قد يَشجُعُ الجبان!

ابن قتيبة

كانَ بالبَصْرةِ شيخٌ مِن بَني نَهْشَل؛ يُقالُ له: عُرْوةُ بنُ مَرْثَد، ويُكْنىٰ أبا الأغَرِّ، يَنْزِلُ في بَني أختٍ له في سِكَّةِ بَني مازن، وبَنُو أختِه مِن قُرَيْش، فخرجَ رجالُهم إلىٰ ضِياعِهم في شهرِ رمضان، وخرجَ النِّساءُ يُصَلِّينَ في مسجدِهم، فلم يَبْقَ في الدَّارِ إلَّا الإماءُ، فدخلَ كلبٌ يَعْتَسُّ، فرأىٰ بيتًا مفتوحًا فدَخَلَه، فانْصَفَقَ البابُ عليه، فسَمِعَ الحركةَ بعضُ الإماء، فظَنُّوا أنَّ لِصًّا دخلَ الدَّار، فذهبَتْ إحداهنَّ إلىٰ أبي الأغرِّ ـ وليسَ في الحيِّ رجلٌ غيرُه ـ فأخبرَتْه، فقالَ أبو الأغرِّ: ما يَبتغي اللِّصُّ منَّا؟!

الخطة (أ):

ثمَّ أخذَ عَصاه وجاء، فوقفَ علىٰ بابِ البيتِ وقال: إيهِ يا مَلْأَمانُ، أمَا واللهِ إنَّكَ بي لَعارِف، وإنِّي بكَ أيضًا لَعارِف؛ فهل أنتَ إلَّا مِن لصوصِ بَني مازن؟! شَرِبْتَ حامِضًا خبيثًا، حتَّىٰ إذا دارتِ [الأقداحُ] في رأسِكَ مَنَّتْكَ نَفْسُكَ الأمانيَّ؛ وقلتَ: أطْرُقُ دُورَ بَني عَمْرٍو والرِّجالُ خُلُوفٌ، والنِّساءُ يصلِّينَ في مسجدِهم، فأسْرِقُهم. سَوْءَةً لك! واللهِ ما يفعلُ هذا ولدُ الأحرار، وَايْمُ اللهِ لَتَخْرُجَنَّ، أو لَأَهْتِفَنَّ هَتْفةً مشؤومةً عليك، يلتقي فيها الحَيَّانِ: عَمْرٌو وحَنْظَلة، وتَجِيءُ سَعْدٌ بعَدَدِ الحصىٰ، وتسيلُ عليكَ الرِّجالُ مِن هاهنا ومِن هاهنا، ولئنْ فعلْتُ لَتكُونَنَّ أشْأمَ مولود.

الخطة (ب):

فلمَّا رأىٰ أنَّه لا يُجِيبُه أحدٌ، أخَذَ باللِّينِ فقال: اخْرُجْ ـ بأبي وأُمِّي! ـ أنتَ مَسْتُور، إنِّي واللهِ ما أُراكَ تَعْرِفُني، ولو عَرَفْتَني لَقَنِعْتَ بقَوْلي، واطمأْنَنْتَ إليَّ. أنا ـ فَدَيْتُكَ!  ـ أبو الأغرِّ النَّهْشَليُّ، وأنا خالُ القومِ وجِلْدةُ ما بينَ أعْيُنِهم، لا يَعْصُونَني في أمر، ولنْ تُضارَّ اللَّيلةَ، فاخْرُجْ؛ فأنتَ في ذِمَّتي، وعندي قَوْصَرَّتانِ أهْدَاهما إليَّ ابنُ أختي البارُّ الوَصُول، فخُذْ إحداهما فانْتَبِذْها حلالًا منَ اللهِ ورسولِه!

الخطة (ج):

وكانَ الكلبُ إذا سَمِعَ الكلامَ أطْرَقَ، وإذا سكتَ أبو الأغرِّ وثبَ يُرِيغُ المَخْرجَ، فتَهانَفَ أبو الأغرِّ، ثمَّ تَضاحَكَ وقال: يا ألأمَ النَّاسِ وأوْضَعَهم، لا أرىٰ إلَّا أنِّي لكَ اللَّيلةَ في وادٍ، وأنتَ لي في وادٍ؛ إذا قلتُ لكَ السَّوداءَ والبيضاءَ تُصِيخُ وتُطْرِق، وإذا سَكَتُّ عنكَ وَثَبْتَ تُرِيغُ المَخْرجَ، واللهِ لَتَخْرُجَنَّ أو لَأَلِجَنَّ عليكَ البيت.

فلمَّا طالَ وُقُوفُه، جاءتْ إحدى الإماءِ فقالت: أعرابيٌّ مجنون! واللهِ ما أرىٰ في البيتِ شيئًا. فدَفعَتِ البابَ، فخرجَ الكلبُ شَدَّا، وحادَ عنه أبو الأغرِّ ساقِطًا علىٰ قفاه، ثمَّ قال: تاللهِ ما رأيْتُ كاللَّيلةِ هذه! واللهِ ما أراه إلا كلبًا، أمَا واللهِ لو عَلِمْتُ بحالِه لَوَلَجْتُ عليه.

حديثٌ آخَر

وشبيهٌ بهذا حديثٌ لأبي حَيَّةَ النُّمَيْريِّ، وكانَ له سيفٌ ليسَ بينَه وبينَ الخَشَبةِ فَرْقٌ، وكانَ يُسمِّيه (لُعابَ المَنِيَّة)!!

قالَ جارٌ له: أشْرَفْتُ عليه ليلةً وقدِ انْتَضاه، وشَمَّرَ وهو واقفٌ ببابِ بيتٍ في دارِه ـ وقدْ سَمِعَ منه حِسًّا ـ وهو يقول: أيُّها المغتَرُّ بنا والمجترِئُ علينا، بئسَ واللهِ ما اخترْتَ لنَفْسِك؛ خيرٌ قليل، وسيفٌ صَقِيل؛ لُعابُ المَنِيَّةِ الذي سَمِعْتَ به، [مشهورةٌ] ضَرْبَتُه، لا تُخافُ نَبْوَتُه. اخْرُجْ بالعفوِ عنك، وإلَّا دخلْتُ بالعقوبةِ عليك، إنِّي واللهِ إنْ أدْعُ قَيْسًا تَمْلَأِ الأرضَ عليكَ خَيْلًا ورَجْلًا. يا سبحانَ الله! ما أكثرَها وأطيبَها!

ثم فُتِحَ البابُ، فإذا كلبٌ قدْ خَرَج، فقال: الحمدُ للهِ الَّذي مَسَخَكَ كَلْبًا، وكفاني حَرْبًا!!

التوثيق
زيادة بيان:
إدارة الأوابد
نضع بين أيديڪم روائع الضـاد؛ محررة ميسرة، قريبة المأخذ، سهلة المتناول. إعداد وتحرير: إدارة الموقع، التدقيق اللغوي والمراجعة العلمية: محمد علي الحسني.

رأيان على ”قد يَشجُعُ الجبان!

  1. إدارة الأوابد يقول:

    حيَّاكم الله أستاذنا العزيز، وأسعد أوقاتكم بكل خير، نسأله لنا ولكم دوام التوفيق والسداد.
    تفضلوا بقبول فائق الودّ والاحترام.

إضافة تعليق

لن يُنشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الضرورية مشار إليها بـ *