشِبْهِه قالَ رسولُ اللهِ : «مِنَ الذَّوْدِ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ»!! وإنِّي لَأَرجو أنْ يَخرُجَ وَلَدُكِ علىٰ عِرْقِكِ الصَّالح، وعلىٰ مَذهبِكِ المحمود، وما فَرَحي بهذا منكِ بأشَدَّ مِن فَرَحي بما يُثَبِّتُ اللهُ بكِ في عَقِبي مِن هذه الطَّريقةِ المَرْضِيَّة!

فنهضَ القومُ بأجْمَعِهم إلىٰ جِنازتِها، وصَلَّوْا عليها، ثمَّ انْكَفَؤُوا إلىٰ زوجِها، فعَزَّوْه علىٰ مُصِيبتِه، وشارَكُوه في حزنِه.

التوثيق
زيادة بيان:

الكبشُ الآبق

محمود غُنيم

الكَبْشُ شَقَّ العَصا يومًا علَى الرَّاعي
وقالَ للشَّاءِ: أنتمْ بعضُ أتباعي!1
حتَّىٰ أحَسَّ عَصا الرَّاعي تُؤدِّبُهُ
كما يُؤدَّبُ عَبْدٌ غيرُ مِطْواعِ
فلاذَ بالذِّئبِ، يَدْعُوهُ لنَجْدتِهِ
ومَنْ سِواهُ يُلَبِّي دَعْوةَ الدَّاعي؟!2
تناوَلَ الذِّئبُ قَرْنَيْهِ، وقالَ لهُ:
أقْبِلْ علَى الرُّحْبِ، يا رِيمًا علَى القاعِ!3
وسَخَّرَ الكَبْشَ في صَيْدِ الشِّياهِ لهُ
فجَدَّ في السَّعْيِ.. ضَلَّ السَّعْيُ والسَّاعي!
وظَلَّ يَرْتَعُ حِينًا تحتَ رايتِهِ
ويأكلُ الحَبَّ بالقِنْطارِ لا الصَّاعِ4
حتَّىٰ إذا الصَّيْدُ أعْيَا الكَبْشَ، مَزَّقَهُ
بمِخْلَبٍ مِثْلِ حَدِّ السَّيْفِ قَطَّاعِ5
فلا القَطِيعُ بَكاهُ يومَ مَصْرَعِهِ
ولا الذِّئابُ نَعاهُ منهمُ ناعِ
وهكذا راحَ ذُو القَرْنَيْنِ مَوْعِظةً
وعِبْرةً ما وَعىٰ أمْثالَها واعِ
لنْ يَنْفِيَ الكَبْشَ راعِيهِ فتُنْزِلَهُ
منها الذِّئابُ بأبصارٍ وأسماعِ!

شرح الغريب (1-5)

• الآبِق: الهارب، وشاع إطلاق هذه الصفة قديمًا على العبد الهارب من سيِّده.

  1. شقَّ العصا: خالفَ الجماعةَ وفرَّقها. الشاء: ج الشاة.
  2. لاذَ به: التجأَ إليه، واحتمى به.
  3. الرُّحْب: السَّعَة. الرِّيم: الظبي الخالص البياض. القاع: الأرض الملساء.
  4. يرتعُ: يرعى في خِصْبٍ وسَعَة. القنطار: معيارٌ يعادلُ مئةَ رطلٍ (في مصر). الصاع: مكيالٌ يعادلُ أربعةَ أمداد، وكلُّ مُدٍّ رطلٌ وثلث.
  5. أعياه: أعْجَزَه؛ فلم يهتدِ لوجهه.
ترجمة غنيم:
محمود غنيم
محمود غنيم (ت 1392ھ/ 1972م): شاعر مصري مدرس، ولد ونشأ في قرية (كوم حمادة)، وتخرج بدار العلوم، وعمل في التدريس، ثم كان مفتشًا للتعليم الأجنبي. عالج الشعر من صغره، وفاز بالجوائز. له: (صرخة في واد) ديوان شعر، و(في ظلال الثورة) ديوان ثان، [و(رجع الصدى) ديوان ثالث طبع بعد وفاته]، ومسرحيات شعرية عديدة. قيل في وصف أسلوبه الشعري: إنه خليفة حافظ إبراهيم.
التوثيق
دراسة حالة

في (التمثيل)

ضياء الدين بن الأثير

هوَ التَّشبيهُ علىٰ سبيلِ الكِناية؛ وذلك أنْ تُرادَ الإشارةُ إلىٰ معنًى، [فتوضعَ] ألفاظٌ تَدُلُّ علىٰ معنًى آخَر، وتكونَ تلك الألفاظُ وذلك المعنىٰ مثالًا للمعنى الَّذي قُصِدَتِ الإشارةُ إليه والعبارةُ عنه؛ كقولِنا: «فلانٌ نقيُّ الثَّوبِ»؛ أي: منزَّهٌ عنِ العيوب.

