طردُ الهمِّ

ابن حَزْم الأندلسي

تَطَلَّبتُغَرَضًا يَسْتوي النَّاسُ كلُّهم في اسْتِحسانِه وفي طَلَبِه، فلَمْ أَجِدْه إلَّا واحدًا؛ وهو طَرْدُ الهَمِّ. فلمَّا تدبَّرْتُه عَلِمْتُ أنَّ النَّاسَ كلَّهم لَمْ يَسْتَوُوا في اسْتِحسانِه فقطْ، ولا في طَلَبِه فقطْ، ولكنْ رأيْتُهم على اختلافِ أهوائِهم ومَطالِبِهم، وتبايُنِ هِمَمِهم وإراداتِهم، لا يتحرَّكُونَ حركةً أصْلًا إلَّا فيما يَرْجُونَ به طَرْدَ الهَمِّ، ولا يَنْطِقُونَ بكلمةٍ أصْلًا إلَّا فيما يُعانُونَ به إزاحتَه عنْ أنْفُسِهم؛ فمِنْ مُخطئٍ وَجْهَ سبيلِه، ومِن مُقارِبٍ للخطأ، ومِن مُصِيب؛ وهو الأقلُّ منَ النَّاسِ في الأقلِّ مِن أُمُورِه.

إجماعٌ أُمَمِيٌّ

فطَرْدُ الهَمِّ مَذْهبٌ قدِ اتَّفقَتِ الأُمَمُ كلُّها ـ منذُ خَلَقَ اللهُ تعالىٰ العالَم، إلىٰ أنْ يتناهىٰ عالَمُ الابتداء، ويُعاقِبَه عالَمُ الحساب ـ علىٰ ألَّا يَعتمِدُوا بسَعْيِهم شيئًا سِواه… وليسَ في العالَمِ مُذْ كانَ إلىٰ أنْ يتناهىٰ أحدٌ يَستحسِنُ الهَمَّ، ولا يريدُ إلَّا طَرْحَه عنْ نَفْسِه.

ولكنْ كَيْف؟

فلمَّا استقَرَّ في نَفْسِي هذا العِلْمُ الرَّفيع، وانكشفَ لي هذا السِّرُّ العجيب، وأنارَ اللهُ تعالىٰ لفِكْرِي هذا الكَنْزَ العظيم، بحثْتُ عنْ سبيلٍ مُوصِلةٍ على الحقيقةِ إلىٰ طَرْدِ الهَمِّ، الَّذي هو المطلوبُ النَّفِيسُ الَّذي اتَّفقَ جميعُ أنواعِ الإنسانِ ـ الجاهلِ منهم والعالِم، والصَّالحِ والطَّالِح ـ على السَّعْيِ له، فلَمْ أَجِدْها إلَّا التَّوَجُّهَ إلى اللهِ بالعملِ للآخرة.

كُلٌّ علىٰ شاكِلَتِه

فإنَّما طلبَ المالَ طُلَّابُه ليَطْرُدُوا به عنْ أنْفُسِهم هَمَّ الفَقْر، وإنَّما طلبَ الصَّوْتَ مَنْ طلبَه ليَطْرُدَ به عنْ نَفْسِه هَمَّ الاستعلاءِ عليها، وإنَّما طلبَ اللَّذَّاتِ مَنْ طلبَها ليَطْرُدَ بها عنْ نَفْسِه هَمَّ فَوْتِها، وإنَّما طلبَ العِلْمَ مَنْ طلبَه ليَطْرُدَ به عنْ نَفْسِه هَمَّ الجهل، وإنَّما هَشَّ إلىٰ سماعِ الأخبارِ ومحادثةِ النَّاسِ مَنْ يَطْلُبُ ذلك؛ ليَطْرُدَ بها عنْ نَفْسِه هَمَّ التَّوحُّدِ ومَغِيبَ أحوالِ العالَمِ عنه، وإنَّما أكلَ مَنْ أكل، وشَرِبَ مَنْ شَرِب، ونَكَحَ مَنْ نَكَح، ولَبِسَ مَنْ لَبِس، ولَعِبَ مَنْ لَعِب، واكْتَنَزَ مَنِ اكْتَنَز، ورَكِبَ مَنْ رَكِب، ومشىٰ مَنْ مشىٰ، وتَوَدَّعَ مَنْ تَوَدَّع؛ ليَطْرُدُوا عنْ أنْفُسِهم أضدادَ هذه الأفعالِ وسائرَ الهُمُوم.

دارُ الأكدار

وفي كلِّ ما ذكَرْنا لمَنْ تدبَّرَه هُمُومٌ حادثةٌ لا بُدَّ منها: مِن عَوارِضَ تَعْرِضُ في خِلالها، وتَعَذُّرِ ما يَتَعذَّرُ منها، وذهابِ ما وُجِدَ منها، والعَجْزِ عنه لبعضِ الآفاتِ الكائنة، [ونتائجِ سَوْءٍ تَنْتُجُ] بالحُصولِ علىٰ ما حُصِلَ عليه مِن كلِّ ذلك؛ مِن خَوْفِ مُنافِس، أو طَعْنِ حاسد، أوِ اخْتِلاسِ راغِب، أوِ اقْتِناءِ عَدُوٍّ، معَ الذَّمِّ والإثمِ وغيرِ ذلك.

سعادةُ الدَّارَيْن

ووَجَدْتُ العملَ للآخرةِ سالمًا مِن كلِّ عَيْب، خالصًا مِن كلِّ كَدَر، مُوصِلًا إلىٰ طَرْدِ الهَمِّ على الحقيقة. ووَجَدْتُ العاملَ للآخرةِ إنِ امْتُحِنَ بمكروهٍ في تلك السَّبيلِ لمْ يَهْتَمَّ، بلْ يُسَرُّ؛ إذْ رجاؤُه في عاقبةِ ما ينالُ منه، عَوْنٌ له علىٰ ما يَطْلُب، وزائدٌ في الغَرَضِ الَّذي إيَّاه يَقْصِد. ووَجَدْتُه إنْ عاقَه عمَّا هو بسبيلِه عائقٌ لمْ يَهْتَمَّ؛ إذْ ليسَ مُؤاخَذًا بذلك؛ فهو غيرُ مُؤَثِّرٍ فيما يَطْلُب. ووَجَدْتُه إنْ قُصِدَ بالأذىٰ سُرَّ، وإنْ تَعِبَ فيما سَلَكَ فيه سُرَّ، فهو في سُرورٍ متَّصِلٍ أبدًا، وغيرُه بخلافِ ذلك أبدًا.

مطلوبٌ واحد.. طريقٌ واحد

فاعْلَمْ أنَّه مطلوبٌ واحد؛ وهو طَرْدُ الهَمِّ، وليسَ إليه إلَّا طريقٌ واحد؛ وهو العملُ للهِ تعالىٰ. فما عدا هذا فضَلالٌ وسُخْف.

التوثيق
إدارة الأوابد
نضع بين أيديڪم روائع الضـاد؛ محررة ميسرة، قريبة المأخذ، سهلة المتناول. إعداد وتحرير: إدارة الموقع، التدقيق اللغوي والمراجعة العلمية: أبو الحسن محمد علي الحسني.