استهلال

محمد البشير الإبراهيمي

tagra

اللَّهُمَّ باسْمِكَ نَبْتَدي، وبهَدْيِكَ نَهْتَدي، وبكَ يا مُعين، نَسترشِدُ ونستعين، ونسألُكَ أنْ تُكَحِّلَ بنورِ الحقِّ بصائرَنا، وأنْ تجعلَ إلىٰ رضاكَ مصائرَنا، نحمدُكَ علىٰ أنْ سدَّدْتَ في خدمةِ دينكَ خُطُواتِنا، وثَبَّتَّ علىٰ صراطِ الحقِّ أقدامَنا.
ونصلِّي ونسلِّم على نبيِّكَ الَّذي دعا إليكَ علىٰ بَصِيرَة، وتولَّاكَ فكنْتَ وَلِيَّهُ ونَصِيرَه، وعلىٰ آلِه المتَّبِعينَ لسُنَّتِه، وأصحابِه المبيِّنينَ لشريعتِه.
اللَّهُمَّ يا ناصرَ المستضعَفينَ انصُرْنا، وخُذْ بنواصِينا إلى الحقّ، واجعلْ لنا في كلِّ غاشيةٍ منَ الفتنةِ رِدْءًا منَ السَّكينة، وفي كلِّ داهِمةٍ منَ البلاءِ دِرْعًا منَ الصَّبر، وفي كلِّ داجيةٍ منَ الشَّكِّ عِلْمًا منَ اليقين، وفي كلِّ نازلةٍ منَ الفَزَعِ واقيةً منَ الثَّبات، وفي كلِّ ناجِمةٍ منَ الضَّلالِ نورًا منَ الهداية، ومعَ كلِّ طائفٍ منَ الهوىٰ رادِعًا منَ العقل، وفي كلِّ عارضٍ منَ الشُّبْهةِ لائحًا منَ البرهان، وفي كلِّ مُلِمَّةٍ منَ العَجْزِ باعثًا منَ النَّشاط، وفي كلِّ مَجْهَلةٍ منَ الباطلِ مَعالِمَ منَ الحقِّ اليقين، ومعَ كلِّ فِرْعونَ منَ الطُّغاةِ المستبِدِّين، موسىٰ منَ الحُماةِ المقاوِمين.

ترجمة الإبراهيمي:
الإبراهيمي
محمّد بن بشير بن عمر الإبراهيمي (ت 1385ھ/ 1965م): مجاهد جزائري، من ڪبار العلماء، انتُخب رئيسًا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كان من بُلَغاء الڪتَّاب المترسِّلين، ومن خطباء الارتجال المفوَّهين، قضى عمره منافحًا عن قضايا أمته، وجعل قلمه مقصوراً على خدمتها، جمعت آثاره في خمسة مجلدات كبيرة؛ وهي مجموعة مقالاته وخطبه ومحاضراته التي وجدت بعد وفاته، وطُبع منها في حياته ڪتاب (عيون البصائر).
التوثيق
اقتباس

بِئْسَتِ الشَّرِكة!

نَزِّهْ سَمْعَك عنِ اسْتِماعِ الخَنا كما تُنَزِّهُ نَفْسَك عنِ القولِ به؛ فالمستمِعُ شريكُ القائل، إنَّما نَظَرَ إلى شَرِّ ما في وِعائِه فأفْرَغَه في وِعائك! ولَوْ رُدَّتْ كلمةُ سَفِيهٍ في فِيه، لَسَعِدَ بها رادُّها، كما شَقِيَ بها قائلُها.

عمرو بن عُتبة السُّلَمي
(ت 24ھ)

