أصولُ الانتقاد

مصطفى الغلاييني

السَّعيُ وراءَ الحقائقِ دَأَبُ كلِّ عاقلٍ يَرْبَأُ بنَفْسِه أنْ يَرِدَ مَوارِدَ الأوهامِ والظُّنون، وشِنْشِنةُ المَرْءِ الَّذي لا يُهِمُّه إلَّا التَّنقيبُ عمَّا هو حقيقةٌ راهِنةٌ لا تَقْبَلُ الإيهام؛ فمعرفةُ الحقيقةِ واسْتِطلاعُ شُؤونِها غايةُ ما يَتطلَّبُه العُقَلاء، ومُنتهىٰ ما يسعىٰ لأجلِه الأُدَباء.

غيرَ أنَّ معرفةَ هذه الحقيقةِ صعبةٌ علىٰ مَنْ لم يَحْلُبِ الدَّهرَ أشْطُرَه، ويَعْرِفْ حُلْوَه ومُرَّه؛ لأنَّ تحصيلَ هذه المعرفةِ يتوقَّفُ علىٰ إذْكاءِ نارِ الجِدِّ، وإيقادِ جَذْوةِ الطَّلبِ والاجتهاد، والمباحثةِ والمذاكَرة، والرَّدِّ والاعْتِراض، والمناقشةِ والانتقاد.

فوائدُ الانتقاد

الانتقادُ يُمَحِّصُ الحقائقَ، ويُثِيرُ الأذهانَ ، ويُوَسِّعُ نِطاقَ العُقول، ويُبْرِزُ الحقيقةَ مِن خفايا الوجودِ بأبهىٰ حُلَلِها، وأجملِ بُرُودِها، تَتَجلَّىٰ للرَّائينَ كالغَزالةِ عندَ الطُّلُوع؛ فتَعْشُو عندَ ذلك عُيونُ المكابِرِين؛ فيَرْتَدُّ بَصَرُهم خاسِئًا وهو حَسِير.

ليسَ مِن أُمَّةٍ حَطَّتْ عنها أعباءَ الكسل، ورَمَتْ بإهمالِها إلىٰ أقصىٰ مكان، إلَّا كانَ الانتقادُ هو الدَّاعيَ الأكبر، والسَّببَ الأقوىٰ في تقدُّمِها؛ ولذلكَ نرىٰ أنَّ مِقدارَ ارْتِقائِها إلىٰ أَوْجِ السَّعادةِ في المعرفةِ والمَدَنيَّةِ بكثرةِ عَددِ المنتقِدينَ فيها، واقتدارِهم علىٰ معرفةِ مواضعِ النَّقدِ لِيُظْهِرُوها، وحِذْقِهم بمَحالِّ العِلَّةِ فيُخْرِجُوها.

وما المنتقِدونَ إلَّا كالأطبَّاء؛ يَرَوْنَ العِلَلَ وأسبابَها، فيَعملُونَ علىٰ تطهيرِ البدنِ منها، وإراحةِ الجسمِ مِن أذاها… [و] لولا الانتقادُ لَمَا بَعَثَ اللهُ الأنبياء، وعَلَّمَ العُلماء، وأمرَ النَّاسَ باتِّباعِهم، والاستماعِ لنصائحِهم؛ إذِ الغايةُ مِن إرسالِ الرُّسُلِ انتقادُ العاداتِ والأخلاق؛ ليَرْجِعَ النَّاسُ عمَّا ألِفُوه منَ الباطل، واتَّبَعُوه منَ العقائدِ الفاسدة، والأخلاقِ الكاسدة.

مشاربُ المنتقِدين

مَشارِبُ المنتقِدينَ شتَّىٰ؛ تختلفُ باختلافِ أخلاقِهم، وتبايُنِ أذواقِهم:

 فمِنهم مَنْ يَستعمِلُ التُّؤَدةَ والتَّأنِّي، ولا يَتَسرَّعُ في الانتقادِ إلَّا بعدَ أنْ يَخْبُرَ المنتقَدَ عليه خِبرةً تامَّة، ويفكِّرَ فيما قالَه تفكيرًا، ثمَّ بعدَ ذلك يَشْرَعُ في نقدِ قولِه أو فعلِه، متسلِّحًا بالأدبِ التامِّ واللَّطافةِ في التَّعبير، عادِلًا عنِ الألفاظِ الَّتي تُنَفِّرُ المنتقَدَ عليه، وغايتُه مِن ذلك إظهارُ الحقِّ ليسَ إلَّا… وبذلك تَتِمُّ الفائدةُ المرغوبة، وتَحصُلُ النَّتيجةُ المطلوبة.

 ومنهم مَنْ إذا رأىٰ هَفْوةً مِن أحَد، أرْغىٰ وأزْبَد، وتسرَّعَ في النَّقد، وسَلَقَ الخصمَ بألسنةٍ حِداد، ورماه بصخورٍ منَ الحِدَّةِ شِداد. سلاحُه بَذاءةُ اللِّسان، وحِدَّةُ القلم، وغيرُ ذلك منَ الوسائلِ الَّتي تضيعُ معها الحقيقة، وتَجعلُ المنتقَدَ عليه لا يُقِرُّ بالخَطاءِ وإنْ كانَ مخطئًا. وكثيرٌ مِن هؤلاءِ ليسَ قَصْدُهم إظهارَ الحقِّ، بلْ إبداءَ عُيُوبِ الخَلْق!