وللكلامِ بها فائدةٌ لا تكونُ لو قَصَدْتَ المعنىٰ بلفظِه الخاصِّ؛ وذلك لِما يَحصُلُ للسَّامعِ مِن زيادةِ التَّصوُّرِ للمدلولِ عليه؛ لأنَّه إذا صَوَّرَ [في] نفسِه مثالَ ما خُوطِبَ به، كانَ أسرعَ إلى الرَّغبةِ فيه أوِ الرَّغبةِ عنه.

تحليلُ آيةِ الغِيبة

فمِن بديعِ التَّمثيلِ قولُه تعالىٰ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ [الحجرات: 12]؛ [فإنَّه كنىٰ عنِ الغِيبةِ بأكلِ الإنسانِ لحمَ إنسانٍ آخرَ مِثْلِه]، ثمَّ لم يَقتصِرْ علىٰ ذلك حتَّىٰ جعلَه لحمَ الأخ، ولم يَقتصِرْ علىٰ لحمِ الأخِ حتَّىٰ جعلَه ميِّتًا، ثمَّ جعلَ ما هو في الغايةِ منَ الكراهةِ موصولًا بالمحبَّة! وهذه أربعُ دلالاتٍ واقعةٌ علىٰ ما قُصِدَتْ له، مطابقةٌ المعنى الَّذي وَرَدَتْ لأجْلِه.

 فأمَّا تمثيلُه الاغتيابَ بأكلِ لحمِ إنسانٍ آخرَ مِثْلِه: [﴿أَن يَأۡكُلَ﴾]، فشديدُ المناسبةِ جدًّا؛ وذلك لأنَّ الاغتيابَ إنَّما هو ذِكْرُ مَثالِبِ النَّاسِ وتمزيقُ أعراضِهم، وتمزيقُ العِرْضِ مماثِلٌ لأكلِ الإنسانِ لحمَ مَنْ يغتابُه؛ لأنَّ أكْلَ اللَّحمِ فيه تمزيقٌ لا مَحالة.

 وأمَّا قولُه: ﴿لَحۡمَ أَخِيهِ﴾ فلِما في الاغتيابِ منَ الكراهة؛ لأنَّ العقلَ والشَّرعَ معًا قد أجْمَعا على اسْتِكراهِه، وأمَرا بتركِه والبعدِ عنه. ولمَّا كانَ كذلك جُعِلَ بمنزلةِ لحمِ الأخِ في كراهتِه، ومنَ المعلومِ أنَّ لحمَ الإنسانِ مُسْتَكْرَهٌ عندَ إنسانٍ آخرَ مِثْلِه، إلَّا أنَّه لا يكونُ مِثْلَ كراهتِه لحمَ أخيه؛ فهذا القولُ مبالغةٌ في استكراهِ الغِيبة، لا أمَدَ فوقَها.

 وأمَّا قولُه: ﴿مَيۡتٗا﴾ فلأجْلِ أنَّ المغتابَ لا يَشعُرُ بغِيبتِه ولا يُحِسُّ.

 وأمَّا جَعْلُه ما هو في الغايةِ منَ الكراهةِ موصولًا بالمحبَّةِ [في قولِه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ﴾]، فلِما جُبِلَتْ عليه النُّفوسُ منَ الميلِ إلى الغِيبةِ والشَّهوةِ لها، مع العلمِ بأنَّها مِن أذمِّ الخِلال، ومكروهِ الأفعال، عندَ اللهَِ تعالىٰ والنَّاس.

الخلاصة

فانْظُرْ أيُّها المتأمِّلُ لهذا التَّمثيلِ كيفَ مطابقتُه لِما مُثِّلَ به، تَجِدْه مِن أبلغِ التَّمثيلاتِ وأندرِها مثالًا؛ لأنَّك متىٰ نظرْتَ إلىٰ كلِّ واحدةٍ مِن تلك الدَّلالاتِ الأربعِ الَّتي أورَدْناها، رأيْتَها مناسِبةً لِما قُصِدَتْ له: فتمزيقُ العِرْضِ مِثْلُ أكْلِ الإنسانِ لحمَ مَنْ يغتابُه؛ لأنَّ ذلك تمزيقٌ على الحقيقة، وجُعِلَ بمنزلةِ (لحمِ الأخِ) لأجلِ المبالغةِ في الكراهة، و(الميِّتِ) لامتناعِ الإحساسِ به، واتصالُ ما هو مُسْتَكْرَهٌ بالمحبَّةِ؛ لِما في طبعِ الأنفسِ منَ الشَّهوةِ للغِيبةِ والميلِ إليها. فاعْرِفْ ذلك.

التوثيق
الصفحة 1 من 7