الشاعرُ المعلِّم

إبراهيم طُوقان

شَوْقي يقولُ وما دَرىٰ بمُصِيبتي:
«قُمْ للمُعلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلا»1
اُقْعُدْ فَدَيْتُكَ، هلْ يكونُ مُبَجَّلًا
مَنْ كانَ للنَّشْءِ الصِّغارِ خَلِيلا؟!2
ويَكادُ [يَقْتُلُني] الأميرُ بقَوْلِه:
«كادَ المعلِّمُ أنْ يكونَ رَسُولا»!
لَوْ جَرَّبَ التَّعليمَ شَوْقي ساعةً
لَقَضَى الحياةَ شَقاوةً وخُمُولا!
حَسْبُ المعلِّمِ غُمَّةً وكَآبةً
مَرْأَى الدَّفاتِرِ بُكْرةً وأصِيلا3
مِئةٌ علىٰ مِئةٍ.. إذا هيَ صُلِّحَتْ
وَجَدَ العَمىٰ نَحْوَ العُيُونِ سَبِيلا!
ولَوَ انَّ في التَّصْلِيحِ نَفْعًا يُرْتَجىٰ
وأبِيكَ لَمْ أَكُ بالعُيُونِ بَخِيلا4
لكنْ أُصَلِّحُ غَلْطةً نَحْوِيَّةً
مَثَلًا، وأتَّخِذُ الكِتابَ دَلِيلا5
مُسْتَشْهِدًا بالغُرِّ مِنْ آياتِهِ
أوْ بالحَدِيثِ مُفَصَّلًا تَفْصِيلا6
وأغُوصُ في الشِّعْرِ القَديمِ فأَنْتَقِي
ما ليسَ مُلْتَبِسًا ولا مَبْذُولا7
وأكادُ أَبْعَثُ سِيبَوَيْهِ مِنَ البِلىٰ
وذَوِيهِ مِنْ أهْلِ القُرُونِ الأُولىٰ8
فأَرىٰ حِمارًا بَعْدَ ذلكَ كُلِّهِ
رَفَعَ المُضافَ إليهِ والمَفْعُولا!!
لا تَعْجَبُوا إنْ صِحْتُ يَوْمًا صَيْحةً
ووَقَعْتُ ما بينَ [الصُّفوفِ] قَتِيلا9
يا مَنْ يُرِيدُ الإنْتِحارَ، وَجَدْتُهُ:
إنَّ المعلِّمَ لا يَعِيشُ طَوِيلا!10

شرح الغريب (1-10)

  1. شوقي: أميرُ الشعراءِ أحمد شوقي. وفَّاه التَّبجيلَ: أدَّى حقَّ تعظيمِه وافيًا تامًّا.
  2. النَّشْء: ج النَّاشِئ؛ وهو الغلامُ جاوزَ حدَّ الصِّغَرِ وشبَّ.
  3. حَسْبُه: يَكْفِيه. الغُمَّة: الكَرْب والحزن. الأصيل: وقتُ اصفرارِ الشمسِ لمغربِها.
  4. ولوَ انَّ: همزةُ (أنَّ) هنا همزةُ وصلٍ للضرورة، تُلفظ مع (لَوْ) هكذا: (لَوَنَّ). لم أَكُ: لم أَكُنْ.
  5. الكتاب: القرآن الكريم.
  6. الغُرُّ: ج الغَرَّاء؛ وهي البيضاءُ الواضحة. الحديث: يعني الحديثَ النبويَّ الشريف.
  7. المبذول (هنا): بمعنى الضعيفِ النازل. يعني أنه يختارُ من شواهدِ الشِّعرِ أشرفَها وأعلاها.
  8. سِيبَوَيْه: عَمْرُو بنُ عثمانَ بنِ قَنْبَر (ت180ﻫ)، إمامُ النحوِ العربي. البِلى: الفَناء.
  9. الصُّفوف: ج الصَّفِّ؛ وهو أحدُ أقسامِ المدرسة، ويُسمَّى «الفَصْلَ» أيضًا (الكلمتان مُحْدَثتان). في الأصل: «ما بينَ البُنُوكِ»؛ يعني مقاعدَ الدراسة.
  10. الانتحار: قُطِعَت الهمزةُ لضرورةِ الوزن.
ترجمة طوقان:
إبراهيم طوقان
إبراهيم بن عبد الفتاح طوقان (ت 1360ھ/ 1941م): شاعر غَزِل، من أهل نابلس بفلسطين. قال فيه أحد كتّابها: «عذب النغمات، ساحر الرنات، تقسَّم بين هوًى دفين، ووطن حزين». تعلم في الجامعة الأميركية ببيروت، وبرع في الأدبين العربي والإنجليزي، وتولى قسم المحاضرات في محطة الإذاعة بفلسطين نحو خمس سنين، وانتقل إلى بغداد مدرسًا، ثم عاد إلى بلده نابلس مريضًا، وتوفي في القدس. وكان وديعًا مرحًا.
التوثيق

أحاديثُ المسجديِّين (2)