شروطُ الانتقاد

للانتقادِ شروطٌ وآدابٌ ينبغي للمُنتقِدِ مُراعاتُها والسَّيْرُ في جادَّتِها، وللمُنتقَدِ عليه شروطٌ كذلك. فمتىٰ راعىٰ كلٌّ منهما ما وجبَ عليه منَ الأصولِ الَّتي يَلْزَمُه اتِّباعُها، ظَهَرَ الحقُّ ووَضَحَ الأمْر، وبَطَلَ قولُ زَيْدٍ وعَمْرو؛ فكانَ كلٌّ منهما راتِعًا في بُحْبُوحةِ الصَّواب، آمِنًا منَ العِثارِ في عَقَباتِ الأكدار، والنُّزُوعِ لحُسامِ العداوةِ والأحقاد.

وإنَّا ذاكِرُونَ شيئًا مِن تلك الآدابِ والقواعد، الَّتي يَجْدُرُ بالمنتقِدِ والمنتقَدِ عليه أنْ يَجْعَلاها نُصْبَ أعْيُنِهما، ولا يُغْفِلاها طَرْفةَ عَيْن:

الأوَّل: مُناظِرُك نَظِيرُك؛ فلا يجوزُ احتقارُه ولا الازْدِراءُ برأيِه، مهما كانَ سافلًا أو خطأً، بلْ يجبُ أنْ تُلاطِفَه وتُجامِلَه، إلىٰ أنْ تَفْرِيَ ببُرهانِك القاطعِ رأسَ رأيِه الفاسد، وتُنِيرَ بدَليلِك السَّاطعِ غَياهِبَ فِكْرِه المظلِم. إذْ ليسَ المرادُ منَ الانتقادِ نَقْدَ الشَّخصِ نَفْسِه، أو إظهارَ أنَّه فاسدٌ مِن حيثُ إنَّه فاسد، وإنَّما القَصْدُ تبيينُ الصَّوابِ وإظهارُ الحقِّ، وإرشادُ مَنْ حادَ بفكرِه عنْ منهجِ السَّداد، أو أسقَطَه رأيُه عنْ مِنَصَّاتِ الرَّشاد. وإذا كانَ الغرضُ كذلك، فالازْدِراءُ بالمُناظِرِ والحَطُّ مِن كرامتِه يَحُولانِ دونَ الوُصولِ إلى المطلوب، ويَمْنعانِ الخصمَ منَ الاعترافِ بالحقِّ؛ أيًّا كانَ المُحِقُّ.

الثَّاني: كلُّ دعوىٰ لم تَكُنْ مُقترِنةً بالدَّليل، فهي ساقطةٌ عنْ درجةِ الاعتبار؛ فلا تَدَّعِ دعوىٰ قبْلَ أنْ تَقْتُلَ البُرهانَ عِلْمًا.

الثَّالث: لا تَستَعمِلِ الحِدَّةَ في كلامِك، وإنْ كنتَ أديبًا في ألفاظِك؛ فالحِدَّةُ لا تُنْتِجُ المقصودَ، بلْ رُبَّما أذهَبَتِ المطلوبَ.

الرَّابع: يقولُ علماءُ الجَدَلِ وآدابِ البحثِ والمُناظَرة: «إنْ كنتَ مُدَّعيًا فالدَّليلَ، أو ناقِلًا فالصِّحَّةَ»؛ أيْ: إنْ كانَ كلامُك دعوىٰ مِن قِبَلِ نَفْسِك؛ فاجْعَلِ البُرهانَ سِياجًا لها يَمنَعُ الدَّاخِل، ومِجَنًّا يَدفَعُ نِبالَ المُناظِرِ وسيفَ المُجادِل. وإنْ كنتَ ناقِلًا لكلامِكَ عنْ كتاب، فأَثْبِتْ ذلك النَّقلَ وصَحِّحْ ما نَقَلْتَ.

تلك أصولٌ أربعة، إذا اعتصمَ بها المُناظِرانِ وتَمَسَّكا بأهدابِها، وَصَلَ كلٌّ منهما إلىٰ ما يريدُه مِن إظهارِ الحقِّ.

ترجمة الغلاييني:
مصطفى الغلاييني
مصطفى بن محمد سليم الغلاييني (ت 1364ھ/ 1944م): شاعر، من الكتاب الخطباء، مولده ووفاته ببيروت، تعلم بها وبمصر، وتتلمذ للشيخ محمد عبده. عين خطيبًا للجيش الرابع العثماني في الحرب العامة الأولى، وبعد الحرب أقام مدة في دمشق، وتطوع للعمل في جيشها العربي. من كتبه: جامع الدروس العربية، نظرات في اللغة والأدب، عظة الناشئين، أريج الزهر، رجال المعلقات العشر، ديوان الغلاييني.
التوثيق
إدارة الأوابد
نضع بين أيديڪم روائع الضـاد؛ محررة ميسرة، قريبة المأخذ، سهلة المتناول. إعداد وتحرير: إدارة الموقع، التدقيق اللغوي والمراجعة العلمية: محمد علي الحسني.