أصولُ البلاغة

بِشْر بن المُعتمِر

خُذْ مِنْ نَفْسِكَ ساعةَ نشاطِكَ وفراغِ بالِكَ وإجابتِها إيَّاك؛ فإنَّ قليلَ تلكَ السَّاعةِ أكْرَمُ جَوْهَرًا، وأشْرَفُ حَسَبًا، وأحْسَنُ في الأسماع، وأحلىٰ في الصُّدُور، وأسْلَمُ مِن فاحشِ الخَطَاء، وأجْلَبُ لكلِّ عَيْنٍ وغُرَّة؛ مِن لفظٍ شريف، ومعنًى بديع.

واعلَمْ أنَّ ذلكَ أجْدىٰ عليكَ ممَّا يُعْطِيكَ يومُكَ الأطْوَل، بالكَدِّ والمُطاوَلةِ والمجاهَدة، وبالتَّكلُّفِ والمعاوَدة، ومهما أخْطَأكَ لم يُخْطِئْكَ أنْ يكونَ مقبولًا قَصْدًا، وخفيفًا على اللِّسانِ سهلًا، وكما خرجَ مِن يَنْبُوعِه، ونَجَمَ مِن مَعْدِنِه.

وإيَّاكَ والتَّوَعُّرَ؛ فإنَّ التَّوَعُّرَ يُسْلِمُكَ إلى التَّعْقيد، والتَّعْقيدُ هوَ الَّذي يَسْتَهْلِكُ معانِيَك، ويَشِيْنُ ألفاظَك، ومَنْ أراغَ معنًى كريمًا فلْيَلْتَمِسْ لهُ لفظًا كريمًا؛ فإنَّ حَقَّ المعنى الشَّريفِ اللَّفْظُ الشَّريف، ومِن حقِّهما أنْ تَصُونَهما عمَّا يُفْسِدُهما ويُهَجِّنُهما، وعمَّا تعودُ مِن أجْلِه أنْ تكونَ أسْوَأَ حالًا منكَ قبْلَ أنْ تلْتَمِسَ إظْهارَهما، وتَرْتَهِنَ نَفْسَك بمُلابَسَتِهما وقضاءِ حقِّهما.

فكُنْ في [إحدىٰ] ثلاثِ منازِل:

٭ المنزلة الأولى

فإنَّ أُوْلى الثَّلاثِ أنْ يكونَ لفظُكَ رشيقًا عَذْبًا، وفَخْمًا سهلًا، ويكونَ معناكَ ظاهرًا مكشوفًا، وقريبًا معروفًا؛ إمَّا عندَ الخاصَّةِ إنْ كنتَ للخاصَّة قصَدْت، وإمَّا عندَ العامَّةِ إنْ كنتَ للعامَّةِ أرَدْت.

والمعنىٰ ليسَ يَشْرُفُ بأنْ يكونَ مِن معاني الخاصَّة، وكذلك ليسَ يَتَّضِعُ بأنْ يكونَ مِن معاني العامَّة؛ وإنَّما مدارُ الشَّرفِ على الصَّوابِ وإحرازِ المنفعة، معَ موافقةِ الحال، وما يجبُ لكُلِّ مقامٍ منَ المقال، وكذلكَ اللَّفظُ العامِّيُّ والخاصِّيُّ. فإنْ أمكنَكَ أنْ تَبْلُغَ مِن بيانِ لِسَانِك، وبلاغةِ قلَمِك، ولُطْفِ مَدَاخِلِك، واقْتدارِكَ علىٰ نَفْسِك، إلىٰ أنْ تُفْهِمَ العامَّةَ معانيَ الخاصَّة، وتَكْسُوَها الألفاظَ الواسِطَةَ الَّتي لا تَلْطُفُ عنِ الدَّهْماء، ولا تَجْفُو عنِ الأكْفَاء= فأنتَ البليغُ التَّامُّ.