أبو عثمان الجاحظ

الجزء الأول

قالَ شيخٌ منهم: يا قَوْمُ، لا تَحْقِرُوا صِغارَ الأُمُور؛ فإنَّ أوَّلَ كلِّ كبيرٍ صغيرٌ، ومتىٰ شاءَ اللهُ أنْ يُعظِّمَ صغيرًا عَظَّمَه، وأنْ يُكثِّرَ قليلًا كَثَّرَه. وهلْ بُيوتُ الأموالِ إلَّا دِرهمٌ علىٰ دِرهم؟! وهلِ الدِّرهمُ إلَّا قِيراطٌ إلىٰ جَنْبِ قِيراط؟! أوَ ليسَ كذلك رَمْلُ عالِجٍ وماءُ البحر؟ وهلِ اجْتَمعَتْ أموالُ بُيوتِ الأموالِ إلَّا بدِرهمٍ مِن هاهنا، ودِرهمٍ مِن هاهنا؟!

قدْ رأيْتُ صاحبَ سَقَطٍ قدِ اعْتَقَدَ مئةَ جَرِيبٍ في أرضِ العرب، ولَربَّما رأيْتُه يبيعُ الفُلْفُلَ بقِيراطٍ والحِمِّصَ بقِيراط، فأعْلَمُ أنَّه لم يَربَحْ في ذلك الفُلْفُلِ إلَّا الحَبَّةَ والحَبَّتَيْنِ مِن خشبِ الفُلْفُل، فلمْ يَزَلْ يَجمعُ منَ الصِّغارِ الكِبارَ، حتَّى اجتَمعَ ما اشترىٰ به مئةَ جَرِيب.

 الدَّاءُ والدَّواء

ثمَّ قال: اشتكيْتُ أيَّامًا صَدْري، مِن سُعالٍ كانَ أصابَني، فأمَرَني قومٌ بالفانِيذِ السُّكَّريِّ، وأشارَ عليَّ آخَرونَ [بالحَرِيرةِ] تُتَّخَذُ منَ [النَّشاسْتَجِ] والسُّكَّرِ ودُهْنِ اللَّوزِ، وأشباهِ ذلك. فاستَثْقَلْتُ المَؤُونةَ، وكَرِهْتُ الكُلْفةَ، ورَجَوْتُ العافيةَ.

فبَيْنا أنا أُدافِعُ الأيَّامَ، إذْ قالَ لي بعضُ المُوَفَّقِين: عليكَ بماءِ النُّخالة؛ فاحْسُه حارًّا. فحَسَوْتُ، فإذا هو طيِّبٌ جِدًّا، وإذا هو يَعْصِمُ؛ فما جُعْتُ ولا اشتَهَيْتُ الغَداءَ في ذلك اليومِ إلى الظُّهر. ثمَّ ما فَرَغْتُ مِن غَدائي وغَسْلِ يدَيَّ حتَّىٰ قاربْتُ العَصْر، فلمَّا قَرُبَ وقتُ غَدائي مِن وقتِ عَشائي، طَوَيْتُ العَشاءَ، وعَرفْتُ قَصْدي.

بابٌ منَ الاقتصاد!

فقلتُ للعَجُوز: لِمَ لا تَطبُخِينَ لعِيالِنا في كلِّ غَداةٍ نُخالةً؟ فإنَّ ماءَها جِلاءٌ للصَّدْر، وقُوتَها غِذاءٌ وعِصْمةٌ، ثمَّ تُجفِّفِينَ بَعْدُ النُّخالةَ فتعودُ كما كانتْ، فتَبِيعِينَه إذا اجتمعَ بمِثْلِ الثَّمنِ الأوَّل، ونكونُ قدْ رَبِحْنا فَضْلَ ما بينَ الحالَيْن.

فقالتْ: أرجو أنْ يكونَ اللهُ قدْ جَمعَ لكَ بهذا السُّعالِ مَصالِحَ كثيرةً؛ لِمَا فَتحَ اللهُ لكَ بهذه النُّخالةِ الَّتي فيها صلاحُ بَدَنِك، وصلاحُ مَعاشِك.

وما أشُكُّ أنَّ تلك المَشُورةَ كانتْ منَ التَّوفيق!

قالَ القَوم: صَدَقْتَ؛ مِثْلُ هذا [لا] يُكتسَبُ بالرَّأي، ولا يكونُ إلَّا سَماوِيًّا!

