بحرٌ في قبر

الحسين بن مُطَيْر

مِنْقصيدةٍ يرثي بها مَعْنَ بنَ زائدةَ الشَّيبانيَّ (ت 151ھ)؛ أحدَ أجوادِ العربِ المشهورين، الَّذينَ يُضرَبُ المثلُ بهم في الشَّجاعةِ والكَرَم. قالَ أبو هلالٍ العسكريُّ في (ديوانِ المعاني): «إنَّ هذه الأبياتَ أرثىٰ ما قيلَ في الجاهليةِ والإسلام».

أَلِمَّا بمَعْنٍ ثمَّ قُولَا لقَبْرِهِ:
سَقَتْكَ الغَوادِي مَرْبَعًا ثمَّ مَرْبَعَا1
فيا قَبْرَ مَعْنٍ كُنْتَ أوَّلَ حُفْرةٍ
منَ الأرضِ خُطَّتْ للسَّماحةِ مَضْجَعَا2
ويا قَبْرَ مَعْنٍ كيفَ وارَيْتَ جُودَهُ
وقَدْ كانَ منهُ البَرُّ والبَحْرُ مُتْرَعَا؟!3
بلىٰ، قدْ وَسِعْتَ الجُودَ والجُودُ مَيِّتٌ
ولَوْ كانَ حَيًّا ضِقْتَ حتَّىٰ تَصَدَّعَا4
ولمَّا مَضَىٰ مَعْنٌ مَضَى الجُودُ وانْقَضَىٰ
وأصْبَحَ عِرْنِينُ المَكارِمِ أجْدَعَا5
وما كانَ إلَّا الجُودَ صُورةُ خَلْقِهِ
فعاشَ زَمانًا ثمَّ وَلَّىٰ فوَدَّعَا
أبىٰ ذِكْرُ مَعْنٍ أنْ تَمُوتَ فِعالُهُ
وإنْ كانَ قَدْ لاقىٰ حِمامًا ومَصْرَعَا6
فتًى عِيْشَ في مَعْرُوفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ
كما كانَ بَعْدَ السَّيلِ مَجْراهُ مَرْتَعَا7
تَمَنَّىٰ أُناسٌ شَأْوَهُ مِنْ ضَلالِهمْ
فأضْحَوْا علَى الأذْقانِ صَرْعىٰ وظُلَّعَا!8

شرح الغريب (1-8)

  1. ألمَّ به: نزلَ به. الغوادي: ج الغادية؛ وهي مَطْرةُ الغَداة. المَرْبَعُ: منزلُ القوم في الربيع خاصّةً، ثمَّ صار يُطلق على المنزل عامَّةً.
  2. خُطَّتْ: حُفِرَتْ وشُقَّتْ. السماحة: الجود والكرَم.
  3. واراه: أخفاه. المُتْرَع: الممتلئ.
  4. تَصَدَّعَ: تَتَصدَّعَ (حُذفت تاء المضارعة تخفيفًا).
  5. العِرْنينُ: الأنْفُ. الأجْدَعُ: المقطوعُ. وجَدْعُ الأنْفِ: مَجازٌ في الذِّلَّة والمهانة.
  6. فِعاله: أعماله في الخير. الحِمام: الموت.
  7. المَرْتَع: الموضع تَرْتَعُ فيه الماشية؛ أي: ترعى فيه كيف شاءت، في خِصْبٍ وسَعَة.
  8. الشَّأْوُ: الغايةُ والأمَد. صَرْعى: مطروحينَ أرضًا. ظُلَّعًا (ج ظالِع): عُرْجًا.
ترجمة ابن مطير:
الحسين بن مطير بن مكمل الأسدي (ت 169ھ): شاعر متقدم في القصيد والرجز، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. له أماديح في رجالهما، وكان زيه وكلامه كزي أهل البادية وكلامهم. وفد على معن بن زائدة لما ولي اليمن، فمدحه، ولما مات معن رثاه.
التوثيق
إدارة الأوابد
نضع بين أيديڪم روائع الضـاد؛ محررة ميسرة، قريبة المأخذ، سهلة المتناول. إعداد وتحرير: إدارة الموقع، التدقيق اللغوي والمراجعة العلمية: أبو الحسن محمد علي الحسني.