العهد الجديد

جبران خليل جبران

في الشَّرقِ اليومَ فِكْرتانِ مُتصارِعتان: فكرةٌ قديمة، وفكرةٌ جديدة. أمَّا الفكرةُ القديمةُ فستُغلَبُ علىٰ أمْرِها؛ لأنَّها مَنْهُوكةُ القُوىٰ، مَحْلُولةُ العَزْم.

وفي الشَّرقِ يَقَظةٌ تُراوِدُ النَّومَ، واليَقَظةُ قاهرةٌ؛ لأنَّ الشَّمسَ قائدُها، والفَجْرَ جيشُها.

وفي حقولِ الشَّرقِ ـ ولقدْ كانَ الشَّرقُ بالأمسِ جَبَّانةً واسعةَ الأرجاءِ ـ يَقِفُ اليومَ فتى الرَّبيعِ مُناديًا سُكَّانَ الأجْداث؛ لِيَهُبُّوا ويَسيرُوا معَ الأيَّام. وإذا ما أنْشَدَ الرَّبيعُ أُغنِيَّتَه بُعِثَ مَصْرُوعُ الشِّتاء، وخَلَعَ أكفانَه ومشىٰ!

وفي فضاءِ الشَّرقِ اهتزازاتٌ حيَّة؛ تنمو وتتمدَّدُ وتتوسَّع، وتتناولُ النُّفوسَ المتنبِّهةَ الحسَّاسةَ فتَضُمُّها إليها، وتحيطُ بالقلوبِ الأبيَّةِ الشَّاعرةِ لتكتسِبَها.

سيِّدان.. ومَوْكِبان

وللشَّرقِ اليومَ سيِّدان: سيِّدٌ يأمرُ ويَنهىٰ ويُطاع، ولكنَّه شيخٌ يُحْتَضَر، وسيِّدٌ ساكتٌ بسكوتِ النَّوامِيسِ والأنظمة، هادئٌ بهدوءِ الحقِّ، ولكنَّه جبَّارٌ مفتولُ السَّاعِدَيْن، يَعرِفُ عَزْمَه، ويَثِقُ بكِيانِه، ويؤمِنُ بصَلاحِيَتِه.

[… و] في الشّرقِ مَوْكِبان: مَوْكِبٌ مِن عجائزَ مُحْدَوْدِبِي الظُّهور، يَسِيرونَ مُتوكِّئينَ على العِصِيِّ العَوْجاء، ويَلْهَثُونَ مَنْهُوكِين، معَ أنَّهم ينحَدِرُونَ منَ الأعالي إلى المُنْخَفضات! ومَوْكِبٌ مِن فِتْيانٍ يتراكَضُونَ كأنَّ في أرجُلِهم أجْنِحةً، ويُهَلِّلُونَ كأنَّ في حَناجِرِهم أوتارًا، ويَنْتَهِبُونَ العَقَباتِ كأنَّ في جَبَهاتِ الجبالِ قوَّةً تَجْذِبُهم، وسِحْرًا يَخْتَلِبُ ألْبابَهم.

أبناءُ الأمس

أقولُ لك: إنَّ أبناءَ الأمسِ يَمشُونَ في جِنازةِ العهدِ الَّذي أوجَدَهم وأوجَدُوه.

أقولُ: إنهم يَشُدُّونَ بحَبْلٍ أَوْهَتِ الأيَّامُ خُيُوطَه، فإذا ما انقطعَ ـ وعمَّا قريبٍ ينقطعُ ـ هبطَ مَنْ تعلَّقَ به إلىٰ حُفْرةِ النِّسيان.

أقولُ: إنَّهم يَسْكُنُونَ منازلَ مُتَداعِيةَ الأركان، فإذا ما هَبَّتِ العاصفةُ ـ وهي علىٰ وَشْكِ الهُبُوبِ ـ انهدَمَتْ تلكَ المنازلُ علىٰ رؤوسِهم، وكانتْ لهم قُبُورًا!

أبناءُ الغد

أمَّا أبناءُ الغدِ فهمُ الَّذينَ نادَتْهمُ الحياة، فاتَّبَعُوها بأقدامٍ ثابتةٍ ورؤوسٍ مرفوعة، هم فَجْرُ عهدٍ جديد؛ فلا الدُّخانُ يَحْجُبُ أنوارَهم، ولا قَلْقَلةُ السَّلاسلِ تَغْمُرُ أصواتَهم، ولا نَتْنُ المستنقَعاتِ يتغلَّبُ علىٰ طِيبِهم.

هم طائفةٌ قليلةُ العَدَدِ بينَ طوائفَ كَثُرَ عَدَدُها، ولكنَّ في الغُصْنِ المُزْهِرِ ما ليسَ في غابةٍ يابسة، وفي حَبَّةِ القمحِ ما ليسَ في رابيةٍ منَ التِّبْن!

ترجمة جبران:
 جبران خليل جبران
جبران بن خليل بن مخائيل الماروني اللبناني (ت 1349ھ/ 1931م): نابغة الكتّاب المعاصرين في المهجر الأمريكي، وأوسعهم خيالًا. أصله من دمشق، وتعلّمه ببيروت، ووفاته في نيويورك. امتاز بسعة في خياله، وعمق في تفكيره، وهو شاعر في نثره لا في نظمه، وكان يجيد الإنجليزية ككتّابها، وله فيها كتب ترجمت إلى العربية ونشرت بها. من كتبه: دمعة وابتسامة، الأرواح المتمردة، الأجنحة المتكسرة، العواصف.
التوثيق
إدارة الأوابد
نضع بين أيديڪم روائع الضـاد؛ محررة ميسرة، قريبة المأخذ، سهلة المتناول. إعداد وتحرير: إدارة الموقع، التدقيق اللغوي والمراجعة العلمية: محمد علي الحسني.

إضافة تعليق

لن يُنشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الضرورية مشار إليها بـ *