 مُعْضِلةٌ باهِظة

ثمَّ أقْبَلَ عليهم شيخٌ آخَرُ؛ فقال: كُنَّا نَلْقىٰ منَ الحُرَّاقِ والقَدَّاحةِ جَهْدًا؛ لأنَّ الحِجارةَ كانتْ إذا انكسرَتْ حُروفُها واستدارَتْ، كَلَّتْ ولمْ تَقْدَحْ قَدْحَ خَيْرٍ، وأصْلَدَتْ فلمْ تُورِ، ورُبَّما أعْجَلَنا المطرُ والوَكْف.

وقدْ كانَ الحجَرُ أيضًا يأخذُ مِن حُروفِ القَدَّاحةِ حتَّىٰ يَدَعَها كالقَوْس، فكنتُ أشتري المَرْقَشِيثا بالغَلاء، والقَدَّاحةَ الغَليظةَ بالثَّمنِ المُوجِع. وكانَ علينا أيضًا في صَنْعةِ الحُرَّاقِ وفي مُعالَجةِ العُطْبةِ مُؤْنةٌ، وله رِيحٌ كَرِيهة. والحُرَّاقُ لا يَجِيءُ منَ الخِرَقِ المَصْبُوغة، ولا منَ الخِرَقِ الوَسِخة، ولا منَ الكَتَّان، ولا منَ الخُلْقان؛ فكُنَّا نَشْتريه بأغلى الثَّمن.

القَدَّاحةُ العجيبة!

فتَذاكَرْنا منذُ أيَّامٍ أهلَ البَدْوِ والأعْرابَ، وقَدْحَهمُ النَّارَ بالمَرْخِ والعَفَار، فزَعَمَ لنا صديقُنا الثَّوْريُّ، وهو ـ ما عَلِمْتُ ـ أحدُ المُرْشَدِين: أنَّ عَراجِينَ الأعْذاقِ تَنُوبُ عنْ ذلك أجْمَعَ، وعلَّمَني كيفَ تُعالَجُ. ونحنُ نُؤْتىٰ بها مِن أرضِنا بلا كُلْفة، فالخادمُ اليومَ لا تَقْدَحُ ولا تُورِي إلَّا بالعُرْجُون.

قالَ القَوم: قدْ مرَّتْ بنا اليومَ فوائدُ كثيرة؛ ولهذا ما قالَ الأوَّلُ: «مُذاكَرةُ الرِّجالِ تُلَقِّحُ الألْبابَ»!