٭ المنزلة الثانية

فإنْ كانتِ المنْزِلةُ الأُولىٰ لا تُواتِيكَ ولا تَعْتَرِيك، ولا [تَسْنَحُ] لكَ عندَ أوَّلِ نَظَرِك، وفي أوَّلِ تَكَلُّفِك، وتجدُ اللَّفظةَ لم تَقَعْ مَوْقِعَها، ولم تَصِرْ إلىٰ قَرارِها، وإلىٰ حقِّها مِن أماكنِها المقسومةِ لها، والقافيةَ لم تَحُلَّ في مَرْكَزِها وفي نِصابِها، ولم تتَّصِلْ بشَكْلِها، وكانت قلِقةً في مكانِها، نافرةً مِن موضعِها= فلا تُكْرِهَّا على اغتصابِ الأماكن، والنُّزولِ في غيرِ أوطانِها.

فإنَّكَ إذا لم تتعاطَ قَرْضَ الشِّعْرِ الموزون، ولم تتكلَّفِ اختيارَ الكلامِ المنثور، لم يَعِبْكَ بتَرْكِ ذلكَ أحد، فإنْ أنتَ تكلَّفْتَهُما، ولم تَكُنْ حاذقًا مطبوعًا، ولا مُحْكِمًا لشَأْنِك، بصيرًا بما عليكَ وما لك، عابَكَ مَنْ أنتَ أقلُّ عيبًا منه، ورأىٰ مَنْ هو دُونَكَ أنَّهُ فوقَك.

فإنِ ابْتُلِيتَ بأنْ تتكلَّفَ القول، وتتعاطى الصَّنْعَة، ولم تَسْمَحْ لكَ الطِّباعُ في أوَّلِ وَهْلة، و[تَعَصَّىٰ] عليكَ بعدَ إجالةِ الفكرة، فلا تعْجَلْ ولا تضْجَرْ، ودَعْهُ بياضَ يومِك، وسوادَ ليلتِك، وعاوِدْهُ عندَ نشاطِكَ وفراغِ بالِك، فإنَّكَ لا تَعْدَمُ الإجابةَ والمُواتاةَ إنْ كانتْ هناكَ طبيعة، أو جَرَيْتَ منَ الصِّناعةِ على عِرْق.

٭ المنزلة الثالثة

فإنْ تمنَّعَ عليكَ بعدَ ذلكَ مِن غيرِ حادثِ شُغْلٍ عَرَضَ، ومِن غيرِ طُولِ إهْمال، فالمَنْزِلةُ الثَّالثةُ أنْ تتحوَّلَ مِن هذه الصِّناعةِ إلىٰ أشهى الصِّناعاتِ إليك، وأخفِّها عليك؛ فإنَّكَ لم تَشْتَهِه ولم تُنازِعْ إليه إلَّا وبيْنَكُما نَسَبٌ، والشَّيْءُ لا يَحِنُّ إلَّا إلىٰ ما يشاكِلُه، وإنْ كانتِ المشاكلةُ قدْ تكونُ في طَبَقات؛ لأن النُّفوسَ لا تجودُ بمَكْنُونِها معَ الرَّغْبة، ولا تَسْمَحُ بمخْزُونِها معَ الرَّهْبة، كما تجودُ بهِ معَ الشَّهْوَةِ والمحبَّة. فهذا هذا.

ترجمة ابن المعتمر:
بِشْر بن المُعتمِر الهلالي البغدادي (ت 210ھ/ 825م): فقيه معتزلي مناظِر، من أهل الكوفة. قال الشريف المرتضى: «يقال: إن جميع معتزلة بغداد كانوا من مستجيبيه». تُنسب إليه الطائفة البِشْرية منهم، له مصنفات في الاعتزال؛ منها قصيدة في أربعين ألف بيت، رد فيها على جميع المخالفين.
التوثيق
إدارة الأوابد
نضع بين أيديڪم روائع الضـاد؛ محررة ميسرة، قريبة المأخذ، سهلة المتناول. إعداد وتحرير: إدارة الموقع، التدقيق اللغوي والمراجعة العلمية: أبو الحسن محمد علي الحسني.