في منهج الاختيار (2)

مصطفى لطفي المنفلوطي

الجزء الأول

وسبيلُ كُتبِ المُخْتاراتِ الَّتي يُرادُ منها غَرْسُ مَلَكَةِ البيانِ في نَفْسِ المُتأدِّب، غيرُ سبيلِ كُتبِ العِلْمِ الَّتي لا يُرادُ منها غيرُ حُصولِ ما تَشْتَمِلُ عليهِ مِن قواعدِ العُلومِ ومسائِلِها في ذِهْنِ المُتعلِّم، ولنْ تستقِرَّ مَلَكَةُ البيانِ في النَّفْسِ حتَّىٰ يَقِفَ المُتأدِّبُ بطائفةٍ مِن شريفِ القولِ ـ منظومِه ومنثورِه ـ وُقوفَ المُسْتَثْبِتِ المُسْتَبْصِر؛ الَّذي يَرَى المعنىٰ بعيدًا فيمشي إليه، أو نازِحًا فيَسْتَدْنِيه، أو مُحلِّقًا فيَصْعدُ إليه، أو مُتغَلْغِلًا فيتمشَّىٰ في أحشائِهِ حتَّىٰ يُصِيبَ لُبَّه، ولا يزالُ يعالِجُ ذلكَ عِلاجًا شديدًا يَنْضَحُ لهُ جَبِينُه، وتَنْبَهِرُ لهُ أنفاسُه، حتَّىٰ تَتَكيَّفَ مَلَكَتُه بالكَيْفيَّةِ الَّتي يريدُها.

لذلكَ لمْ أرَ بُدًّا مِن أنْ أسْتَخِيرَ اللهَ تعالىٰ، في أنْ أجمعَ لكَ يا بُنيَّ في هذا السِّفْرِ مِن جيِّدِ المنظومِ والمنثور، ما أعْلَمُ أنَّه ألْصَقُ بكَ وأدْنَىٰ إليك، وأنفعُ لكَ في تثقيفِ عقلِك، وتقويمِ لسانِك، وتحليلِ ما أسْأَرَتْه الأيَّامُ منَ العُجْمةِ في قلمِكَ ولسانِك؛ فهَزَزْتُ لكَ دَوْحَةَ الأدبِ العربيِّ هَزَّةً تناثرَتْ فيها هذهِ الثَّمَراتُ النَّاضِجةُ الَّتي تَراها بينَ يدَيْك.

مِعْيارُ الاختيار

أمَّا الجيِّدُ فقاعِدَتُه عندي ما يأتي: كلُّ كلامٍ صحيحِ النَّظْمِ والنَّسَق، إذا قرأهُ القارئُ وَجَدَ في نَفْسهِ الأثرَ الَّذي أرادَه الكاتبُ منه، مِن حيثُ لا يَجِدُ فيه مَسْحةً تَدُلُّ علىٰ أنَّ صاحِبَه يحاوِلُ أنْ يكونَ فيه بليغًا= فهو بليغ.

ولا أكْتُمُكَ أنِّي قدِ اسْتَجَزْتُ لنَفْسي ما اسْتَجازَه لأنْفُسِهمُ المُخْتارونَ مِن قَبْلي؛ فتصرَّفْتُ في قليلٍ منَ المختاراتِ بعضَ التَّصرُّف: بالتَّقْديم، والتَّأْخير، والاخْتصار، والتَّلْخيص، والحَذْف. وقدْ لَقِيتُ في هذا السَّبيل ـ وفي كلِّ سبيلٍ سَلَكْتُه إلىٰ جَمْعِ هذه المختاراتِ ـ عناءً كثيرًا، لا أسألُكَ يا بُنيَّ عليه أجْرًا سوىٰ أنْ تَنْتَصِحَ بما أنْصَحُكَ بهِ في كَلِمتي هذه؛ وهيَ أنَّكَ لنْ تستطيعَ أنْ تنتفعَ بهذهِ المختاراتِ إلا بشُروطٍ ثلاثة:

شروطُ الانتفاع

 أوَّلُها: أنْ تملأَ قلبَكَ منَ الثِّقةِ بها والسُّكونِ إليها؛ حتَّىٰ لا يَصْرِفَكَ عنها صارف، ولا يَخدعَكَ عنها خادع.

 وثانيها: أنْ تقِفَ بها وُقوفَ الدَّارسِ المُتعلِّم، لا وُقوفَ المُتنزِّهِ المُتفرِّج؛ فلا يَمْنَعْكَ فَهْمُ ما فَهِمْتَهُ مِن مُعاوَدتِه وترديدِ النَّظرِ فيه؛ حتَّىٰ تَرْشُفَ فيهِ منَ الكأْسِ ثُمالَتَها، ولا تَصَعُّبُ ما تَصَعَّبَ عليكَ مِن مُراجعتِه والاخْتلافِ إليه، والتَّغَلْغُلِ في أحشائهِ؛ فإنَّكَ لا بُدَّ ماخِضٌ زُبْدَتَه، ومُصِيبٌ لُبَّه.

 وثالثُها: أنْ تَحْميَ نَفْسَكَ النَّظرَ في هذهِ المخطوطاتِ المختلفة، الَّتي تتجدَّدُ كلَّ يومٍ أمامَ عينَيْكَ في أسْفارِ هذا العصرِ وصُحُفِه؛ فإنَّ التَّربيةَ الكتابيَّةَ مِثْلُ التَّربيةِ الأخلاقيَّة؛ يَسْرِي فيها الدَّاء، ثمَّ يُعْوِزُ الدَّواء.

فإنْ أخذْتَ بنصيحتي، وعُنِيتَ بها العِنايةَ كُلَّها، وكنتَ ممَّنْ رزقَهمُ اللهُ قَرِيحةً خِصْبةً صالحةً لنَماءِ ما يُغْرَسُ فيها منَ البُذورِ الصَّالحة، بَلَغْتَ ما أردْتُ لكَ إنْ شاءَ اللهُ تعالىٰ.

التوثيق
إدارة الأوابد
نضع بين أيديڪم روائع الضـاد؛ محررة ميسرة، قريبة المأخذ، سهلة المتناول. إعداد وتحرير: إدارة الموقع، التدقيق اللغوي والمراجعة العلمية: أبو الحسن محمد علي الحسني.