التوثيق

غِراسُ الأمَّهات

معروف الرُّصافي

هيَ الأخلاقُ تَنْبُتُ كالنَّباتِ
إذا سُقِيَتْ بماءِ المَكْرُماتِ
تَقُومُ إذا تَعَهَّدَها المُرَبِّي
علىٰ ساقِ الفَضِيلةِ مُثْمِراتِ1
وتَسْمُو للمَكارِمِ باتِّساقٍ
كما اتَّسَقَتْ أنابِيبُ القَناةِ2
وتُنْعِشُ مِنْ صَمِيمِ المَجْدِ رُوحًا
بأزهارٍ لها مُتَضَوِّعاتِ3
ولمْ أرَ للخَلائقِ مِنْ مَحَلٍّ
يُهَذِّبُها كحِضْنِ الأُمَّهاتِ4
فحِضْنُ الأُمِّ مَدْرَسةٌ تَسامَتْ
بتَرْبيةِ البَنِينَ أوِ البَناتِ
وأخلاقُ الوَلِيدِ تُقاسُ حُسْنًا
بأخلاقِ النِّساءِ الوالِداتِ
وليسَ رَبِيبُ عالِيَةِ المَزايا
كمِثْلِ رَبِيبِ سافِلةِ الصِّفاتِ5
وليسَ النَّبْتُ يَنْبُتُ في جِنانٍ
كمِثْلِ النَّبْتِ يَنْبُتُ في الفَلاةِ6
فيا صَدرَ الفَتاةِ رَحُبْتَ صَدْرًا
فأنتَ مَقَرُّ أسْنَى العاطِفاتِ7
نراكَ إذا ضَمَمْتَ الطِّفْلَ لَوْحًا
يَفُوقُ جَمِيعَ ألواحِ الحياةِ
إذا اسْتَندَ الوَلِيدُ [إليكَ] لاحَتْ
تَصاوِيرُ الحَنانِ مُصَوَّراتِ
لأخلاقِ الصَّبِيِّ بكَ انْعِكاسٌ
كما انْعَكسَ الخَيالُ علَى المِرَاةِ8
وما ضَرَبانُ قَلْبِكَ غيرُ دَرْسٍ
لتَلْقِينِ الخِصالِ الفاضِلاتِ9
فأوَّلُ دَرْسِ تَهْذِيبِ السَّجايا
يكونُ عليكَ يا صَدْرَ الفَتاةِ10
فكيفَ نَظُنُّ بالأبْناءِ خَيْرًا
إذا نَشَؤُوا بحِضْنِ الجاهلاتِ؟!
وهلْ يُرْجىٰ لأطفالٍ كَمالٌ
إذا ارْتَضَعُوا ثُدِيَّ النَّاقِصاتِ؟!11
فما لِلأُمَّهاتِ جَهِلْنَ حتَّىٰ
أتَيْنَ بكُلِّ طَيَّاشِ الحَصاةِ؟!12
حَنَوْنَ علَى الرَّضِيعِ بغيرِ عِلْمٍ
فضاعَ حُنُوُّ تلكَ المُرْضِعاتِ
أأُمَّ المُؤمِنينَ إليكِ نَشْكُو
مُصِيبَتَنا بجَهْلِ المُؤمِناتِ13
فتِلْكِ مُصِيبةٌ يا أُمُّ مِنْها
«نَكادُ نَغَصُّ بالماءِ الفُراتِ»14
تَخِذْنا بَعْدَكِ العاداتِ دِينًا
فأشْقَى المُسْلِمونَ المُسْلِماتِ15
فقدْ سَلَكُوا بهِنَّ سَبِيلَ خُسْرٍ
وصَدُّوهُنَّ عنْ سُبُلِ الحياةِ
وقالُوا: شِرْعةُ الإسلامِ تَقْضِي
بتَفْضِيلِ (الَّذينَ) علَى (اللَّواتي)!
فماذا اليومَ ضَرَّ لَوِ الْتَفَتْنا
إلىٰ أسْلافِنا بعضَ الْتِفاتِ؟!
فهُمْ سارُوا بنَهْجِ هُدًى وسِرْنا
بمِنْهاجِ التَّفرُّقِ والشَّتاتِ

شرح الغريب (1-15)

  1. تعهَّدَها: تفقَّدَها واعتنى بها.
  2. اتَّسقَ الشَّيءُ اتِّساقًا: اجتمعَ وانضمَّ وانتظمَ. القَناة: الرُّمح، وكلُّ عصًا مستوية. الأنابيب: ج الأُنْبُوب؛ وهو ما بين العُقْدتينِ من القَناة.
  3. تُنعِشُ الرُّوحَ: تُعِيدُ إليها النَّشاطَ. الصَّمِيمُ من كلِّ شيءٍ: أصلُه، وخالِصُه. تضوَّعَتِ الزَّهرةُ: فاحَتْ رائحتُها. في المطبوع: «تُنعِشُ»، الواو ساقطة.
  4. الخلائق: ج الخَلِيقة؛ وهي الطبيعةُ التي يُخلَقُ المرءُ بها.
  5. الرَّبيب: المُرَبَّى.
  6. الفَلاة: القَفْرُ من الأرض، أو الصَّحراءُ الواسعة.
  7. رَحُبَ: اتَّسعَ. أسْنَى العاطفاتِ: أرْفَعُها وأشْرَفُها.
  8. المِرَاة: المِرْآة. حُذفَتِ الهمزةُ للضَّرورة، وأُلقيَتْ حركتُها على الراء.
  9. ضَرَبانُ القلبِ: خَفَقانُه. الخِصال: ج الخَصْلة؛ وهي خُلُقٌ في الإنسان؛ يكون فضيلةً أو رذيلةً.
  10. السَّجايا: ج السَّجِيَّة؛ وهي المَلَكةُ الرَّاسخةُ في النَّفْس، التي لا تَقْبلُ الزَّوالَ بسهولة.
  11. ارتضَعُوا: رَضَعُوا. الثُّدِيُّ: ج الثَّدْي.
  12. الطَّيَّاش: الأرعَنُ المتسرِّع. الحَصاة: العَقْلُ والرَّأي.
  13. أمُّ المؤمنين: أرادَ عائشةَ .
  14. الفُرات: العَذْبُ جِدًّا. والشَّطرُ الثاني مقتبسٌ من شاهدٍ نَحْويٍّ مشهور، يُنسبُ إلى عبدِ اللهِ بنِ يَعْرُبَ وغيرِه، وأوَّلُه: «فساغَ ليَ الشَّرابُ وكنتُ قَبْلًا/ أكادُ أغَصُّ…».
  15. تَخِذْنا: اتَّخَذْنا.
ترجمة الرصافي:
معروف الرصافي
معروف بن عبد الغني البغدادي الرصافي (ت 1364ھ/ 1945م): شاعر العراق في عصره. ولد ببغداد، ونشأ بها في الرصافة، وتتلمذ لمحمود شكري الآلوسي في علوم العربية وغيرها زهاء عشر سنوات، واشتغل بالتعليم. نظم أروع قصائده في الاجتماع والثورة على الظلم، وكان جزل الألفاظ في أكثر شعره، عالي الأسلوب حتى في مجونه، هجّاءً مرًّا، وصّافًا مجيدًا، ملأ الأسماع دويًّا في بدء شهرته. نشأ وعاش ومات فقيرًا.
التوثيق

إنَّ أخاك مَنْ آساك

مثلٌ عربي

يقالُ: آسَيْتُ فُلانًا بمالي أو غيرِه؛ إذا جَعلْتَه أُسْوةً لك، و(واسَيْتُ) لغةٌ فيه ضعيفةٌ، بَنَوْها علىٰ (يُواسِي). ومعنى المَثَل: إنَّ أخاك حقيقةً مَنْ قدَّمَك وآثرَك علىٰ نَفْسِه. يُضرَبُ في الحَثِّ علىٰ مُراعاةِ الإخوان.

وأوَّلُ مَنْ قالَ ذلك خُزَيْمُ بنُ نَوْفلٍ الهَمْدانيُّ؛ وذلك أنَّ النُّعمانَ بنَ ثَوابٍ العَبْديَّ كانَ له بَنُونَ ثلاثةٌ: سَعْدٌ وسَعِيدٌ وساعِدةُ، وكانَ أبُوهم ذا شَرفٍ وحِكْمة، وكانَ يُوصِي بَنِيه ويَحْمِلُهم علىٰ أدبِه.

 أمَّا ابنُه سَعْدٌ فكانَ شُجاعًا بطلًا، مِن شياطينِ العرب، لا يُقامُ لسَبِيلِه، ولمْ تَفُتْه طَلِبَتُه قَطُّ، ولمْ يَفِرَّ عنْ قِرْن.

 وأمَّا سعيدٌ فكانَ يُشْبِهُ أباه في شَرفِه وسُؤْدَدِه.

 وأمَّا ساعِدةُ فكانَ صاحِبَ شَرابٍ ونَدَامىٰ وإخْوان.

وصايا الأبِ لأبنائِه

 فلمَّا رأىٰ الشَّيخُ حالَ بَنِيه، دعا سَعْدًا ـ وكانَ صاحِبَ حربٍ ـ فقال: يا بُنَيَّ، إنَّ الصَّارِمَ يَنْبُو، والجَوادَ يَكْبُو، والأثَرَ يَعْفُو، [والحليمَ يَهْفُو]، فإذا شَهِدْتَ حربًا؛ فرأيْتَ نارَها تَسْتَعِرُ، وبَطلَها يَخْطِرُ، وبحرَها يَزْخَرُ، وضَعِيفَها يُنْصَرُ، وجَبانَها يَجْسُرُ، فأقْلِلِ المُكْثَ والانتظار، فإنَّ الفِرارَ غيرُ عار، إذا لمْ تَكُنْ طالِبَ ثار؛ فإنَّما يُنْصَرُونَ هُمْ، وإيَّاكَ أنْ تكونَ صَيْدَ رِماحِها، ونَطِيحَ نِطاحِها.

 وقالَ لابْنِه سعيدٍ ـ وكانَ جَوادًا ـ: يا بُنَيَّ، لا يَبْخَلُ الجَواد، فابْذُلِ الطَّارِفَ والتِّلاد، وأقْلِلِ التَّلاح، تُذْكَرْ عندَ السَّماح، وابْلُ إخوانَك فإنَّ وَفِيَّهم قليل، واصْنَعِ المعروفَ عندَ مُحْتَمِلِه.

 وقالَ لابْنِه ساعِدةَ ـ وكانَ صاحِبَ شرابٍ ـ: يا بُنَيَّ، إنَّ كَثْرةَ الشَّرابِ تُفسِدُ القَلْب، وتُقَلِّلُ الكَسْب، وتُجِدُّ اللَّعْب، فأبْصِرْ نَدِيمَك، واحْمِ حَرِيمَك، وأعِنْ غَرِيمَك، واعلَمْ أنَّ الظَّمأَ القامِح، خيرٌ منَ الرِّيِّ الفاضِح، وعليكَ بالقَصْدِ فإنَّ فيه بَلاغًا.

سعيدٌ يَبْلُو إخوانَه

ثمَّ إنَّ أباهمُ النُّعمانَ بنَ ثَوابٍ تُوُفِّي، فقالَ ابنُه سعيدٌ ـ وكانَ جَوادًا سيِّدًا ـ: لَآخُذَنَّ بوَصِيَّةِ أبي، ولَأَبْلُوَنَّ إخواني وثِقاتي في نَفْسِي. فعَمَدَ إلىٰ كَبْشٍ فذَبَحَه، ثمَّ وَضَعَه في ناحيةِ خِبائِه، وغَشَّاه ثَوْبًا، ثمَّ دَعا بعضَ ثِقاتِه فقال: يا فُلانُ، إنَّ أخاك مَنْ وَفىٰ لك بعَهْدِه، وحاطَك برِفْدِه، ونَصَرَك بوُدِّه. قال: صَدَقْتَ، فهلْ حَدَثَ أمْرٌ؟ قال: نَعَمْ، إنِّي قَتلْتُ فُلانًا، وهو الَّذي تَراه في ناحيةِ الخِباء، ولا بُدَّ منَ التَّعاونِ عليه حتَّىٰ يُوارىٰ، فما عِنْدَك؟ قال: يا لَها سَوْءَةً وَقَعْتَ فيها! قال: فإنِّي أريدُ أنْ تُعِينَني عليه حتَّىٰ أُغَيِّبَه. قال: لستُ لكَ في هذا بصاحِب. فتَرَكَه وخَرَج.

فبَعَثَ إلىٰ آخَرَ مِن ثِقاتِه، فأخْبَرَه بذلك وسألَه مَعُونتَه، فرَدَّ عليه مِثْلَ ذلك، حتَّىٰ بَعَثَ إلىٰ عددٍ منهم؛ كلُّهم يَرُدُّ عليه مِثْلَ جوابِ الأوَّل، ثمَّ بَعَثَ إلىٰ رجُلٍ مِن إخوانِه يقالُ له: خُزَيْمُ بنُ نَوْفَل، فلمَّا أتاه قالَ له: يا خُزَيْمُ، ما لي عِنْدَك؟ قال: ما يَسُرُّك، وما ذاك؟ قال: إنِّي قتلْتُ فُلانًا، وهو الَّذي تَراه مُسَجًّى. قال: أيْسَرُ خَطْبٍ! فتريدُ ماذا؟ قال: أريدُ أنْ تُعِينَني حتَّىٰ أُغَيِّبَه. قال: هانَ ما فَزِعْتَ فيه إلىٰ أخِيك!

رُبَّ جِدٍّ جَرَّه اللَّعِبُ!

[ثمَّ قالَ له خُزَيْمٌ] ـ وغلامٌ لسعيدٍ قائمٌ معهما ـ: هلِ اطَّلَعَ علىٰ هذا الأمرِ أحدٌ غيرُ غُلامِك هذا؟ قال: لا. قال: انْظُرْ ما تقولُ! قال: ما قُلتُ إلَّا حقًّا. فأهْوىٰ خُزَيْمٌ إلىٰ غلامِه؛ فضَرَبَه بالسَّيفِ فقتلَه، وقال: «ليسَ عَبْدٌ بأخٍ لك»! فأرْسَلَها مَثلًا.

وارتاعَ سعيدٌ وفَزِعَ لقَتْلِ غلامِه، فقال: وَيْحَك!! ما صَنَعْتَ؟! وجَعلَ يَلُومُه، فقالَ خُزَيْم: «إنَّ أخاك مَنْ آساك»، فأرْسَلَها مَثلًا. قالَ سعيد: فإنِّي أردْتُ تَجْرِبتَك.. ثمَّ كَشَفَ له عنِ الكَبْش، وخَبَّرَه بما لَقِيَ مِن إخوانِه وثِقاتِه وما رَدُّوا عليه، فقالَ خُزَيْم: «سَبَقَ السَّيفُ العَذَلَ»! فذهبَتْ مَثلًا.

التوثيق
الصفحة 1 من 10